ثقافة وفن

النّـدامى … من درر الغناء السوداني

رائعة الفنان الخير عثمان

د. محمد بدوي مصطفى

في ستينيات القرن الماضي كان صوت الإذاعة البريطانية وإذاعات أخرى جريئة، فاضحة، ماتعة وشيّقة صداح في كل أرجاء السودان واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن جاءت نقمة الإنقاذ – الله لا أعادها. فكانت هذه الإذاعات بمثابة متنفس لكل المحبين الهائمين والعاشقين لارتياد آفاق العوالم الأخرى، فكانت حقًّا إمتاع إلى حد الثمالة لهم، فيما يتلقونه ويستمعون إليه من رحلات خالدة في بلاد الأرض الواسعة من أغنيات، أخبار، ربورتاجات، أحاديث وقصص. ففي ستينيات القرن المنصرم أعلنت ذات يوم هيئة الإذاعة البريطانيّة بي بي سي عن مسابقة لاختيار أجمل قصيدة شعريّة، وذاع صيت المسابقة في كل أرجاء الوطن العربيّ. حينئذ تقدم أحد شعراء العربيّة بالسودان، الشاعر الفذ محمد عثمان عبد الرحيم بعملين: الأول “أنا سوداني” والثاني “النّدامى”.

فجاء حينئذ رفض الإذاعة وطلبها أن يتقدم المتسابق بعمل واحد لا غير. ففكر ودبّر وقدّر شاعرنا الهمام وقال سوف أتقدم شخصيا بقصيدة “أنا سوداني” وأنسب الأخرى لصديق لي: كان من المحاميين المرموقين بالسودان وتربطه به علاقة وطيدة. وتفاجأ الشاعر أن قصيدة “الندامى” فازت بالجائزة الأولى وقصيدة “أنا سوداني” بالثانية. وكان للقصديتين نصيبا وافرا من الشهرة عبر حنجرتيّ المطربين الخير عثمان وحسن خليفة العطبراوي. وشعب السودان يحفظهما عن ظهر قلب وصارتا من كلاسيكيات الطرب السودانيّ بجدارة. من جهة أخرى ظلت أغنية “أنا سوداني” مسجلة في دفاتر الإذاعة باسم المحامي المجهول إلى أن تم تصويب الخدعة الفنيّة البريئة عندما نشر الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم ديوانه الأول والذي تضمن القصيدتين. أحاديث خالدة “كلما غنّت بها أثملها!”

الندامى

ﺃﺩﺭِ ﺍﻟﻜﺄﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺸـﺎﻕ ﺻﻔﻮﺍً ﻭﻣﺪﺍﻣـــﺔ

ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺐ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﻳﺎ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻨﺪﺍمى

……. ……

ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺮﺍﻓـﻞ ﻓﻲ ثوب ﻣﻦ ﺍﻟﺤـﺴﻦ ﺩﻭﺍﻣــﺎ

ﻣﺎﺳﺖ ﺍﻷﻏﺼﺎﻥ ﻟﻤﺎ ﻋﺸﻘﺖ ﻣﻨﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻣﺎ

ﺗﺘﺤﺪﻯ ﺍﻟﺒـﺎﻥ ﻣﻴﻼً ﻭﺍﻋﺘـﺪﺍﻻً ﻭﺍﻧﻘﺴﺎﻣــــﺎ

ﻭﺗـﻔﻮﻕ ﺍﻟـﺒﺪﺭ ﺣﺴـﻨﺎً ﻭﺿـﻴﺎﺀً ﻭ ﻭﺳﺎﻣـﺔ

….. ……

ﻳﺎ ﺳﻘـﻴﻢ ﺍﻟﻠﺤـﻆ ﻳﺎ ﻣـﻦ ﺃﻭﺭﺙ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺳﻘﺎﻣﺎ

ﺍﻥ ﻓﻲ ﺗﻴـﻬﻚ إﺭﻫـﺎﺏ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺼـﺪ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣــﺎ

ﺳﻞ ﺃﻧﺎﺱ ﺩﺭﺳﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﻬﺪ ﺍﻟﺤﺐ غرﺍﻣﺎ

أﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻋﻤﺪﺍً ﻣﻦ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺣﺮﺍﻣــــﺎ؟

…… ……

ﺍﻥ ﻃﻌﻢ ﺍﻟﺤﺐ ﻛﺎﻟﺼﺒﺮ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﺣﺪﺍﻗـﺎ

ﻏﻴﺮ ﺍﻧﻲ ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺐ ﺍﻟﻘﻠـﺐ ﺍﺳﺘـﺤﻠﻲ ﻣـﺬﺍﻗــــﺎ

ﺍﻧﺖ ﻣِﻦ ﻣَﻦْ ﺍﻓﺴﺤﻮﺍ ﻟﻠﺤﺴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻧﻄﺎﻗﺎ

ﺧﻠﻘﻮﻙ لشتى ﺍﻟﺒﺸﺎﺷﺎﺕ ﻭﺍﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻄﻼﻗــــﺎ

….. ……

ﺍﻧﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﺮﺍﺑﻚ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮ ﺍﺳﺘﻮﺣﻲﺍﻟﺮﺷﺎﻗـــﺔ

ﻣﻨﻄﻘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻤﺖ ﻣﻦ ﺍﺭﻭﻉ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻠﺒﺎﻗﺔ

ﻭﻟﻠﺮﻭﺡ ﻳﺎ ﻣﻼﻛﻲ ﻭﺳﻤﺔ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻤُﺸﺎﻗـــﺔ

ﻛﺎﻟﺬﻱ ﻳﻘﻄﻒ ﻣﻦ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻷﺯﻫﺎﺭ ﺑﺎﻗــــة

….. ……

ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺮﺍﻓـﻞ ﻓﻲ ثوب ﻣﻦ ﺍﻟﺤـﺴﻦ ﺩﻭﺍﻣــﺎ

ﻣﺎﺳﺖ ﺍﻷﻏﺼﺎﻥ ﻟﻤﺎ ﻋﺸﻘﺖ ﻣﻨﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻣﺎ

ﺗﺘﺤﺪﻯ ﺍﻟﺒـﺎﻥ ﻣﻴﻼً ﻭﺍﻋﺘـﺪﺍﻻً ﻭﺍﻧﻘﺴﺎﻣــــﺎ

ﻭﺗـﻔﻮﻕ ﺍﻟـﺒﺪﺭ ﺣﺴـﻨﺎً ﻭﺿـﻴﺎﺀً وﻭﺳﺎﻣـﺔ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق