سلايدرسياسة

التقويم الزراعي في مشروع الجزيرة

وقفات في ثقافتنا التقليدية

بروفيسور عبد الله التوم

القد أنشأ مشروع الجزيرة في عشرينات القرن الماضي وبناءً على توصية مجلس العموم البريطاني في عام ١٩٠٨. 

كان الهدف الأول للمشروع هو سد فجوة الحصول على القطن حتى لا تقع مصانع النسيج البريطانية فريسة للتنافس في السوق العالمي.  يعني هذا أن المشروع صمم أساساً لخدمة اقتصاد المستعمِر ولكنه أصبح – بقدرة قادر- من أهم دعامات اقتصاد السودان وتحتم على ذلك توسيع المشروع أفقيا ورأسيا، أي زيادة المساحة المستغلة ورفع عدد الدورات الزراعية في العام الواحد.

ولمشروع الجزيرة هدف استعماري آخر قل ان يستأثر بانتباه المحليين.  يكمن هذا الهدف في رمزية المشروع كدليل مجسد ومرئي على الأرض يثبت للجميع تفوق البريطانيين على السودانيين ويبرر الاستعمار كفعل حميد واخلاقي في نفس الوقت.    فمن خلال المشروع يبرز البريطانيون تفوقهم أذ انهم ينتسبون الى مجتمع حديث يحكمه العلم والعقلانية والحداثة.  وعلى النقيض من ذلك يقبع الشعب السوداني في مجتمع متخلف تهيمن عليه الخرافة والجهل وانعدام العقلانية.   

قام مشروع الجزيرة على فرضيات محدده، جميعها تعلل دونية المستعمَر وتزكي استعماره.  تقول الفرضيات أن الزراعة العلمية الحديثة أجدي وأكثر انتاجا من الزراعة التقليدية وان الفلاحين هم متلقين سلبيين للأفكار العلمية الحديثة وسوف يتخلصون من ثقافتهم الزراعية البالية بعد فترة قصيرة من الزمن.  تذهب الفرضيات أيضا ان المزارع السوداني التقليدي يتصف بالكسل وعدم الانضباط من جانب والجهل بطرق الزراعة الحدثة من جانب آخر.  أما المعضلة الأولى فيمكن مجابهتها بمنظومة عقابية تردع من يفشل في القيام بالأعباء الزراعية التي يأمر بها إدارة المشروع.  في حال معضلة الجهل بالزراعة الحديثة، أسس المشروع شعبة للتدريب تعنى بتعليم مزارعي الجزيرة معارف حديثة تتناسق مع المشروع الجديد.

بناءً على الفرضيات المذكورة، تنبأ المستعمِر أن في إمكان مشروع الجزيرة إزالة الثقافة الزراعية التقليدية والبالية بعد سنوات عدة، وإحلالها بثقافة زراعية حديثة على غرار شعبة التدريب في إدارة المشروع وهذا ما لم يحدث.  لمشروع الجزيرة تقويم زراعي حديث وعلمي يحدد تواريخ الحرث والبذر والري الأول والثاني وغيره من العمليات الزراعية وجميع هذه الاعمال مجدولة ويقوم مفتشو المشروع بنشرها ومتابعة تنفيذها مع المزارعين.  قد أظهرت دراستنا للمشروع أن مفتشي المشروع يتظلمون من عدم التزام المزارعين بالتقويم الزراعي الذي يتلقونه من رئاسة المشروع.  في اعتقاد إدارة مشروع الجزيرة أن الزراعيين لم يستوعبوا الدرس لخلل في التدريب ويذهب آخرون أن عدم الالتزام بالتقويم يعود إلى التهور وانعدام المسؤولية وهذا يتطلب الردع من قبل إدارة المشروع.  قد يشمل الردع نزع الحواشة أو استئجار عَمالة زراعية للقيام بالمهمة على حساب المزارع المذنب.   وتفنن المزارعون في اختلاق الاعذار لإخلالهم بالتقويم الرسمي بسبب المرض أو موت أحد الأقارب أو إصلاح دار انهار فجأة على أحد الجيران. لكن خرق التقويم الرسمي يقبع في موقع آخر وهو ما سنوضحه في الفقرات التالية.   

لم يخطر لطاقم إدارة المشروع أن هناك تقويم تقليدي ومن قبل الفلاحين – ذوي التلقي السلبي- وهذا التقويم يناوئ التقويم الزراعي الرسمي للمشروع.  إن تعارض التقويمين هو الذي يفسر خروقات المزارعين للتقويم الرسمي في العمليات المختلقة والتي تُملي من قبل إدارة المشروع. وجود التقويم المحلي يعصف بفرضية ان الفلاحين يأتون برؤوس فارغة يسهل ملأها بما تجود به أفكار التنمية والحداثة.

قد نتساءل لماذا لم يستطع مفتشو مشروع الجزيرة اكتشاف التقويم التقليدي المناوئ لرصيفه الحديث والاجابة واضحة.  إن غالبية مفتشي مشروع الجزيرة هم من أبناء المدن وهم حضريون لا علاقة لهم بمهن الريف، ولكنهم تغولوا على الزراعة من قبل تأهيلهم الأكاديمي في الجامعات السودانية أو خارج البلاد.  فضلاً عن ذلك، فإن مفتشي المشروع يمثلون طبقة عليا وصفوية لا تلتصق بالمزارعين عبر المناسبات الاجتماعية مثل الاعراس والمآتم واحتفالات ختان الابناء.  دعني اتحول الآن الى التقويم التقليدي وهو موضع النزاع في المشروع.

إن لمزارعي مشروع الجزيرة تقويم زراعي تقليدي يسبق المشروع بمئات السنين.  يقسم هذا التقويم السنة إلى وحدات متساوية تسمى عِينات يبلغ كل منها ١٣ الى ١٣.٥ يوم.   لكل عِينة صفات طقسية محددة وخصائص أخرى ترتبط بالعمليات الزراعية.  والعينات هي: السرطان، ٢٢ ابريل الى الخامس من مايو؛ البطان من الخامس من مايو إلى ١٨ من ذات الشهر؛ الثريا من ١٨ مايو الى ٣١ من ذات الشهر..   تتوالى العينات فتاتي الضربان، الهقعة، الهناء، الضراع، النطرة، الطرفة، الجبهة، الخرصة، السرف، العيوة ثم السَمّاك. أعطي القارئ هنا مثالاً لمميزات العينات المختلفة:

عينة الهناء: يبدأ فيها فصل الخريف وفيها تتم الاستعداد للزراعة بجمع البذور وصيانة المعدات الزراعية.  تصلح هذه العينة لزراعة الفول السوداني ولكنها لا تصلح لزراعة الذرة.

عينة النطرة: تنتشر الآفات مثل الجراد والفئران في هذه العينة والتي تقضي على البذور قبل الانبات. لهذا فلا فائدة من زراعة أي محصول حتى نهاية العينة.

عينة الطرفة: هذه العينة تتميز بكثرة الضباب وتصلح لإكمال زراعة الذرة وهي ايضاً جيدة لزراعة القطن لكنها لا تناسب زراعة الفول السوداني بتاتاً.   

هذه الأمثلة تشير الى سبب تجاهل المزارعين لتوصيات رئاسة المشروع وبالأخص في حالة تضارب التقويمين الزراعيين، أي الرسمي والتقليدي.  يوصي التقويم التقليدي بتأخير زراعة القطن والفول السوداني والذرة في أنه يعجل بزراعة القمح وتوقيت حصاده.  نضيف الى ذلك أن هذه التوصيات تقود الى تغير مواقيت الري المجدولة في التقويم الرسمي.

يعارض التقويم التقليدي أيضاً توصيات إدارة المشروع في مناحيٍ أخرى.  فعندما تتنبأ العينة بهطول امطار، يمتنع المزارعون عن الري خوفا من غرق محصولاتهم.  وعندما تشير العينة الى جفاف الهواء واشتداد حرارته، يعجل المزارعون بري مزارعهم.  نضيف هنا مسألة أخري في الري يتشاكس فيها المزارعون مع موظفي المشروع.  هنالك طريقتان لري المزرعة.  الطريقة الاولي والمفضلة لدي رئاسة المشروع هي الري بالجداول.  تتطلب هذي الطريقة شق جداول للسقيا وحصر المياه فيها.  يتفق الجميع أن نظام الري بالجداول يرشِّد استغلال الماء في الزراعة ولكنة يتطلب عمالة عالية تذهب في حفر الجداول.

أما الطريقة الأخرى للري فهي غمر كل المزرعة بالماء وتفادي عناء حفر الجداول.  لقد اكتشف المزارعون أن الطبيعة تقف إلى جانبهم، فتربة الجزيرة تنتفخ عندما تبتل وهذا يدفع الماء نحوي المنطقة الناشفة والمنخفضة في الرقعة الزراعية.  يقول الباحثون أن هذا النمط من الري يخفض العمالة من ٤٦٨ إلى ١٧ ساعة للمحصول الواحد.  أن الجدير بالذكر أن قوانين الجزيرة لا تحبذ هذا النهج والذي يعارض خطة ترشيد استغلال المياه في المنطقة وكثيراً ما يفرض المشروع عقوبات على المزارعين الذين يلجئون اليه.

بقدر ما ورث مشروع الجزيرة تقاليد حميدة من الاستعمار البريطاني، فإنه استقى أيضاً بعض سوءات التاج البريطاني.  يمكن تلخيص المساوئ المورثة في الطبقية، فقد حتم المشروع تقسيم مجتمع الجزيرة لطبقات الموظفين والمزارعين وعمال لقيط القطن، بل وزرع الفتنة بين العمال الزراعيين والمزارعين باستغلال الفئة الأولى لمعاقبة الفئة الثانية.  فحينما يعجز المزارع من القيام بواجبه، تأتي المشروع بالعمال الزراعيين والذين لا أرض لهم بالعمل على حساب مالك الحواشة.  أما نمط السكن في المشروع، فهو أشبه بما نجده في نظام جنوب إفريقيا العنصري السابق فهناك أحياء معزولة لأسر كبار موظفي المشروع، ثم عمال المشروع، فالمزارعين وانتهاءً بالعمال الزراعيين.  الاغرب من ذلك أن المزارعين يقطنون فيما سميت بالقرى في حين يشار الى مواقع سكنى العمال بلفظ كنابي، جمع كمبو.  وللكمبو مفهوم عنصري لا أدري كيف استطاع مشروع الجزيرة الإبقاء عليه في عالمنا الحديث.  لفظ الكمبو يَعني أنه قرية عابرة يكمن هدمها متى ما شاء المشروع وبالرغم من أنها ظلت في مكانها لعشرات السنين.  ولأن الكمبو هو سكن غير ثابت حسب القانون، فيحرم على سكانها التمتع بالخدمات العامة مثل التعليم والصحة لان هذه الخدمات تتطلب مباني ثابتة يمكن إنشاءها في القري وليس الكنابي.  هذا هو الحال الى اليوم ولا أفهم كيف قاوم سكان الكنابي اللجوء الى النضال المسلح لانتزاع حقوقهم المشروعة والمكفولة بكل القوانين العالمية وبعض الدساتير القومية. نضيف هنا ان سكان الكنابي ينتمون الى إثنيات غرب السودان في حين يأتي معظم قاطني القري من شمال ووسط السودان.

لقد اشتهر نظام الإمبراطورية البريطانية بالبيروقراطية الفجة والتي نجدها الآن في مستعمراتهم السابقة مثل الهند ونيجيريا والسودان.  ما زالت هذه البيروقراطية تلقي ظلالها على نظام الري في مشروع الجزيرة.  يحتل الغفير (أيضاً خفير) موقعا غريباً في مؤسسة الري في مشروع الجزيرة.  يتطلع الغفير بمهمة تطبيق سياسات المشروع في كلما يخص فتح وأغلاق ترع الري في المشروع.  إضافة الى ذلك، يتابع الغفير التزام المزارعين بالتعليمات المتعلقة بالري ويرفع الانتهاكات الي الجهات العليا في المشروع وهنا تقبع معضلة الغفير.  ينتمي الغفير الى طبقة المزارعين وليس طبقة رؤسائه من مفتشي المشروع.  يسكن الغفير في قري المزارعين وينتمي الى مجتمعهم بكل ما يحمل هذا التعبير من كلمة.  وحسب نظام الذكاة في السودان، يتسلم الغفير جزء من حصاد مزارعيه كل عام ويمثل هذا جزءً غير يسير من دخله السنوي.  بالرغم من ذلك، فمهمة الغفير هي أن يكون عين رئاسة المشرع في قري المزارعين.   دعني أعود الآن لمشكلة البيروقراطية في مشروع الجزيرة.

كما لحال في كل المشاريع المروية في العالم، فهنالك أوقات طارئة تحتم الإسراع بسقيا المزرعة أو التخلص من مياه الترع المترعة بالمياه.  الحالة الأولى تتعلق بارتفاع حرارة الطقس في حين تنبع المشكلة الثانية في حالات الامطار الغزيرة والتي تعقب ري المزارع.  هنا يهرع المزارع الى الغفير لإيصال الرسالة لرئاسة المشروع، أو بالأحرى مهندس الري الأكبر في المشروع وهنا تتجسد بيروقراطية مشروع الجزيرة.  يخطر المزارع الغفير بالمشكلة ويتصل الغفير برئيسه، أي كبير الغفراء والذي يتصل بدوره برئيس القطاع والذي يتصل بالمهندس الزراعي للري ولا يتصرف الأخير دون مشورة وزارة الري.  بعد ذلك تنحدر التعليمات من أعلى القمة حيث توجه وزارة الري لانزال أمرها الى رئيس القطاع، ثم رئيس الغفراء وأخيراً الغفير المحلي وبين هذا وذاك، يقوم المزارع بخرق اللوائح من أجل إنقاذ محصوله.  على سبيل المثال، فقد يقوم المزارعون بفك أقفال الترعة وتصريف المياه من منطقتهم وقد يقومون بردم الترعة حتى يتمكنوا من ري مزارعهم وقد يجنحوا الى الري المعاكس والذي يشار إليه “بالناكوسي”.   أنبه القارئ هنا ان الناكوسي هو فتح قناة لجذب الماء من الترعة المخصصة لري المزارع الأخرى الموازية ويؤدي هذا لنقصان المياه للمزارع الاخرى بالإضافة الى تعويق حركة المرور في القطاع. 

لا تخلو هذه الملابسات من أفعال يصفها المشروع انها أتت من قبيل عدم انضباط المزارعين، أو فسادهم أو جهلهم بأفضال التقويم الرسمي.  ولكنا نقف مع المزارعين ونؤكد أن افعالهم الخَلّاقة مكنت المشروع من البقاء وأمنت غذاء اسرهم ولولاهم لما تمكن مفتشو مشروع الجزيرة بالحفاظ على وظائفهم القيمة.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق