ثقافة وفن

رسالة من الرجل الخراب (١)

بدر الدين العتاق

مدخل:

حفزني بعض الإطراء من قبل القارئين والمعلقين والدارسين والمهتمين بالشأن الأدبي؛ وكذلك النقاد الذين تناولوا رواية ” الرجل الخراب ” للكاتب الأستاذ / عبد العزيز بركة ساكن؛ بشتى التعليقات المهمة والجادة والمتعلقة بتخصص النقد الأدبي باعتباره علما أكاديمياً مخصوصا لبعضهم؛ ورأيت من ذات الباب أن أعلق عليها لعموم الفائدة وإن كانت متأخرة القدوم؛ فأنا مدين للأدب بالتعليق على هذا الكاتب والكتاب معا في آن واحد؛ أو كما قال المتنبي:

وإذا لم يكن من الموت بد * فمن العار أن تموت جبانا

باب الدخول:

مزج الكاتب ما بين الواقعية والأخيلة ؛ فنتج عنها فنا راقياً بلا شك ؛ ولا أدري من حيث أدري أيهما سبق الآخر مخيلة الكاتب الذي نزع من الواقع المعاش بعضاً من أفكاره وحركته وطرق حياته أم واقعية القضايا المطروحة التي فرضت عليه كتابتها ولكي يستسيغها القارئ صبغ عليها لغة الخيال فجاءت حية وحيوية وبحبوحة من القفشات ولونا من الثقافة المترعة في جنبات الرجل الخراب الذي حمل على كتفيه مسؤولية نقل المشكلات المجتمعية في ثوب قشيب وألقى بها في صدور الناس ولسان حاله يقول: ( هذه بضاعتكم ردت إليكم ) ؟ ؛ فتلقفها القاصي والداني كل بحسب ما وقع في نفسه من فهمها ونتج آخر الأمر أدبا جديداً في ذاته وهو النقد الأدبي .

قدمت بتلك المقدمة لأضع القارئ الكريم على جملة ما جاء فيها من أوجاع ومآسي ومزح وإصرار على أهمية قضاياه المطروحة من خلال تناوله لها؛ وبهذه المناسبة لم يجعل من نفسه خصماً وحكما فيأتي بالحل لجملة ما قاله بل ترك القارئ النبه الحذق أن يأتي هو بالحل ثم تركه في غمرة ساهي بلا ريب.

ومن هنا رآه من رآه بأنه: قاص جيد؛ وراوية حكاية – بتشديد الكاف ونصبها -؛ ومؤلف بارع؛ وناظم حسن؛ وكاتب فذ؛ إلى آخر ما يمكن به الوصف.

أما أنا فقد رأيته مثقفا واعيا ووطنيا غيورا وله قضية حقيقية شائكة ومعقدة تثقل كاهله آن لم يجد منفذاً غيره ليحمل منه أو معه فيحل ما شاك في نفسه والناس سواء.

أسمعه حين يقول ولا تقرأه حين يكتب  فتخطيء الفهم : ( ضحك غومار قائلا : قل له : مثلي لمثلي يفرق ؛ ومن عنده ظهر فلا ينضرب على قفاه ؛ وقل له : المثلي الحاكم هو بالذات الذي يعاقب المثلي المحكوم ) ؛ وههنا قضية مهمة جداً وهي ما سرى سرا من أن حكمة – بتحريك الحاء المهملة والكاف والميم والتاء المربوطة / الهاء المعجمة – كانوا يعملون عمل قوم لوط ؛ مما يعني فساداً في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والدينية ؛ إذا علمت أن كتابتها كانت سنة : ٢٠١٢ م وتقديمها للنشر والتوزيع سنة : ٢٠١٣ م ؛ وصدورها سنة : ٢٠١٤  م تقريباً ؛ وسقوط حكمة بلاد السودان سنة : ٢٠١٩ م ؛  ونحن اليوم في سنة : ٢٠٢٠ م ؛ فهل تراه يقرأ الزمن ؟ الله أعلم.

أسمعه حين يقول ولا تقرأه حين يكتب عندما تمتم ب: (أما هو فتحسس حقيبته الصغيرة كما يتحسس وزير ثقافة مسدسه كلما رأى شاعراً)؛ وأعجبتني هذه الجملة ومثلها كثير؛ فمنذ متى يشهر وزير الثقافة مسدسا كلما رأى شاعراً ؟ هو يعني بكل تأكيد الاعتقالات التعسفية لحرية الرأي العام وتكميم الأفواه كما حدث مثلاً للشاعر الكبير / محمود درويش ؛ وللشاعر الجميل / كمال الجزولي ؛ وللأحرار الصحافيين مثل / بدر الدين العتاق ؛ والطيب محمد خير ؛  حين منعوا من الكتابة بأمر من حكمة سديم وزبانية القانون الجنائي لسنة ١٩٩١ م  ؛ ومثلهما كثير والقائمة تطول .

هاك أخرى ملحة كقضية الهوية الوطنية؛ أسمعه حين يقول ولا تقرأه حين يكتب فتخطيء الفهم : ( نعم ! أنا أفريقي ؛ واللغة العربية لغة آسيوية أفريقية ) ؛ وهذه القضية من أجلها حملت بعض الجهات السلاح لما استعصى عليها الفهم وتحقيق العدالة والتنمية والحرية والكرامة الإنسانية ؛ وما زالت قائمة فالصراع لم ينتهي بعد ؛ إذ تعمدت حكمة سديم وزبانية القانون الجنائي لسنة ١٩٩١ م ؛ أن تعيق عملية النمو السليم والتنمية المستدامة للمجتمع المدني من ناحية بناء الدولة المدنية الحديثة وبناء الذات بأكثر من طريق لأكثر من موضع مما أحالت البلاد لفوضى بنيوية سحيقة لا يدرك غورها وليس ببعيد عن الأذهان قضايا المناطق الثلاث والمظالم التاريخية من كل جوانب الحياة .

وأذكر تماماً فيلماً برازيليا يحكي ذات المأساة ( City of God ) / مدينة القدير ؛ فأحال الحياة لقطعة من الجحيم ؛ حيث انعدمت منها كل وسائل الحياة والحي فيها كالميت ؛ والله المستعان  .

هذا! هناك قضية شائكة ومعقدة للغاية وهي أفكار الجماعات الإسلامية المتطرفة؛ تناولها الكتاب بصورة مباشرة حين تقدم ” توني ” ليخطب ” ميمي „؛ فمن الجمل السائدة (جهاد النكاح) فخطب خطبته العصماء شارحاً ل ” توني” ماهية الدين وماهيته الإنسانية؛ فهذه قضية طفت على السطح ولها جذورها الخبيثة وساقها الملتو وفروعها العرجاء التي نسبت للدين الإسلامي الحنيف تحديداً بلا وازع حتى لكأنك حين تراهم تتوهم أنه الدين لا غير؛ والدين عنه براء كبراءة الذئب من دم بن يعقوب؛ ألا توافقني الرأي أيها الرجل الخراب؟

لذا توني يحب العرب ولا يكرههم فتراه يدندن بلسان ” ناديا صامويل ” صديقته الراواندية فيقول مخاطباً أنا وأنت وكل من دبت فيه الحياة: (يا لها من سماء صافية؛ لدرجة أنه بالإمكان مشاهدة الملائكة)؛ فهو يريد أن يرى من صنف الناس ملائكة لا قوم لوط!

قضية اللجوء السياسي؛ لمشردي الحرب ولقيطي الملاجئ وتائهي الهوية وللناس الخراب؛ الكاتب نفسه هو ذا! اللاجئ وفاقد الهوية ومنعدم الانتماء – درويش من أب سوداني وأم مصرية فهو أجنبي لم يقبل في المدرسة – في فينا وسيناء وإيطاليا وألمانيا وجنوب السودان وسيراليون – الصراع من أجل الحصول على الماس The Blood Diamond – حيثما كان الصراع الأيديولوجي والدم المهراق في أفريقيا تحديداً كان الألم والحرمان والظلم والكبت والبحث عن الحلول الناجعة الناجحة لا لتغيير نفسه وحياته بل حياة الجميع؛ ألم ترى حرب المناطق الثلاث بالسودان والمظالم التاريخية لها؟ .

The Good Life ؛ فيلم يحكي مأساة إنسانية واجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية حدثت جراء حرب     الجنوب في السودان ؛ للمؤلف الأميركي / فيليب فالارديو .

انتهت بهجرة لأميركا الشمالية بعد أن مكث الجنوبيون بمعسكرات اللاجئين بكينيا – معسكر اكوكام- ثلاثة عشر سنة ؛ وهو ما حدث لدرويش – أو ساكن – وان شئت الرجل الخراب ؛ ورحلته من القضارف أو إن شئت من سيناء في شاحنة خنازير وحتى أوروبا .

أسمعه حين يقول ولا تقرأه حين يكتب فتخطيء الفهم الجديد: ( أما الراوي الذي يتعجل نهاية الرواية ليحرر نفسه من أجل أغراض أكثر أهمية – في ظني ؛ وليس كل الظن إثم – فالموت أولى به ) ؛ إذ ليس- فيما أرى – أكثر أهمية من تلكم القضايا المطروحة والشائكة من قضايا ؛ فلهي جوهرة النص ولهي الرجل الخراب بعينه في تلكم الصور وتلكم الشخوص .

الأستاذ الكبير / عبد العزيز بركة ساكن؛ دعني أقدم لك هدية ولك أن تعتبرها جائزة كتلك التي نلتها من روايتك ” الجنقو مسامير الأرض ” ومنحتك إياها لجنة جائزة الطيب صالح للأعمال الأدبية أو للإبداع العلمي؛ – مع ملاحظة الفرق بين الجائزتين بالطبع – وهي منديل ورقي صغير من ماركة ” فاين ” لتمسح به عينيك فأنت تذرف الدمع الثخين حين تثقل كاهلك بما أوضعه غيرك ممن حكمنا؛ وآخذ أنا منديلا آخر لأمسح به أنفي فهو ينزف دما سخينا؛ فالناس شركاء في ثلاث : الألم والظلم والكبت .

هكذا فهمت روايتك؛ وإن لم أفهم فلا تثريب عليك؛ فدعني لما فهمت مما قصدت أنت؛ فأنا رجل خراب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق