ثقافة وفن

الكمامات رمز جديد لعصرنا التاجي (2)

يخفي تحته الأساطير والتمثلات

عبد العزيز كوكاس

في الحضارات القديمة بأمريكا الشمالية هناك عمال خشب ماهرين يصنعون أقنعة معقدة مصنوعة من الخشب والجلد والعظام والريش… يتم استخدام الأقنعة في الطقوس الشامانية التي تمثل الوحدة بين الرجال وأجدادهم والحيوانات التي يصطادونها، كما أنها تستخدم في طرد الأرواح الشريرة من المرضى.. في أمريكا اللاتينية كانت الأقنعة تجسيدا للأسلاف واستجداء حضورهم من قلب الماضي، أو للحماية من الأرواح الشريرة.. ووظف الأزتيك القدامى أقنعة لتغطية وجوه الموتى.. صنعوها من الجلد في البداية ثم من النحاس والذهب.

إننا اليوم على طريق صنع أسطورتنا الخاصة، سيأتي بعدنا من يكشف الرمز المشحون بالدلالات للقناع الصحي في عصرنا الكوروني وما يخفيه من طبقات كثيفة من الأساطير الحديثة..

الوجه والأنف من التجميل إلى التكميم!

حازت العين مركز التعبير الإنساني في جل الثقافات الإنسانية، وأحيطت جارحة العين بدلالات الرؤية والبصيرة والعلم والمنبع الأصيل وإردافها كصفة كان يمنح الشيء هويته الخاصة المميزة، به يعرف ويحدد.. الشيء عينه والشخص عينه، وظلت المجتمعات القديمة تعلي من شأن العين باعتبارها مركز ثقل التعبير الوجداني، حتى اختزلت تاريخا باذخا من التعبيرات والرموز والمشاعر المتناقضة حتى، من حب وكراهية، خوف وشجاعة، فرح وحزن، دعوة وصد، استهجان واستحسان.. كان ابن جني يردد: «أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة»، لأن الكلام في غياب مشاهدة الوجوه مضلل، لا يقود إلى ما في النفس حقيقة، ويشرح مهدي عرار في كتابه «مقدمة حول البيان بلا لسان: دراسة في لغة الجسد» هذا الأمر قائلا: «يأبى ابن جني أن يكون استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين، مجزئا عنه»، وفي الحياة الجارية حين نريد التحقق من صدق أو كذب محدثنا، نقول له: «انظر إلي  بعينيك وأنت تخاطبني»، وقال الشاعر العراقي أبو الفوارس:

العَيْنُ تُبْدي الذي في قَلْبِ صاحبِها

مِن الشَّناءَةِ أوْ حُبٍّ إذا كانا

إنَّ البَغيضَ لهُ عينٌ تُكَشِّفُهُ

لا تَسْتطيعُ لما في القلْبِ كِتْمانا

فالعينُ تَنْطِقُ والأفْواهُ صامِتَةٌ

حتى تَرى منْ ضَميرِ القلبِ تِبْيانا

للعين دلالة الحضور، الهوية، الرؤية، الحقيقة… فليس من سمع كمن رأى وليس المخبر كالمعاين، هي مجال للسحر والحسد وفتنة للناظرين لم تستطيع جل الأقنعة حجبها، لأن بها نكون، هي مركز سهام العشق والجنون والحياة والموت.. لكن مع ظهور الصورة الفوتوغرافية وبعد هيمنة المرئي على الثقافة الكونية، عاد للوجه والأنف جماليتهما الخاصة، لقد بدل الإغراء مجاله، من الجزء الأعلى العين والحاجب إلى الجزء السفلي الفم والأنف، وازدهرت الجراحة التجميلية في إضفاء لمسات إبداعية على المظهر الطبيعي للفم والأنف، لكن فيروس كورونا المستجد سيفرض على البشرية الكمامة لإخفاء مجال السحر المعاصر، تقول الصحافية البريطانية فانيسا فريدمان في مقال لها بجريدة «نايتايمز» في 17 مارس 2020: «إننا نعزو الكثير من المعنى إلى الوجه البشري وتعابيره، لتغطية وإخفاء الجزء الأكثر عراقة..

دائمًا يتم الحديث عن العيون بكونها نافذة على الروح والكثير من الثرثرة في هذا الموضوع، لكن الفم هو دليل مهم للعواطف.. إنه جزء من كيفية قراءة مشاعر بعضنا البعض. إخفاء ذلك يمكن أن يبدو وكأنه توبيخ… القناع يخلق حاجزًا بينك وبين العالم، إنه يحميك ولكنه يعني أيضًا أنه لا يمكنك الاقتراب من شخص ما».

حين ظهرت الكمامة كقناع إلزامي للوجه، واجهت المشاهير والنجوم ومن اهتموا بصرف الملايين على تزيين هذا الجزء السفلي من الوجه، سخرية لاذعة، على اعتبار أن الكمامة البخسة الثمن ستخفي الفم والأنف أساسا لتعود للعيون سلطتها وسيادتها، وتستعيد إيحاءاتها الباذخة.. وقد اكتشفنا لحظة الحجر الصحي مع إغلاق محلات التجميل والصالونات، أن العديد من النساء كن لا يحببن الظهور عبر الفيديو في العديد من الندوات الرقمية، لقد افتقدن لقناع الماكياج الذي كان يجعلهن أكثر ثقة بأنفسهن، وجاذبية وإغراء في نظر المجتمع.

كلما استوطن الفيروس التاجي كوكبنا وأطال المكوث بيننا، انتقل الفم والأنف من التجميل إلى التكميم، وأصبحا معا دليل انفصال لا اتصال مع الآخرين والعالم، فالكمامة هنا تخفي، تحمي وتحجبنا عن بعضنا البعض، بدونها نبدو كما الآخرين مصدر تهديد قائم، لم يعد الأنف والفم مجالا للزينة، وإظهار المشاعر مهما اجتهدت دور الموضة في تزيين الكمامات وترصيعها، لأنها في نهاية المطاف قناع يقف حاجزا بيننا وبين الآخرين وبين العالم، وستصبح العين مرة أخرى مركز الإشارات والعواطف وقطب تعبيرات الوجه، بوصفها الجارحة التي لا يمكن حجبها حتى وسط التشادور.

الكمامة هوية حيوانية: الصمت والمسوخ والإذاية

في المتخيل العربي تشكل الكمامة التي تغطي الأنف والفم خاصة رمزا للنجاة.. لكي لا تدخل فمك «جمرة» بدل «الثمرة»، تجسيد لبعد حيواني، علاّفة البغال والحمير، كمامة الكلاب الشرسة، وقد صادفت شيوخا يلجون محلات تجارية رفضوا أن يرتدوا الكمامة بالشكل السليم على فمهم ووجههم، وكانوا يردون على العاملين المكلفين بمداخل المتاجر: «أنا ماشي بهيمة، ندير الكمامة»، وبعضهم فضل عدم دخول المحل التجاري على ارتداء الكمامة التي كانت تحيط عنقه، لقد أصبحنا «بيتبولا» بشريا، بهائم غير مروضة ما أن تفتح فمها حتى تعض، تؤذي..من خلال الرداد المتطاير الناقل للفيروس المعدي.. كيف نقل الفيروس التاجي الكمامة من الحيواني إلى الإنسي؟

الكمامة كرمز للاحتجاج وثورية الوجه المقنع

انطلق القناع مع المسرح ومع الطقوس الدينية والطوطمية، كانت الأقنعة وسيلة الممثلين للخروج من ذواتهم وتجسيد الأدوار التي يتقمصونها أمام الجمهور، وبتأمل لباس المحاربين القدامي والملوك وأقنعة الحفلات التنكرية وأقنعة مبسطي البلاطات ومهرجي العامة، والماسكات التي كان يرتديها الاستعراضيون في الكرنفالات والمواسم الدينية، وتلك التي ارتبطت بشخصيات مشهورة مثل الفارس زورو، الكونتيسة عائشة أو الرجل ذي القناع الحديدي كما في رواية ألكسندر دوماس، نجد الأقنعة تجسيدا لأدوار مجتمعية تحمل معاني: البطولة، التمثيل، التهريج والبسط، العبودية والسلطة..

ظل القناع يمثل هوية مغايرة للذات، إنه غير معمم، شخصي ومؤقت يرتبط بدور محدد في الحرب، على خشبة المسرح، في المعابد القديمة، إنه يحيل على تجربة إبداعية أو مهنية: فارس، ممثل، مهرج أو طبيب.. حيث يُخرج القناع من يرتديه من هويته الذاتية ليتقمص روح الشخصية التي يحيل عليها القناع في لحظة محددة.

في بعض المدن المغربية في الجنوب الشرقي خاصة، يرتدي الناس أقنعة، جلود حيوانات، أقنعة مصنوعة لهذا الغرض بمناسبة حفل عاشوراء، أو ما يسمى «إيداون عاشور» أو «بوجلود» ويستعرضون على إيقاع الموسيقى الشخوص التي يمثلونها، حيث يسمح القناع بحرية أكبر لنقد بعض مظاهر الانحراف الاجتماعي أو سلطة وصايا الكبار وجرأة على الانفلات من رقابة المجتمع، إن القناع هنا لحظي مرتبط باحتفال كرنفالي للعشيرة يسمح بتحرر نقدي وبتنفيس الاحتقانات داخل المجتمع ويوسع مجال الحرية.. حيث يخفي القناع وجه المعترض والناقد، وهو ما لا يترتب عنه أي عقاب، ولكنه في الآن نفسه يتيح للجمهور التعرف على الرسالة التي يحملها الممثل المقنع..

بعد ذلك سيصبح القناع وسيلة ثورية للاحتجاج، تحمل الكمامة معاني الرفض، تحولت إلى وجه رافض للوصايا ومناهض للسلطة، وجه ثوري، غاضب، يعبر عن سخطه بوضع كمامة على وجهه تحمل رسالة سياسية كدليل على رفض تكميم الأفواه، لذلك عبر المغاربة عن سخطهم على قانون الرقابة على المنصات الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي بقانون «تكميم الأفواه» وفي هونغ كونغ كانت الثوار يرتدون كمامات «هيلو وكيتي» للاحتجاج..

إننا حين نرتدي كمامات الاحتجاج للتنديد بالقمع ورفض تقييد حقنا في التعبير، نقوم بإخافة الغير، الآخر غير المرئي أو لتضليل الأرواح الشريرة والكائنات الغريبة كما في الأساطير الإفريقية، أجهزة القمع المتلصصة عبر الكاميرات وعيون الجواسيس، حتى لا تتعرف على هويتنا، نضلل أجهزة الرصد والتتبع ونراوغ خوفا من المنع والاعتقال، نعتبر أن الكمامة هي قناع للتخفي يشل قدرة هذه الأرواح الشريرة على التعرف علينا، نوع من طقوس التنكر، وإذا كان الماكياج قناع بطبقة كثيفة تخفي شخصية المهرج والممثل، فإن السياسي يعمق هذه الدلالة من خلال وضع الكمامة على فمه كصرخة احتجاج، إقفال الفم كملمح ضد تقييد الحق في حرية التعبير، ضد المنع ورفض الحرمان من الحق في الكلام..

في سيمياء الكمامة

البحث في سيمياء الكمامة يقود إلى تعدد معانيها بحسب السياقات والأنساق الثقافية التي تعبر عنها، فالقناع الصحي الذي يرتديه الأطباء له وظيفة حمائية، لكنه يرمز في ذات الآن إلى التميز العلمي لحامله، طبيب مختص، طبيب جراح.. القناع يميز، يصنف الوظيفة الاجتماعية والقيمة العلمية لمن يرتديه، وقناع اللحام وأقنعت الغاز تحدد الوظيفة الاجتماعية والمهنية لمرتديها.. والقناع الحربي ستنتقل وظيفته من ترهيب وترويع العدو إلى حماية المحارب من نصل السيوف ووقع السهام..

وإذا كان اللثام والنقاب وحجب الوجه خصيصة نسائية في العديد من المجتمعات الإسلامية كرمز لحجب الفتنة وستر العورة ودليل على النقاء والطهارة، الوقار والحشمة، فإنه لدى الطوارق خصيصة رجالية رمز للفحولة، وغير الملثم كمن يبرز بلا قضيب بلا رجولة، أما لدى المرابطين الذين أطلق عليهم الملثمون لاشتهارهم بارتداء لثام الوجه، فيرمز إلى هوية حربية لسلالة حاكمة وأيضا كان وسيلة لتضليل العدو من خلال جعل النساء يرتدين لثام الرجال حتى لا يغار عليهن أثناء رحلات الرجال في الصيد أو الغارات الحربية على باقي القبائل.

في آسيا لا تعتبر الكمامة مجرد واقي لجسد الإنسان من عدوى الأمراض المنتشرة في الهواء، بل تحمل هوية جماعية، تشعر مرتدي القناع الصحي بالانتماء إلى جماعة موحدة، وأيضا تهدم الفروق الطبقية والتمايزات الاجتماعية، يقول جون.ل. سبونر في مقال له «تاريخ أقنعة الوجه الجراحية: الأساطير والرجال والنساء خلفها» إن ارتداء الصينيين للقناع الصحي لم يكن فقط بهدف الحماية من عدوى الفيروسات والجراثيم بل أيضا يحمل سمة «تحويل الناس إلى مواطنين ذوي عقلية علمية»، حتى أصبح القناع الطبي جزءا من الحياة الصينية وعموم شرق وجنوب آسيا، كتعبير عن الرعاية المجتمعية والوعي المدني، لا معنى للخوف هنا في ارتداء الكمامة التي تحيل على القاسم المشترك داخل جماعة لها هوية موحدة بلا تمايز أو اختلاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق