سلايدرسياسة

تنافس دولي في اختيار ممثل الأمم المتحدة في السودان

د. محمد الانصاري

الطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء السوداني الدكتور عبد الله حمدوك بشأن بعثة اممية للسودان استند الى البند السادس بدلا من البند السابع الذي بموجبه توجد بعثة الامم المتحدة منذ العام ٢٠٠٧م والتي عرفت باسم يوناميد في اشارة للشراكة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

طلب الحكومة السودانية وجد الدعم المطلق والاجماع من جميع الدول وبينها روسيا والصين، وبناء على ذلك تبنى مجلس الأمن قرارين بشأن الحالة في السودان.

أصدر المجلس القرار الأول رقم ٢٥٢٤ والذي بموجبه قرر إنشاء بعثة جديدة للمساعدة في عملية التحول الديمقراطي في الفترة الانتقالية.

القرار الثاني رقم ٢٥٢٥ مدد مهام بعثة يوناميد حتى 31 ديسمبر ٢٠٢٠م.

لكن الامم المتحدة تواجه صعوبات كبيرة في اختيار ممثل لها بالسودان لدعم العبور التاريخي نحو الديمقراطية والسلام الذي تتحدث عنه الحكومة الانتقالية.

معلوم أن لروسيا والصين حق النقض لكل قرارات مجلس الامن من دون تقديم اسباب وذلك بموجب عضويتهما الدائمة بمجلس الامن بجانب فرنسا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الامريكية.

في هذا السياق أشارت بعض التقارير الى أن النزاعات داخل مجلس الامن دعت فرنسا للتواصل مع رئيس الوزراء السوداني لرفض مقترح الأمين العام أنطونيو غوتيريش بشأن تعيين نيكولاس هايسم (مواليد 1952) وهو محام ودبلوماسي من جنوب إفريقيا ومتخصص في الحكم الرشيد والديمقراطية، الدساتير، الانتخابات والمصالحات والسلام.

ويرى عدد من المراقبين بانه الشخصية المناسبة، ويعزون ذلك الى خبرته في رواندا، بورندي، أفغانستان وكذلك لخلفيته الأفريقية ووقوفه ضد قضايا التفرقة العنصرية بجنوب افريقيا. الأهم في هذا الاطار يكمن في عدم اعتراض روسيا والصين عليه، ومعرفته اللصيقة بالمجتمع السوداني.

وبعد رفض رئيس الوزراء السوداني المرشح الجنوب افريقي حسب ما تتداوله الاوساط الدبلوماسية تقدمت فرنسا بمقترح تعيين مواطنها جان كريستوف بوتون مواليد (١٩٦٠) وهو دبلوماسي فرنسي متخصص في الشؤون الاوروبية الأفريقية ويعمل سفيرا وقد اعترضت عليه روسيا والصين، و قد يشير هذا إلي الأسباب الفعلية والايعاز الروسي للجيش السوداني بالتعجيل في تسمية الفريق ركن مهندس بحري إبراهيم جابر رئيساً للجنة الوطنية العليا للتعامل مع بعثة الأمم المتحدة.

في مقابل ذلك التعيين و بعد اسابيع عدة أصدر رئيس مجلس الوزراء السوداني قراراً بتكوين الآلية الوطنية للتنسيق مع البعثة الأممية يونيتامس وتعيين السفير عمر الشيخ ليتولى وظيفة المنسق الوطني ولم توضح الحكومة الانتقالية الاجراءات التي اتخذتها بشان تعين السفير الشيخ، وهل وافق عليه مجلس السيادة، أم ان ذلك ليس ضروريا لان الوثيقة الدستورية الموقعة بين اعلان الحرية والتغير والمجلس العسكري لم تشر لذلك.

الصراعات بين أطراف السلطة الانتقالية في التعامل مع البعثة الأممية تشير لدخول السودان في معترك صراعات الاجندة الدولية مجددا.

يلاحظ هذه المرة أن المحور الفرنسي يجد دعما امريكيا ضد روسيا والصين، وهذا السيناريو سيضعف جهود الانتقال ويخلق تنافسا غير مطلوب بين مكونات السلطة الانتقالية، وسيقود أيضا الى تضارب في الاختصاصات بسبب عدم توفر آليات لحل المنازعات والفصل بشأنها، مع العلم بان المهام الجديدة لمنظمة الأمم المتحدة بالسودان وجدت ترحيبا كبير ا من غالبية التنظيمات السياسية والمسلحة، وكذلك من منظمات المجتمع المدني، لان المهام الجديدة لمنظمة الامم المتحدة تقتصر على الاستشارت الفنية والسياسية بينما تجيز قوات يوناميد الموجودة حاليا وحتى نهاية ديسمبر ٢٠٢٠ التدخل العسكري.

كل هذه التفاعلات والتطورات تشير الى أن خيارات وظيفة الممثل الأممي القادم ستخضع لتسويات سياسية وليس لمعايير التوظيف والاختيار لدى المنظمة الاممية، ما يعني أن نجاح مثل هذه المهام يتطلب قدرا كبيرا من الخبرة والمعرفة والتجارب لان اختيار الشخص الخطأ سيقود الى نتائج خاطئة وغير محتملة.

ويعتقد أن من الضروري اخضاع هذه الوظيفة للمنافسة العامة بناء على معايير الاختيار والقبول للمهام الاممية دون انحياز الحكومة السودانية لطلبات الشركاء والاصدقاء، ما يجعلها هدفا للاستقطاب والاستقطاب المضاد والقبول بالتسويات التي ربما تحقق نتائج تناقض الأهداف الأممية.

ويشار في هذا الصدد أن بعثات الامم المتحدة الناجحة خلقت استقرارا ونماء كبيرا في بعض الدول، وبالمقابل هناك تجارب اثبتت فشل بعثات الامم المتحدة مثلما يؤكد الواقع في ليبيا والعراق وكثير من الدول المضيفة التي استخدمت العبارة الشهيرة (شخص غير مرغوب فيه ) للتخلص من مهام المبعوثين الدوليين.

ورغم ان الاتجاه  الذي تسير فيه الحكومة الانتقالية في السودان يجد قبولا لدى مؤيديه بشأن صحة تقديراتها الا ان هناك مخاوف في اوساط المطلعين على التجربة الدولية من ضياع الفرصة التاريخية بمساعدة السودان واختيار مبعوث له تجربة مقدرة في التسويات وقضايا الانتقال الديمقراطي اذا لم يتم تدارك الأمر بسرعة.

أي أن من الضروري ان تراجع هياكل السلطة الانتقالية بالخرطوم وان تمنح وزارة الخارجية السودانية صلاحيات ودور اكبر في اجراءات اختيار المبعوث الاممي القادم، ونقل هذا الملف من لجنة المستشارين الخاصة برئيس الوزراء واعطاء وزارة الخارجية دورا متكاملا ضمن هذه العملية المعقدة التي تطلب تفعيل دور كبير للدبلوماسين السودانيين الذين يتمتعون بتجارب كبيرة في هذا المضمار، لان المبعوث القادم يجب ان يتمتع بخبرة كبيرة وقبول دولي والمام وتجربة تؤهله لقيادة البرامج والمبادرات على مستوى دولي وأيضا قيادة عمليات التخطيط الاستراتيجي وضمان مواءمة الأفكار بين رؤية الحكومة المضيفة، الشركاء، الاصدقاء والامم المتحدة ومجلس الامن.

هذا معناه انه مطلوب من المبعوث الجديد المعرفة والتجربة فيما يتعلق بإنشاء انظمة لمؤشرات الأداء الرئيسية للبعثة الاممية بالسودان وتوجيه الموارد لخدمة السكان المحليين بما يتوافق مع المهمة المركزية للبعثة.

الحكومة السودانية مطلوب منها عمل كبير في تنسيق جهود المنظمة بما يضمن فاعليته وتركيزها على اداء مهامها على اكمل وجه لان تعيين الحكومة السودانية لمنسقين إثنين لنفس المهمة يعطى اشارات للمجتمع الدولي بان الدولة تعاني من صراع محاور داخلية واجندة دولية قد تعيق الاستفادة المطلوبة من جهود منظمة الامم المتحدة.

ويعتقد ان من الضروري ان توحد السلطة الانتقالية قناة الاتصال والتعاون مع الامم المتحدة في هذا الشأن وتشجيع روح الفريق  الذي سيقود المهمة للاتجاه الصحيح ويساعد في الاستخدام الامثل للموارد المتاحة والفرص التي ستوفر سانحة كبيرة للشباب السوداني  الذي قاد ثورة سلمية عظيمة سيخلدها التاريخ ضمن التجارب العظيمة.

عدم وجود مركز موحد من قبل الحكومة السودانية للتعامل مع الامم المتحدة ربما يجبر المنظمة على تبنى مقترح سابق تقدمت به الولايات المتحدة بشان ليبيا بتقسيم مسؤوليات بعثة الأمم المتحدة إلى وظيفتين: مسؤول كبير مهمته إدارة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا وهذا يتناسب مع مجلس الوزراء ومسؤول كبير آخر للإشراف على مفاوضات السلام بين الفصائل الليبية المتحاربة وهذا سيكون دور العسكريين بالسلطة الانتقالية.

هذه التجربة تشبه لحد ما الحالة السودانية التي يجب ان تسير فيها الترتيبات الامنية، السلام والديمقراطية بنفس القدر.

يعتقد بان الحكومة الانتقالية لديها الفرصة لانهاء حالة الاستقطاب الدولي بالسودان والاستفادة القصوى من مهام المنظمة وذلك بنقل الملف لوزارة الخارجية والتعامل بشفافية مع الملف الاممي والدول الصديقة وكذلك اتفاق مجلس السيادة والوزراء على منسق وطني واحد لتنسيق جهود الامم المتحدة ويفضل ان يكون شخصية مدنية لديه خبرة دبلوماسية طويلة ومشهود له / لها بالمواقف الوطنية.لتنسيق جهود الامم المتحدة ويفضل ان يكون شخصية مدنية لديه خبرة دبلوماسية طويلة ومشهود له/ لها بالمواقف الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق