
وعادت القصائد (١)
أسامة الطيب
اعتادت الماسورة أن تنقط بانتظام على حوضها القديم جدا في مدخل منزله.. رأسها إلى الأسفل دائماً.. أراحت نفسها من تطلعات رؤوسنا هذه .. لو أنها نظرت فوقها لرأت مقاصف الزهر ولتبدَّل حالها.. مالها ولهذا.. فقط تغرق الحوض بتنقيطها وتستريح.. طيلة سنواته الثلاث التي قضاها (خالد) في منزله هذا لم يحاول أن يستعير دور هذه الماسورة.. يحني رأسه لأسفل ويغرق حوضه بالتنقيط ويستريح .. ولكنه بالضبط يخشى هذا (فبالتنقيط نهوي وأسأل العشّاق) .. ليس أقسى من رفع الرأس حين تكون مقاصف الزهر فوقك .. آهٍ من النجم الذي نرسمه في سماواتنا ويهوي .. يهوي على عمرنا ونردد ( اللهم أجعله رجوماً وكفى ) يحفر حفرته كلها في أعصابنا ..
يخلع ملابسه .. يرتدي ذاكرته ويرقد على أحلامه.. الدولاب المتهالك يكاد أن ينام على تضاريس أرض الغرفة .. تتغامز القمصان بداخله على أرْفُفه المتآكلة .. لم تتقابل ضلفتاه منذ زمانٍ طويل لميلٍ أسلمه له الزمن .. يخشى (خالد) أن يباغته السعال بالغرفة .. إذن لانهار الدولاب وتساقط التلفزيون العتيق على الأرض قناةً بعد أخرى .. وسكبت القناة السودانية مرَّ برامجها على وجهه المرهق أصلاً فأماتته من جديد .. يبدع مذيعو تلفزيون جمهورية السودان في خنق (عزيزي المشاهد) ويتنقلون عبر ما تبقى من جلَده يزحمونه بقلقٍ على قلق .. هو منذ زمان مضى لا يغامر بالريموت في تنقله بين القنوات حتى لا يعثر في (إيقاع الصباح) لأن إحدى مذيعاته .. لا عفا الله عنها.. سألت مستغربةً ذات نزيف ما .. لماذا لم يغني وردي للشاعر الكبير الطيب صالح حتى اليوم ؟ ومن يومها وهو يتحاشاه حتى لا يسمع وردي يغني يوماً ما (دومة ود حامد) أو أن يصحو على دندنةٍ بلحنٍ نادر لأغنية (موسم الهجرة إلى الشمال) يسبقها برمية ( نخلة على الجدول )!! حُقّ لمصطفى سعيد أن ينتهي بالنهر .. وحُقّ لنا أن لا نبدأ أصلاً.. يخشى أن يسعل في غرفته هذه حتى لا يدلق التلفزيون على قفاه مكتمل الجراح إحدى حلقات (وجه النهار)، يرتكز السلّم الخشبي العتيق على جدار الغرفة من الخارج متحفزاً لجريٍ قريب .. يحتاج السلّم لسلّمٍ يصعد عليه والسطح ينام ويصحو على توتر محاولة الصعود عليه فيزعج شخيره قطع المرايا المتناثرة بالداخل .. كأن (خالد) يخصص لكل جزءٍ في جسمه قطعة مرآة .. (تتعدد مراياه والحزن واحد).. وهو يمسك بالصورة
الصورة أمامه .. الصورة إمامه في صلاته الجديدة .. تتوضأه الليالي حنيناً دافئاً .. وتصلّيه النهارات قوافٍ حارقة .. الصورة أمامه .. سريره المتعَب لا يسمح بأكثر من وضع .. ينقلب على حال أرجله الكسيرة .. الملاءة لم تحلم يوماً بنسيم الحيشان فبدت كعجوزٍ في أخريات أيامها نست معنى الحياة ولكنها تخشى الموت، الجدار يذكِّره بـ(الخلوة) لأن جدار الخلوة هو الجدار الوحيد في القرية الذي لا يتلهّف (الجير) في المناسبات .. ويقولون عنها (بيت الله ) .. كأنهم يقولون (كل زول يجّير بيتو).. فقط تزاول مهمة (الفُراش) ببروشٍ رثة وتأخذ العزاء في الموتى وكأن بيوت الله لا تعرف الحياة والفرح .. السقف فوقه لا يستند على شئٍ سوى العناية .. يسرح (خالد) طويلاً في لونه الباهت .. تأتيه أطياف الماضي .. تأتيه خيوط الحاضر .. يستلقي على غده ويحلم .. يحلم ..
آهٍ .. عادت القصائد لقتالنا .. عادت القصائد .. تأتيه رائحة المطبخ المتحدة ما بين البصل والثوم وأكوام (العدة) التي تنتظر الغسيل بفارق المرق .. رائحة المطبخ هي السلوى .. كلما هاجت الذاكرة دلف إلى المطبخ يعدّ وجبته من حنينٍ قاتل .. تبكيه ليالٍ قديمة و(يرميها فوق البصل المسكين) .. يدندن رغم سيجارته (القصبة) .. المطبخ يحوّل الأحلام من رأسه المثخنة إلى بطنه فينعم بالكرش (المبالغة) .. يخيفه الصلع البادئ على مقدمة رأسه ولكنه يجتهد في التسريح .. الشَعر الراحل أرحم كثيراً من الشِعر الساكن فينا .. الشَعر يرحل ليجلب وقار الكهولة، والشِعر يبقى ليصغرنا بنزيفه حد التلاشي .. أوَ تسرح يا (خالد) في حبيبٍ مضى وتحيى به؟ .. أو تنتظره على قارعة دمك المسفوح ؟ أنسى يا (خالد ) أنسى .. طهّر دمك من جرثومة العشق هذه .. وازرعه بمضادّ الحياة القوي .. موت القلب .. وغنّي ( أصحاب غناي وينكم والعيد على الأبواب .. ليكم بكيل اللوم قمر الأخوة الغاب .. ديل كم ليالي علىّ زايدات نواح وعذاب .. واسوني قولو معاي يا ماسك المحراب .. أسعد وأكون فرحان مع انو ما جاني) .. آهٍ آه.. وعادت القصائد لقتالنا .. عادت القصائد.




