ثقافة وفن

الرحلة عند المتصوفة – مقدمات وتطبيقات جمالية

عماد البليك 

تهتم هذه المقالة بإجلاء مفهوم الرحلة عند المتصوفة، بوصفه من المعاني الراسخة والأساسية التي يشتغل عليها الصوفي أو العارف، ولابد من التمييز من البدء بأن الرحلة هنا ذات دلالتين، الأولى متعلقة بالسفر في المكان والزمان (الزمكان) والثانية متعلقة بالسفر الروحي، حيث يكون للنفس أن تتخلص من ثقل الجسد، ويصبح الإنسان جزءا من مطلق حقيقة هي الله، أو الكون الكبير، الذي ينطوي فيه الكل، أو العكس بأن يكون مطلق الكون في الذات الإنسانية، كما في بيت الشاعر المنسوب إلى الإمام علي:

وتزعم أنك جرم صغير

وفيك أنطوى العالم الأكبر

   يتم التعبير عن هذا الانتقال أو التحول الذي يمر به الإنسان في مراحل فيها اختبارات متعددة وتمرحل في السلوك وترقيه، بمفردات عديدة، لكل معنى مختلف بحسب التجربة فهناك الإسراء وهناك المعراج، وهناك السفر الروحي أو التأمل الذي يشبه اليوغا عند البوذيين، وحتى كل معنى من هذه المعاني قد يُقسم لأكثر من شكل، فالمعراج مثلا قد يكون روحيا بحتا وقد يكون له صفة الروح والبدن، وهكذا. إذن ثمة كلمات كثيرة تحاول احتواء فكرة الرحلة، من الطريق، إلى السفر، العروج، الاغتراب، السياحة الخ..

ثمة من يرى أن رحلة المتصوف قد تأخذ طابع الواقع أو التحقق، وهناك من يراها أمرا رمزيا لا يتشكل إلا في متخيل ذهن العارف أو المتصوف نفسه، وليس لها من وجود خارج هذا الإطار، بما يجعلها تشبه الأحلام أو الرؤى، ويثير ذلك جدلا كبيرا في تاريخ الحكمة الصوفية ما بين من يتكلم عن حقائق ومن يذهب إلى الترميز العالي الذي يحمله الفكر الصوفي بشكل عام. غير أن فهم كل ذلك لا يمكن أن يتم إذا لم يكن للباحث أو الدارس التعمق في المنحى الصوفي ودلالته، بل أنه قد يحتاج ألا يكون مجرد باحث أو دارس محايد، إذ أن اختبار التجربة الصوفية في حد ذاتها يصبح في بعض الأحيان مهما بل أساسيا في وعي الرحلة وأدبها عند المتصوفة.

    لقد شكّل أدب الرحلة عند المتصوفة عموما إضافة نوعية وعميقة للخيال الإنساني وفهم الروح والحقيقة الإنسانية الغامضة، كذلك الله، والطريق إلى المعنى في هذا العالم الغريب والغامض هو الآخر، فغاية كل رحلة في النهاية هي الإدراك أن تحاول تفكيك الغموض وسبر الأغوار بأن تفتح الذات مسافة أو مساحة جديدة في الزمن والمكان وفي جملة أي حيز ممكن يتيح المعرفة والعرفان، وهما درجتان متلاحقتان تنتهي الأولى لتبدأ الثانية، في الأول ثمة محسوس وفي الثانية يتلاشى أو يضعف هذا المحسوس، ليكون الإنسان أمام تعامل شفاف وراق مع الكون فيما يعرف بعالم الحضور أو الشهادة، ملامح ومعالم تشبه الرؤيا واللاوعي وهو ينزح باتجاه بناء الإبداع والابتكار وتشكيل الشعر والفنون والنصوص البارعة.

لكي ندخل إلى هذه العوالم في تفكيك ما نحن بصدده في فضاء الرحلة والتجربة الصوفية سيكون علينا في البدء أن نوضح بعضا من المفاهيم الضرورية في هذا الإطار، حتى يسهل على القارئ أن يستوعب مجمل ما نسوقه هنا في هذا المبحث. إذ يجب أن نفهم من هو الصوفي؟ وما المعني بالتجربة الصوفية؟ وماذا هي الرحلة في وعي أو فهم المتصوفة؟ وما هي أنواعها وأشكالها؟ وكيف لنا أن نحقق هذا المفهوم أي الرحلة؟ ومن ثم نخلص إلى الأهمية التي يسوقها هذا الموضوع بشكل عام، من خلال التجربة الإنسانية بشكل أوسع؟ لأننا سوف نكتشف أن طريق التصوف أو العرفان، الغنوصي، ليس قاصرا على التجربة الدينية بل هو يلتصق أو يكاد يكون له علاقة وطيدة بالسمو الإنساني الذي يتحقق عبر تجارب عديدة في الحياة البشرية، لاسيما تلك المسائل المتعلقة بالنفاذ من عالم الواقع البراني والشكلي إلى التجربة العميقة للذات والروح في تلمس ما وراء الأشياء، ما خلف المطلق من شهادة وحضور، إلى تلك العوالم أو الفضاءات التي يوجد فيها الإبداع والفن والنص والشعر وكل تلك الجهات الساحرة التي يصبح فيها الإنسان خالقا يضيف لهذا العالم ويحذف منه بحرية تامة وبكل حبور وصفاء، وهو يعيد تشكيل الأشياء، ليجعل الجمال سمة أساسية وطاغية في العالم، يميز الخبيث من الطيب، كما ورد في النص القرآني والإمازة هنا لها دلالة التلوين العارف الذي يحذف لأجل البناء والارتقاء والتطوير ليكون للحقيقة أن تجلو وللشيء أن يكون له روح وحساسية يصبح جزءا من حيوية المطلق في هذا العالم.

    1- من هو الصوفي؟

برغم ارتباط التصوف كمفهوم وممارسة بالدين الإسلامي، إلا أنه يأخذ في واقعه أبعد من ذلك ليدل على حالة شاملة وكلية محورها الإنسان في بحثه عن الحكمة، وهذا هو المعنى الذي نأخذ به في هذا المبحث، بتحرير المفهوم من الالتصاق الضيق إلى الفضاء الكبير والانعتاق الذي يجعل أدب التصوف أو فكرته ذات بعد إنساني يوجد في الإسلام كما المسيحية أو اليهودية أو البوذية او في تجارب العلماء العرفانيين الذين لم يلتزم بعضهم بأي من الطقوس أو العقائد الدينية، إنما مارس رحلة البحث عن الحقيقة في مطلق الكون، كما في تجارب الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هوكينج، أو الشعراء والكتاب والفلاسفة والرسامين وغيرهم.

يعني أننا نتحدث عن التصوف بوصفه بحث عن تلك الحكمة الكبيرة والعميقة التي يحاول الإنسان من خلالها التحرر من القيود الثقيلة للواقع، بحيث يكون أي تفكير جديد أو خيال ثاقب أو تحرير للمعنى هو رغبة باتجاه تعميق العلاقة مع هذا العالم بوجهة جديدة، يكون فيها الاختلاف مدعاة للاتفاق وتصبح فيها الذات جزءا من حقيقة كلية هي تنشدها وتنبع منها في الوقت ذاته.

لعل أول الرحلات الإنسانية التي ورثتها الأديان في منطقة الشرق هي تلك الرحلة التي أخذت طابع الأسطورة وتشعبت قصتها، لكنها ظلت ملهمة، هي رحلة النبي إبراهيم عليه السلام، الذي سوف نراه يتحرك مع أور في العراق إلى الأرض المباركة، في فلسطين، إلى مصر فالحجاز، هذا التنقل الذي له دلالة كبيرة في الاشتياق والرغبة في تحقق الحضور للذات، بمستوى الحركة المكانية، وفي بعد ثان الحركة في المعنى من خلال البحث عن الذات العلية، بالتأمل في مفردات الكون من أرض وسماء، إلى حيز الرغبة في إحياء الموتى، كذلك الصراع مع الأب وسلطة القوم إلى السلطة الحاكمة ممثلة في النمرود، كل ذلك ينطوي في تلك القصة المتوارثة التي يمكن أن تقرأ بأكثر من شكل، لتظل تمثل ما يمكن الاصطلاح عليه بالسردية التي تحمل فضاءات التأمل وإعادة إنتاج المعرفة بالإدراك الصوفي، في واحدة من التجارب البشرية المبكرة التي أسست لخيال عظيم لا يزال أثره حاضرا إلى اليوم في الشرق، إلى كل العالم تقريبا.

في رحلة أخرى كما عند بوذا سوف نقرأ أيضا ذلك الاشتياق إلى تحقيق الذات وكنهها عبر الابتعاد عن العالم الباهي والزاخر بكافة أشكال الحياة المبهجة، حيث يرغب الإنسان في بناء عالم بديل من الأشواق، هكذا يمكن النظر إلى التجارب الصوفية، أنها تحاول استبدال الثراء المادي والغنى المزخرف، أو زخرف الحياة الدنيا، بالأشكال الخالدة التي يكون للذهن أن يستمتع بها وللروح أن تسر بها بعد أن تقطع طريق الألم والعذابات، بل أن هذا التألم يصبح طريقة للعيش والانتباه والتعلم في العالم. يكون هو المتعة.

يلفت المفكر الإيراني سيد حسين نصر في كتابه “حديقة الحقيقة” إلى فكرة ذات بعد مهم يتعلق بوعي حقائق التصوف، بأن الحياة الإنسانية في حد ذاتها رحلة، يكتب: “حياتنا هنا على الأرض هي رحلة بداخل تلك الرحلة الكونية الأعظم لكل الكائنات، للعودة إلى مصدر كل الوجود، نحن نولد ونتحرك عبر الزمن، ثم نموت” (ص 20/21 – نصر /حديقة الحقيقة)، غير أن الأمر الجدير بالنظر يتجاوز ذلك الإطار الشكلي للرحلة، من الميلاد إلى الموت، إلى ما وراء ذلك “بالنسبة لمعظمنا، يحدث ذلك دون معرفة، من نحن حقا، ونحن نتحرك بين سرَّين كبيرين هما، أين كنا قبل أن نأتي إلى هذا العالم، وإلى أين سنذهب بعد الموت”. هذا هو السؤال الذي يتعلق بالحكمة المفقودة التي يبحث عنها الصوفي، فسؤال الحياة أو رحلة التحقق من خلال العيش، لن يكون معناها متعلقا بالحضور الآني في حيز التجربة بل لما يفترض أنه خلف وأمام كل ذلك من تقديرات واشواق وعوالم افتراضية، لتكون الرحلة هي القدر الذي يحكم وجودك، بأن تصبح أنت المكتشف والعارف والمتحول الذي يبحث عما يجب أن يحدث، لماذا أنت هنا؟

    بعيدا عن المفاهيم أو التعريفات الكلاسيكية للتصوف، التي تتعلق بفكرة التزكية وتحقيق العبودية وغيرها من هذه المعاني المبذولة في كتب التراث الديني، فإننا أمام تجارب حديثة في تفكيك هذا المعنى لإعطائه طابع الرحلة كما في هذا السرد الذي يقدمه لنا نصر في كتابه المذكور، الذي كتبه بروح التجربة وليس المحقق العلمي، وهو ما أشرت إليه في البداية بأن الكتابة عن المسائل الصوفية هي إشراق ذاتي قبل أن تتقيد بالمناهج العلمية أو الطريق المعروفة في رسم النصوص وتحريكها عبر خطوط أكاديمية أو محددات معينة، لأن أول صفة تنطبق على الرحّال هي الحرية، التي تعني أن الطريق يتم التعرف عليه أثناء الرحلة فالخريطة هي الروح وهي البصيرة وهي النية، والأعمال في العرف الديني بالنوايا، التي هي الأهداف المستبطنة التي قد لا يكون المرء ملما بها بوضوح، لكنه يحسها تتحرك في داخله، تقلقه وتدفعه ليتحرك ليصل إلى نقطة معينة، فكل في فلك يسبحون، حيث أن السباحة هي تلك الرحلة، في تلك الدائرة المرتبطة بالمركز، حيث لا انفكاك عنه، فقط يكون لابد من السير والحركة والإدراك.

2- تعريف الرحلة:

    من المدرك بأن الرحلة، أو الارتحال في اللغة العربية، تعني الانتقال من مكان لآخر، وقد يتوسع المعنى ليشمل الزمان، والتخيل وغيرها من المعاني التي تجعل فكرة الرحلة لها من السعة بحيث تستوعب كل ذلك وأكثر. لكن كما سبقت الإشارة، فالرحلة لها دلالة الرحلة في حيز الزمكان في التجربة الصوفية على أرض الواقع الفعلي، أو هي قد تكون من باب التخيل والحلم والرؤيا أو الاختراع الفني، لتصبح سياحة روحية أو شاعرية أو يشبه ذلك التفسير.

في المعنى الحصيف والبسيط للرحلة، فهي متعلقة بالحركة، ورواية ما يصحب هذه الحركة من تغيرات وأحوال وأحداث ووقائع وخلجات الخ.. حيث يصبح فعل الارتحال له طابع اكتساب التجربة والخبرة والمعرفة، وصولا إلى العرفانية في المفهوم الصوفي، فنحن من خلال سلوك الرحلة المشي في الدرب، نتعلم ونعيد التفكير في المكتسبات وتجربة الحياة والوجود، ونختبر المعنى الذي نعيش به وفيه وهكذا. هذا بالطبع لا يتم لكل البشر، فالغالبية لا تشغل نفسها بهذه الرحلة المهلكة حيث تعيش على حواف الحياة بالتقليد والتكرار والروتين، فتفقد طاقة الإبداع والمعرفة، وبالتالي فإن الرحلة عندها لا تتحقق، وليس لها أن تصنف ضمن الرحالين.

في هذا المبحث، إذن نحن نكتب عن الرحلة بوصفها هي ذلك التحقق المنشود، حتى لو كان للصوفي أن يسلك الطريق بين التضاريس الطبيعية والمشي في الغابات والأحراش والصحاري، أو أن يجرب البعد الثاني بالتنقل في حيز الأزمنة أو التجربة الروحية التي تلغي الزمكان. فالمعني هنا لا يتعلق بأدب الرحلة التقليدي، الذي يكون فيه اللجوء للرؤية والوصف والتأمل في المحسوسات أو التخييل بدرجات ما. لنا أن نلحظ أن التجارب الأدبية وفنون الشعر والرواية أخذت في تبلورها الأولي في التجربة البشرية مما يشبه هذا التأويل لمفهوم الرحلة، يمكن فهم ذلك بوضوح إذا ما درسنا كتابات مثل الجحيم لدانتي أو المعري في “رسالة الغفران” أو حتى رحلات السندباد التي فيها طابع الرحلة المتخيلة التي لها تلك المعاني البعيدة، ومن لطائف القول هنا بأن كلمة السِفر والأسفار التي تشير إلى الكتب والنصوص، تحمل ما يتقاطع مع فكرة ومفهوم الرحلة.

    3- التجربة والعرفان:

إننا من خلال سلوك الرحلة والمشي في دربها، نطمح كبشر، كمتصوفة، إلى تحقيق ما يسمى بالعرفان، أي ذلك النظر المتجلي والكبير إلى ما وراء ما يبدو في الكون من مظاهر وأشكال، هذه التجربة التي اصطلحنا عليها بالرحلة الصوفية، التي يسلكها سواء العابد الديني الذي يعرف الله أو عابد الوثن الذي له متخيله عن الرب، بحيث أن الحقيقة في النهاية ذات أشكال متعددة، عندما يصبح الأمر أشبه بنقطة تبدأ فيها حقيقة لتخلص أخرى، كما يحدث مع بداية اليقين ونهاية الشك.

لقد توقف أحد شعراء السودان الذي يعتبر من رواد الحداثة الشعرية المبكرة في القرن العشرين، وهو التيجاني يوسف بشير (1912 – 1937) صاحب ديوان “إشراقة”، عند تلك التجربة، التي تحاول السمو بالروح أو تحرير الذات للوصول إلى ما يشبه “النيرفانا” أو إرواء العطش للتحقق عند البوذيين، أو الإشراق عند المتصوفة المسلمين كما عند الحلاج أو ابن عربي أو النفري وغيرهم. ولعل اسم “إشراقة” فيه دليل واضح على تلك الرغبة في الارتواء، بحيث يكون مسلك الشعر واللغة والبحث عن الخيال هو البديل للواقع القاسي، طريق المقاومة الذي يتمسك به الشاعر بوصفه متصوفا إلى بناء معرفته إلى أن يكون عارفا.

    بيد أن التيجاني لأنه ابن ثقافة دينية متشبعة بالبعد الصوفي الذي يعرف به أهل السودان حيث تنتشر الطرق الصوفية منذ حوالي خمسمائة سنة، ينزح إلى الجمع بين التجربتين الدينية والشعرية، ليكون له أن يحرر ذاته بهذا الدمج، ولا يعني ذلك أن النظرة الدينية هنا تماثل ما يحدث مع رجال التصوف التقليديين أو علماء الدين، لأن صاحبنا وقع في معركة عندما كان طالبا بالمعهد العلمي بأمدرمان في العشرينات من القرن العشرين، أدت إلى اتهامه بالشك، فكتب قصيدة مشهورة دافع فيها عن نفسه، ومن ثم طرد من هذا الصرح الكلاسيكي، لينشد الشاعر طريقته في الخلوة واستخلاص المعنى عبر رحلة خاصة هي مجازه الشخصي.

نستدل بهذه القصة لكي نرى أن التجارب تتداخل في محيط بيئة معينة، ليصبح الحديث عن التناقضات كما لو أنها موجودة في أناء واحد، أي أن ذلك الصحن يحمل الخير والشر معا، اليقين والشك، وأن طرائق الناس في الرؤية والتقييم يحدها خبرتهم الصوفية أو عرفانهم، وكلما ضاق ذلك الحد كان الإنسان أسير الانغلاق والجهل، لم يكن حرا، وأصبحت حياته قيدا له وللآخرين من حوله.

اتجه التيجاني إلى البديل من الواقع إلى الخيال، ليبحث عن المعنى أو يستجليه من خلال الشعر والتأمل الذاتي، ليبتكر تجربته في رحلته الشخصية، متفكرا في الملكوت والحضور في الحياة وما وراءها، متخذا من “الذرة” بوصفها الوحدة الأصغر في الوجود، لينسج من خلالها البناء النسقي لإمكانية فهم هذا العالم، وفك الاشتباك ما بين الحقيقة والخيال، أو بين العرفان والضلال. من هنا فقد كتب التيجاني في قصيدته التي تحمل عنوان “الصوفي المعذب”:

“هذه الذرةُ كم تحملُ في العالم سرا”

إذ هو هنا في سبيل التفكيك والتحرر الذاتي من قيود العالم الخارجي، يرى أن خلاصه في تأمل هذه الذرة ليكتنهها ويسأل عن عمقها وسرها، ثم ليراها إشارة لعالم كبير وعميق له ما بعده من الأسرار والمعاني، ليكون مطلق الكون قد انطوى فيها، تصبح هي تلخيصا لرحلة الحياة والكون منذ بداياته أو نشأته الأولى أو أزله، كما تختزن البذرة الشجرة في تجربة متناقلة عبر تاريخ طويل. أيضا يجب التنبيه بأن الذرة قد تعني أيضا ذات الشاعر التي يراها ذرة في محيط كون عميق وسحيق، لأنه في شطرة أخرى من القصيدة نفسها يكتب:

“أنا وحدي كنت استجلي من العالَمِ همسَهْ”

فهي إذن هنا تكتب رحلة الاستجلاء والتأمل بحثا عن ذلك العرفان أو الإشراق الغائب، الذي يكون منبعه من الذات الإنسانية نفسها في التأمل والاختبار للنفس، للخروج من التجربة إلى بناء معرفة جديدة بالعالم، خاصة لها طابع التفرد، لتكون هي خلاصة ارتحال فيه بعد واقعي كانت فيه المعتركات والألم، وبعد خيالي يكون عبر التأمل وإعادة تدوير وتخييل مجريات ما يتحرك من حول الكائن من وقائع، وفي كل حال فإن الذات تنشد الخلاص والإِشراق والحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق