
الرحلة والترحال
في التراث الغنائي السوداني (2)
عماد البليك
أولاً الغناء والرحلة
يمكن الانطلاق من سؤال بسيط، وهو هل ثمة علاقة بين الغناء والرحلة؟ وهل يمكن أن يكون فن الطرب والتغني دالة على اشتياق الإنسان إلى الأشياء الغائبة والمفقودة. طالما كانت الإجابة الجاهزة هي نعم، فنحن نقترب نسبياً من المعنى المراد، وهو أن المُغني أو عملية الغناء كاملة من خلال مكوناتها: قصيدة ولحن وأداء، وربما ما يتبعها من تفاعل بغض النظر عن شكله، فهي تؤشر جميعها إلى مفهوم “الرحلة” أو تلك الرغبة في الحضور في فضاء جديد، بحيث يكون الاقتراب من معان خفية في الذات والوجود وتجربة الحياة الإنسانية عامة.
هذا من وهلة أولى، لكن من ناحية ثانية وفي إطار مباشر، فثمة ارتباط بين الغناء والسفر والترحال عامة، حيث أن الشعراء بطبعهم يحبون التنقل في الفضاءات سواء على مستوى اللغة أو ساعة يأتي هذا الانتقال في المستوى المكاني، ليكون سؤالنا عن الطريقة التي يعبر بها الغناء عن تلك الأشكال من السفر، كيف انعكست التجربة على الغناء، ونستحضر هنا صورة الإنسان المسافر من العصور القديمة أو الإنسان الأول وهو يغني لنفسه ويسامرها ليكسر وحشة الدرب ويخلق الألفة، كما سنرى عند البدوي وهو يتخذ من ناقته صديقاً في الصحراء وهو يوشح لها القصائد التي قطعاً لا تفهمها لكن هذا الحداء يكون بمثابة أنس للشاعر أو المسافر.
أيضا يطل هذا المشهد عند البحارة حيث يشكل الغناء جزءاً أصيلاً من عالم البحر في بلدان الخليج العربية، وفي تراث العمانيين وغيرهم، حيث يذكر الغناء بوصفه كان يمنح البحار الثقة في النفس، فالبحارة يغنون في كافة مراحل الرحلة وهم يقومون بأفعال عديدة كجذب الأشرعة مثلاً، ويرتبط الأداء كذلك بالتصفيق والرقص في بعض المرات، بما يجعل النفوس الحائرة وسط البحر تنسى هذه العالم الممتد والعريض، لتستبدل الغياب بالحضور عبر الغناء.
وإذا ما احتاج الإنسان عبر تاريخه في هذا الكوكب إلى السرد ورواية الحكايات والقصص، فقد تعلق أيضا بالشعر، الذي كان فضاء استبق الحكاية، تجلى في الترانيم الدينية والتراتيل ومن ثم فالغناء أو الطرب كان له بعد أصيل وراسخ في الروح الإنسانية منذ القدم، بغض النظر عن الأنماط والأشكال والطرق التي ينعكس بها من ثقافة لأخرى أو فضاء مكاني لثانٍ.
في كل الأحوال تكون تلك الرغبة الأكيدة في التحرر من ثقل الحياة والقيود المكبلة للكائن البشري وهو يرغب في الوجود في فضاء حر، هي فكرة الحرية التي تختزلها الفنون والأشعار والسرديات الإنسانية على مدى العصور، حيث هذا الإلحاح على “خلق حالات متغيرة من الوعي تساعد على تحرير الشخص من قيود الحياة اليومية”، أو هي بمعنى آخر البحث عن ما يعرف الاصطلاح عليه بـ “النفس المحتملة” حيث أن الإنسان يريد أن يرى نفسه في صيغة ثانية أو يتخيل وجوده في حيز آخر بطريقة تمكنه من التحرر الذاتي، وهو ما أشار إليه كولون ولسن والباحثون في هذا المسائل المتعلقة بسبر النفس البشرية والمساحات التي تقرب بين فضاءات الحقيقة والأحلام، حيث يكون الفن هو مساحة التلاقي والاقتراب من الوعي بديلاً عما هو قائم أساساً في العملية الفنية من سياق اللاوعي.
هكذا يمثل الغناء كفن هذه الارتحال أو الرغبة في إنتاج الفضاء البديل للعيش الافتراضي، يأخذ من محيط الواقع والحياة إلى فضاء التخيل والخيال ومن ثم يعود من جديد إلى الواقع بمحاولة أن يعيد للروح الإنسانية توازنها المفقود، وهي تتفاعل مع الأغنية أو تطرب لها وتعيش مع الموسيقى والألحان هذه العناصر الساحرة والمتداخلة.
من الريف للحضر:
أخذت أغاني السفر والرحلات حيزاً جلياً في التراث الغنائي السوداني الحديث، وإن كان الأمر قد بدا مبكراً مع حركة التغيير في السودان بالاتجاه من البوادي والأرياف إلى الإقامة بالمدن الكبيرة، فهذا الملمح أساسي وجوهري في فهم طبيعة الغناء وكونه بات المسألة التي من خلالها ينشد المغني البحث عن ذاته الجديدة وسط حمى الحضر وصراعاته، فالحياة الأولى كانت أكثر صفاء وجاذبية وبساطة.
تكشف الملاحظات الأولية في تأمل التجربة الغنائية الحديثة في مجتمع مدينة أم درمان جوهرة الغناء السوداني، بأن مطلع القرن العشرين، شهد في البدء جماهيرية فنون الطنبور والدوبيت المحليين، القادمين من خارج الإطار الحضري، وفي فترة لاحقة تم إدماج هذه الفنين في الشعور بالحس القومي والقضايا الوطنية في الرغبة بالتخلص من الاستعمار الإنجليزي، لقد انتقل الشاعر أو المغني من مسقط رأسه ودخل فضاء جديد لكنه ظل ينظر إلى هناك، حيث الحنين والأهل والحب الأول، كذلك القبلية التي ينتمي إليها الشاعر أو الفنان.
فالانتقال أو الرحلة من الريف إلى الحضر، لم تأخذ أو تخصم من الخيال المبدئي ولواعج الفنان والشاعر في التعبير عن مكنوناته الشخصية وتجربته الإنسانية، التي سوف تتطور حتماً مع الوقت لتكسب ذاتها تداخلاً وتجدداً مع محيط لن نقول مختلفاً، بيد أنه يتماهى مع مجتمع فسيفسائي طابعه التنوع لأناس جاؤوا من مختلف بقاع السودان.
إن عودة إلى قصة مغني من الجيل الأول من حملة تجربة الريادة في الغناء السوداني، وهو الحاج محمد أحمد المعروف بسرور – سبق الإشارة إليه في سفره للحجاز – سوف تكشف أن قصته تلخص كيف أن قيم الريف انتقلت للمدن في تجربة الغناء، وهي تحمل العناصر التي ذكرت من تكييف المستقبل على أساس قيم الماضي، فسرور الذي تم اكتشافه بواسطة الشاعر إبراهيم العبادي عن طريق الصدفة عندما سمعه وهو يغني في شوارع المدينة في أم درمان، كان قد جاء من ريف مدينة ود مدني جنوب الخرطوم العاصمة، وقتها وهو ينشد أو يغني كان يرعى غنمه وسمعه العبادي حينها قال بأن من يمتلك مثل هذا الصوت لا يجوز أن يغني لنفسه فحسب ولقطيعه من الأغنام بل يجب أن يغني للجميع، من هنا بدأت قصة رائعة في تاريخ الغناء.
لقد حدث تحول في حياة ذلك الفتى القروي القادم من قرية اسمها ود المجذوب، الذي تقلب في المهن من كناس إلى غسال إلى راعي غنم ليصبح نجم زمانه، هذا المتغير كان يفسره الحس الأصيل المدفون في ثنايا النفوس، في قضية التلقي، كيف أن الحركة من الريف إلى الحضر، أو السفر لم يغير كثيراً من خواص السودانيين وهم برغم الاتجاه للمدنية ظلوا في الحس الداخلي والإحساس بالموسيقى والأغاني يمتلكون ذلك الطابع الريفي، ومن المفارقات الجميلة أن سرور ظل يحتفي بالشعراء المهمشين أمثاله غير آبه بأهل الثقافة من الشعراء، الذين ذهب بعضهم إلى مكتشفه العبادي يشتكون، بأن هذا الفنان “يغني ترهات بائع فقير من الشارع يبيع القرع”، وهنا كان جواب العبادي بأن “الموهبة ليست في الجيب بل في الرأس، ثم لماذا تذللون الآن أمام سرور الذي كان في الماضي مجرد راع غنم”.
هذه القصص تستبطن بشكل جذري مسائل غاية في الأهمية في صراع المدن والأرياف في الأغنية السودانية، ما بين الصفوى والعادي وهي قضية لم تنته بل ظلت مستمرة إلى اليوم، لكن الجدل المهم هنا يتعلق بموضوع السفر وثيمة الرحلة أو الانتقال في الغناء السوداني، ليكون السؤال الذي يجب طرحه، هل لو قمنا بحذف هذه الحركة المسماة بـ”الرحلة” من فضاء مكاني لآخر، سنحصل على هذه التجارب الفنية أو الغنائية الحديثة؟!
وإذا ما كانت قد تمت الإشارة إلى أن فن الطرب أو التغني له دالة الاشتياق والحضور في الغائب من الأشياء، فسوف نصل إلى الإجابة الجلية وهي لا، وأن التمدن في السودان ساعد كما في تجربة سرور في تحويل ذلك الراعي إلى مغنم جماهيري في نهاية المطاف، لولا ذلك فقد كان سينحصر مغنياً لنفسه في فضاء قريته القديمة.
ثانياً الخوف والأشواق
يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع إلى التغيير والمعرفة واكتساب الأفضل كما قيل قديماً (سافر ففي الأسفار عشر فوائد)، وهو تراث موجود حتى في التجربة الدينية وفي مفهوم الهجرة، يؤكد بأن الشعب السوداني فيه هذه السمة البشرية، التي تظهر مبدئياً عند الرعاة وهم يتنقلون بحثاً عن الكلاء أو المرعى، أو في الدولة الحديثة حيث التنقل بين المدن من أجل الوظيفة، وأن النسيج السوداني أكتسب قوميته من خلال الترحال.
ويذهب إلى أن أشكال وصور التعبير عن السفر في الأغنية السودانية كثيرة وغنية، وقبل أن يحضر الترحال في الأغاني فقد كان حاضراً سواء في الأمثال الشعبية أو الأحاجي السودانية، ويرى بأن هذه القصص المتوارثة والأحاجي التي كانت ترويها الجدات (الحبوبات) للأحفاد، كرّست في الإنسان السوداني وجدان الحنين الذي سوف يظهر لاحقاً في التجربة الغنائية والأشعار، حيث يكون تعميق مبدأ الحنين للأرض والأهل وغيرها من المعاني في هذا الإطار، حيث يتقلب الإنسان بين فكرتين هما “الخوف من الفراق” و”شوق اللقاء”، والمرء موزع بين هذين الاثنين، وهذا الملمح برأي – الكتيابي – لا يقف عند الأغنية بل أيضا في فن المديح النبوي حيث الأشواق المستمرة بالسفر إلى الأراضي المقدسة وزيارة قبر النبي.
يمضي الكتيابي إلى الشرح بأن الغناء السوداني في قضية السفر لم يقف عند حد عكس اللهفة والاشتياق، بل رسم أيضا الصور لهذه الرحلات كما رسمت مثلاً في الأحاجي، فهناك تصوير حكائي عن التجربة الإنسانية والتنقل ما بين مدن السودان وأريافه الذي كان يتم أولاً بالدواب ثم اللواري إلى القطار، وهي كلها ذات حضور في الغناء السوداني، بشكل خاص القطر الذي سوف نتوقف معه بشكل أكثر لاحقاً، جملة ذلك ينقل التاريخ الاجتماعي للمجتمع السوداني، فالأغاني لن تكون مجرد رسائل عابرة تتماهى معها العواطف والأحاسيس البشرية، بل هي مخزن من التاريخ الثري والغني الذي يتطلب أن ننفضه ونتعرف من خلال على الذات والمجتمع وحركة الناس وأشواقهم، وسبل المعاش وغيرها من الخصائص الإنسانية وحياة البشر في هذا البلد.
عتبات الغربة:
على عتبة اللهفة والخوف والاشتياق، وهذه المشاعر المختلفة، كانت تجربة الشاعر والمغني السوداني تتكيف أو تتنقل لتعكس تاريخاً لسيرة الإنسان في الأرض والمكان، سواء في حضوره أو غيابه الذي يتم داخل جغرافيا الوطن نفسه، بالسفر أو الرحيل من ريف لحضر أو من مدينة لأخرى، من ثم إلى خارج الوطن حيث تعاظمت منذ نهاية القرن العشرين في الربع الأخير منه وإلى اليوم مسألة الهجرة والغربة في الثقافة السودانية لتصبح ملمحاً له حضوره في الغناء السوداني، وهذا جاء نتيجة للتحولات السياسية وعسر الاقتصاد والحروب وغيرها من الإشكالات في البلاد.
غير أنه في مقابل الشوق والحنين والغربة، فإن ذلك الإنسان قد اكتسب كما يظهر من خلال الغناء، القدرة على التعايش مع مختلف البيئات الإنسانية والأمكنة، حضوره في مكان جديد لم يرحمه من الشوق والحنين، في الوقت نفسه لم يبدد منه المساهمة الفاعلة في الموطن البديل ولو مؤقتاً سواء في البلدان القريبة أو القضية في المهاجر البعيدة بدول الغرب.
في واحدة من الأغاني التي ارتبطت بالحس الوطني السوداني، للشاعر محمد عثمان عبد الرحيم (1914 – 2014)، التي غناها واحد من ألمع مطربي السوداني وهو الفنان الراحل حسن خليفة العطبراوي (1919 – 2007) – نسبة إلى مدينة عطبرة في الشمال – وهي أغنية “أنا سوداني أنا” نسمع الآتي:
“أيها الناسُ نحنُ من نفرِ عمروا الأرض حيث ما قطنوا
يذكرُ المجد كلما ذُكروا وهو يعتز حين يقترن
حكّموا العدلَ في الوري زمناً أتري هل يعود ذا الزمن؟
ردد الدهرُ حسن سيرتهم ما بها حٍطةٌ ولا درنُ
نزحوا لا يظلموا أحدا لا ولا لاضطهاد من أمنوا
وكثيرون في صدورهم تتنزي الأحقاد والإحن”
الملاحظة المهمة في أن هذه القصيدة المكتوبة باللغة الفصحى، أنها برغم تناول قضية السودانوية أو تشكيل الإحساس القومي السوداني، إلا أنها تشير بوضوح إلى قضية الارتحال والسفر والمساهمة لهذا الإنسان أينما حل داخل البلاد وخارجها باتساع مفهوم (الأرض)، وأن سيرة هذا السوداني مرتبطة بالمجد وإقامة العدل، كذلك تصحبه السيرة السمحة والحسنة، وهم بعيدون عن الظلم، وغيرها من المعاني التي نجدها في النص.
بيد أن الأغنية تستبطن سؤالاً ملغماً “أتري هل يعود ذا الزمن؟” فثمة نوع من الحنين إلى شيء أو معنى غائب، دون تحديد هذا الزمن بالضبط، هل هو التاريخ البعيد في الممالك السودانية القديمة أم القريب، بغض النظر عن ذلك أو الإجابة، فالمعنى يرتبط بالرغبة في التغيير والنزوح إلى الأفضل عامة.
فالخوف والشوق لم يمنع الذات الإنسانية من العطاء والإضافة، بحيث يكون الإنسان ابن المكان الجديد، في الوقت نفسه يكون له ذلك التعلق المستمر بالفضاء الأول أو مسقط الرأس، هذه الروح من الحنين الدافق التي لا تتوقف ونجدها مبذولة بكثافة في التراث الغنائي السوداني وفي الأدب كذلك.
كما أن قضية الغربة تأخذ الطابع المحلي والخارجي، من حيث الحركة داخل الموطن نفسه أو خارجه، كذلك ما سبق الإشارة إليه من قضية الاغتراب النفسي الذي هو محور مهم في معالجة فكرة الرحلة في الفنون والأشعار والأغاني في أي مكان من العالم.
الرمز واللهفة:
ثمة تيار يرى بأن عدداً من الأغاني السودانية المبكرة، التي غنت في الربع الأول من القرن العشرين، كما عند خليل فرح بدرجة أوضح، كان تقوم على استبطان رمزيات عالية وأن فكرة الحنين والشوق واللهفة داخل هذه الأغنيات، ما هي إلا مصدراً من مصادر المقاومة للاستعمار الإنجليزي والرغبة في تحرير الوطن من براثنه باتجاه البناء الوطني.
قدمت أسرة خليل فرح (1894 – 1932) من أقصى شمال السودان على تخوم مصر إلى الخرطوم العاصمة، من الأرض النوبية ذات الثراء التاريخي الذي يعود إلى آلاف السنين حيث كانت تلك المنطقة معقل حضارات قديمة منذ ما قبل المسيحية والإسلام، في الفترات الوثنية، فأسم النوبة يدل على مسمى قديم لتلك المجموعات التي تتداخل بين مصر والسودان.
برغم أن خليل الذي لم يعش كثيراً حيث توفي وسنه 38 عاماً، إلا أنه استطاع أن يقدم تجربة مميزة لعبت دوراً في تأسيس الغناء السوداني الحديث مع كل من سرور الذي سبق ذكره، واسم ثالث هو محمد ود الفكي الذي قدم من منطقة كبوشية شمال الخرطوم.
هذا الثلاثي كما يرى الباحث والمؤرخ الموسيقي السوداني الدكتور الفاتح الطاهر (1936 – 2019) عمل على “تحقيق قفزة نوعية في لون الأغنية السودانية في المدينة حققت اتجاه تطورها اللاحق.. كما أن هذا الثلاثي قد مثّل آنذاك مختلف وجوه الثقافة الموسيقية في السودان، وهي مرحلة طفولة الأغنية السودانية الجديدة ومهد صباها”.
أصبحت تجربة خليل فرح، سفراً بنظر النقاد الفنيين باتجاه الهم الوطني من خلال توظيف أدوات الاشتياق والحب وهذه الرموز، بالأخص في قصيدته “عزة” الأكثر شهرة التي باتت من القصائد الوطنية، التي يحتفي بها إلى اليوم، وتمثل ما يشبه النشيد الوطني حيث يتغنى بها في ساحات الوغى ومعسكرات التدريب العسكري، إذ صارت عزة رمز للسودان الأم والحبيبة وكل تلك المعاني المتعلقة بالأنثى.
يقول خليل فرح:
“عزة ما بنوم الليل محال
وبحسب النجوم فوق التلال
وألقى الزاد كمل وأنا حالي حال
وقلبي لسوالك ما شفتو مال
خديني باليمين أنا راقد شمال”
فهذه المحبوبة عزة، يرفض الحبيب أو يعاني عدم القدرة على النوم بسببها في الليل، ليظل يحصي في النجوم ويجد أن زاده قد نفد أي ما كان معه من مخزون الأشواق واللهفة، هذا انعكس على حاله الذي ساء حيث عبّر عنه بـ “أنا حالي حال”، ويؤكد بأن تلك العزة ظل مخلصاً لها فقلبه لا يعرف سواها ولم يمل لأي إنسانة أخرى، ثم يطلب منها أن تحتضنه في هذا الليل فهو قريب منها راقد شمالها، فيما يشير إلى حاجته إلى الارتواء العاطفي.
هذا التصوير يبدو جلياً أنه تعبير عن الحب والشوق لتلك المحبوبة الغائبة أو البعيدة، هي قصة في الذات بحثاً عن الحبيب الغائب، الذي سيكون هنا هو الوطن بالمنظور التأويلي، حتى لو أراد الشاعر غير ذلك في البداية فالصورة التي عمت أصبحت هي المؤكدة إلى اليوم، وربما جاءت إشارات الوطن في مقطع آخر مثل قوله:
“عزة في هواك.. عزة نحن الجبال
وللبخوض صفاك عزة نحن النبال”
أي أننا سنحمي هذه العزة الوطن فنحن الجبال الصامدة التي تصد العدو ونحن النبال التي تصطاده، هكذا تتشكل الصورة.
لقد نال خليل فرح تعليماً راقياً في كلية غردون التذكارية التي أصبحت جامعة الخرطوم لاحقاً وكانت وقتها أكبر مؤسسة تعليمية في البلاد أنشأها الإنجليز باسم القائد الإنجليزي غردون باشا الذي قتل في دخول جيش الثائر محمد أحمد المهدي للخرطوم في 26 يناير من عام 1885 ليحرر البلاد نهائياً من سلطة الاستعمار التركي وقتذاك بعد ثورة عمت البلاد.
من ثم أصبح خليل موظفاً مرموقاً في مصلحة البريد السودانية ليحتك بخبرات من مصر وغيرهم ويتعرف على آلة العود وغيرها، وهو بخلاف سرور (الراعي) فقد كان نسيج طبقة مثقفة وإدراك معرفي علمي بخلاف الخبرة الفطرية والذكاء الطبيعي عند الحاج سرور، لهذا فإن تجربة خليل فرح سوف ينظر إليها من خلال سياق أوسع في التأويل النقدي، حيث سيتم تعريفه على أنه أول من وضع الغناء السوداني في أفق المبتدأ من حيث المعطيات العلمية والأداء المنهجي والقدرة على استخدام وتوسيع مجازات اللغة في الشعر الغنائي، خاصة أنه جمع بين كتابة الأغنية واللحن والغناء.
هكذا سوف نجد أن تلك التجربة التي كان طابعها سفر الأشواق والحنين والرغبة في الارواء النفسي والروحي، قد تحولت إلى قضية وطنية، مع مرور الوقت توسعت النماذج والتجارب لنجد أن هذا الثراء يصبح سجلاً ضخماً تتداخل فيه القصص والحكايات والأسفار والمغامرات الجديرة بالتوقف عندها.




