ثقافة وفن

قصة أغنية

عزة في هواك

قصة تسجيل وظهور الأنشودة الخالدة

(بتصرف: د. محمد بدوي مصطفى)

أفضل تطبيق للمثل أو المقولة الشهيرة، رب ضارة نافعة، هي الحكاية العجيبة والغريبة التي حدثت يوما ما وكانت نتيجتها أغنية خالدة في ذاكرة الشعب السودانيّ ألا وهي أغنية عزة في هواك وسمعناها بصوت خليل فرح. وعازة أو عزة هي رمز للوطن وترابه الكريم. ففي أوائل ثلاثينيات القرن المنصرم سافر الفنان كرومة بصحبة الأمين برهان إلى مصر المؤمنة – كما راق لصوفية السودان أن يتغنوا بها – بغرض تسجيل اسطوانات أو ملأها كما كان يقال في ذاك العهد وكانت تلك ثاني سفرات القامة كرومة إلى تلك البقعة. وفي نفس الفترة كان يتواجد الفنان الشاعر الفذ خليل فرح فلقد أضطر إلى الذهاب إليها بغرض العلاج لما ألمّ به من داء في الصدر آنذاك.

التقت القامتان وقاما بزيارة إلى شركة الخواجة الأرمنّ ميشيان وكانت هذه الأخيرة مع شركة أوديون هما الشركتان اللتان قامتا بمعظم التسجيلات المتعلقة بالأغنية السودانيّة وحتى المصرية في ذلك العهد. الجدير بالذكر أن الأغنية السودانية قد انحصرت على أغاني “الحقيبة” أو “حقيبة الفن” كما كان يطلق عليها على حد سواء. أتفق كرومة وبرهان بواسطة الشاعر خليل فرح على تسجيل بعض الأغنيات التي لا تظل خالدة في تراث أهل أمدرمان بل السودان قاطبة. حينما علمت شركة أوديون بوجود القامة بالقاهرة سارعوا في إعطائهما عرضًا مغريا ينافس العرض الذي قدمته شركة الخواجة ميشيان. أقدموا لا يلوون على شيء إلا وأن يسجلوا الأغنيات بالشركة المنافسة دون الرجوع إلى الأولى فضلا عن الاعتذار لها. كان فعلًا استاء منه خليل فرح فهو لا يرقى بأخلاق أهل السودان ولا بشيمهم الجميلة في حفظ العهود. وحتى لو كان الأمر مصالح أو بزنس – كما ادعا – فهي فعلة لا تمت في القريب أو البعيد بشخصيتين بارزتين مثل كرومة وبرهان. عندما علم الخواجة ميشيان بالأمر سارع في الفور بالاتصال بخليل فرح وكان الغضب قد بلغ منه مبلغا فضلا عن استهجانه واستغرابه لهذا الفعل المشين. قال له: لقد جهزت كل خامات الأسطوانات وقمت بتجهيز كل الأمور وفي نهاية الأمر خُزلت في شأن الرجلين. فما كان من خليل فرح إلا أن أحسّ هذا الخذلان المبين وألمت به دوامة الحرج بما أنه صديق للرجلين. في نهاية الأمر أذعن ميشيان إلى أمر الله وقال خليل في شأن كرومة وبرهان للخواجة ميشيان: الله يسهل أمرهما وأتمنى لهما التوفيق والسداد. وكان في ذلك جدير بالاحترام والتقدير واستطرد قائلا: يا أخي ما في مشكلة ولأنك خسرت واجتهدت في الأمر فأنني لن أخذلك. وسوف أسجل لك اسطوانتين بصوتي رغم أنني لست مغنيا فضلا عن التزامات خدمة كموظف بالحكومة التي تمنعني من الغناء والدخول في مجال الطرب. وبادره ميشيان قائلا: وأنا نفسي لن أخذلك وسوف أقوم لك بعمل لن تنساه مدى الحياة.

تواجد في تلك الفترة موسيقار أرمنيّ كان يعمل بمعهد الموسيقى الشرقية بالقاهرة يدعى أرميناك وكان بارع في عزف آلة الكمان والجدير بالذكر هو كان معلم العازف السودانيّ الأول السر عبد الله الذي سجل غالبية أغنيات الحقيبة في تلك الفترة وحتى بعدها. وقام خليل فرح بتسجيل أغنية عزّة في هواك وقصيدة أخرى لعمر بن أبي ربيعة: عبدة لا ينسى مودتك القلب وصاحبه الموسيقار الأرمنيّ على آلة الكمان.

فلو لا تلك الحادثة لما شاء الله أن يُسمع صوت خليل فرح البتّة. فربّ ضارة نافعة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق