

ترجمة عبد العزيز كوكاس
تقع المدن في قلب هذا الوباء، كما كانت خلال العديد من الأوبئة في التاريخ. نشأ الفيروس في مدينة مزدحمة بوسط الصين، انتشر بين المدن واستحوذ على معظم الأرواح.. أصبحت نيويورك، أتعس وأكثر بؤرة لانتشار للفيروس في العالم، الأشد حزنا.
لا يزال معظمنا يتجولون في المنزل، ونادرًا ما يخاطرون بالتجول في شوارع فارغة مزعجة، ولا يزالون في حيرة من كيف ستبدو الحياة الحضرية بعد ذلك.. هل ستنجو المطاعم وتعود الوظائف؟ هل سيظل الناس يسافرون في قطارات الأنفاق المزدحمة؟ هل نحتاج حتى إلى أبراج مكاتب عندما يكون الجميع متواصلون عبر تطبيق زووم Zoom؟ تعال إلى التفكير في الأمر، فجأة تبدو فكرة العيش في مزرعة جذابة.
تزدهر المدن بفرص العمل واللهو وبالتنوع اللامتناهي للسلع والخدمات المتاحة.. وإذا أضحى الخوف من الفيروس هو الوضع الطبيعي الجديد، فقد يكون المدن مستقبل عليل ومعقم، وربما حتى فاسد ومخيف.. ولكن إذا وجدت مدن العالم طرقًا للتكيف، كما فعلت دائمًا في الماضي فربما لا يزال أمامها أعظم عصر.
لمساعدتنا على فهم الحياة الحضرية بعد الوباء، طلبت مجلة فورين بوليسي من 12 خبيرًا عالميًا رائدًا في التخطيط الحضري والسياسة والتاريخ والصحة توقعاتهم عن مستقبل مدننا بعد كورونا.
ستنجو مدننا من فيروس كورونا
ريتشارد فلوريدا أستاذ بكلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو ومحاضر بجامعة نيويورك، ومؤلف كتاب “صعود الطبقة المبدعة والأزمة الحضرية الجديدة”
ظلت المدن بؤرة انتشار الأمراض المعدية منذ عهد جلجامش، وكانت دائمًا تتعافى، وغالبًا ما تصبح أقوى من ذي قبل.. دمر الموت الأسود مدنًا في أوروبا خلال العصور الوسطى، وفي آسيا على طول الطريق حتى بداية القرن العشرين.. قتلت الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 ما يصل إلى 50 مليون شخصا في جميع أنحاء العالم، ومع ذلك ازدهرت نيويورك ولندن وباريس في أعقابها.
في الواقع، يُظهر التاريخ أن الناس غالبًا ما انتقلوا إلى المدن بعد الأوبئة بسبب فرص العمل الأفضل والأجور الأعلى التي قُدمت بعد الانخفاض المفاجئ في عدد السكان.
ستتم إعادة تشكيل بعض جوانب مدننا ومناطقنا الحضرية، اعتمادًا على المدة التي يستمر فيها الوباء الحالي. الخوف من الكثافة، ومن ميترو الأنفاق والقطارات على وجه الخصوص، بالإضافة إلى الرغبة في محيط أكثر أمانًا وخصوصية قد يجذب البعض نحو الضواحي والمناطق الريفية.. يمكن للعائلات التي لديها أطفال والبسطاء خاصة، استبدال شققهم في المدينة بمنزل به فناء خلفي. لكن هناك قوى أخرى ستدفع الناس إلى العودة نحو المراكز الحضرية الكبرى.. سيستمر الشباب الطموح في التدفق على المدن بحثًا عن الفرص الشخصية والمهنية، قد يتراجع الفنانون والموسيقيون بسبب انخفاض الإيجارات، وذلك بفضل التداعيات الاقتصادية للفيروس.. وقد تفتح الأزمة نافذة قصيرة لمدننا- التي لا يمكن تحمل تكاليفها والتي تتسم بالتحول الشديد- لإعادة ضبط وتنشيط مشاهدها الإبداعية.
دائمًا ما تتبع التنبؤات بموت المدن صدمات كهذه التي نعيشها اليوم، لكن التحضر كان دائمًا قوة أكبر من الأمراض المعدية.
النظر إلى ما وراء كارثة الوظائف الحضرية
إدوارد جلايسر أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب “انتصار المدينة: كيف يجعلنا اختراعنا الأعظم أكثر ثراءً وذكاءً وصحةً وسعادة”
قبل جائحة فيروس كوفيد 19، كنت أثق في قدرة المقاولين الحضريين على خلق وظائف خدماتية كافية لتكذيب الرؤى البئيسة لاقتصاد آلي.. لطالما وفرت إمكانية توفير المتعة من خلال تقديم قهوة “لاتيه” مع ابتسامة، ملاذًا آمنًا حيث يمكن للعاطلين العثور على عمل. لكن إذا أصبحت الأوبئة روتينية، فإن التفاعلات البشرية ستخلق خوفًا أكثر من الفرح، وستختفي هذه الوظائف.
لقرن مبارك، ظلت المدن الغربية صحية.. لقد نسينا أن المرض المعدي شكل ثروات المدن منذ أن قتل طاعون أثينا بريكليس، شهد ذلك القرن الآمن انتقال الوظائف من المزارع إلى المصانع إلى قطاعات الخدمات التي توظف الآن 80 في المائة من العمال.
في الولايات المتحدة وحدها، هناك 32 مليون وظيفة في تجارة التجزئة والترفيه والضيافة. إنهم في الخطوط الأمامية للوباء.. وجدت إحدى الدراسات الاستقصائية الحديثة أن 70 في المائة من المطاعم الصغيرة تتوقع إغلاقها نهائيًا إذا استمرت أزمة كوفيد 19 لمدة أربعة أشهر أو أكثر(حتى شتنبر 2020). إذا أصبحت الأوبئة هي الوضع الطبيعي الجديد، فستختفي عشرات الملايين من وظائف الخدمات الحضرية، والفرصة الوحيدة لمنع كارثة في سوق الشغل تتمثل في استثمار مليارات الدولارات بذكاء في البنية التحتية للرعاية الصحية المضادة للوباء بحيث يمكن أن يظل هذا التفشي الفيروسي الرهيب انحرافًا لمرة واحدة.
فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل
روبرت موجاه مؤلف (مع إيان غولدين) “مائة خريطة للبقاء على قيد الحياة خلال المائة عام القادمة”
تقوم جائحة كوفيد 19 بإحداث تغيير في حياة المدينة.. ترهق المستشفيات وتدمر التجارة، وتقيد الولوج إلى الأماكن العامة، وتجهد البنية التحتية الرقمية، وتزيد من تحديات الصحة العقلية، وتجبر الناس على البقاء في منازلهم.. في حالة عدم وجود لقاح، يمكن أن تصبح العديد من هذه الاضطرابات دائمة.. كانت المدن تواجه بالفعل نقصًا مزمنًا في الإيرادات وعجزًا في الميزانية قبل تفشي الوباء. الأولوية الآن هي لإنقاذ الأرواح وتقديم الخدمات الأساسية والحفاظ على القانون والنظام.. هذا مهم بشكل خاص في مدن العالم النامي والأحياء العشوائية المكتظة حيث يؤدي ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى زيادة مخاطر الجوع والاضطرابات الاجتماعية.
يقوم رؤساء بلديات المدن عمليا بإعادة النظر في الخطط الحضرية لمنع الوباء القادم.. على المدى القصير سيقدم الكثيرون اختبارات جماعية وتتبع جهات الاتصال الرقمية، وتعديل المباني والأماكن العامة من أجل التباعد الاجتماعي وتعزيز الأنظمة الصحية للتعامل مع التهديدات المستقبلية.. سيعمل الوباء أيضًا على تسريع الاتجاهات الأعمق والأطول أمدا التي تؤثر على المدن، مثل رقمنة البيع بالتقسيط، والانتقال إلى اقتصاد غير نقدي، والتحول إلى العمل عن بُعد وتقديم الخدمات الافتراضية، وتعميم ممرات الراجلين على الشوارع.. سيصارع النقل العام للاحتفاظ بالركاب دون تعديلات التباعد الاجتماعي. وقد تصبح السيارات ذاتية القيادة وخطط التنقل الصغيرة حيوية بشكل متزايد.
يكشف الوباء عن طبيعة جودة الحكامة وحجم عدم المساواة في مدننا العالمية، في ذات الآن سيوفر فرصة لمصممي المدن والمقاولين لإعادة البناء بشكل أفضل.. سيكتشف بعضهم طرقًا لترقية سياسات تقسيم المناطق وتأمين المقتنيات لتعزيز الكثافة الذكية والاستثمار الأكثر مراعاة للبيئة.. فالمدن هي أحواض الاختبار المثالية للابتكارات الجديدة.. إذ طورت المدن المحركة الرائدة مثل أمستردام؛ بريستول، إنجلترا؛ ملبورن وأستراليا عمليا خططًا تعطي الأولوية للاقتصاد الدائري ومرونة المناخ، وعدم التسامح الجذري مع عدم المساواة.
جوعى للمتع البسيطة في الحياة بالمدينة
توماس جيه كامبانيلا الأستاذ المشارك في تخطيط المدن ومدير برنامج الدراسات الحضرية والإقليمية في جامعة كورنيل
لقد عانت المدن من أوبئة مروعة عبر التاريخ، لكنها ازدهرت لتصبح أكبر وأكثر كثافة.. سيكون الانكماش المخيف للحياة الحضرية بعد فيروس كوفيد 19 مؤقتًا في أحسن الأحوال، حتى في الولايات المتحدة ذات التقاليد الطويلة في مناهضة التمدن.. غالبًا ما كانت المدن تُعتبر فاسدة وغير أخلاقية مقارنة بالريف- وهي عقيدة أعطتنا في النهاية الضواحي- حتى فيلادلفيا، أول مدينة كبيرة مخطط لها في الولايات المتحدة، أبقت على مخاطر كثافة العالم القديم في مأزق بفضل قطعها الأرضية الأصلية الكبيرة عن المعتاد.. نجا مؤسس المدينة، ويليام بن، من طاعون ونيران لندن في ستينيات القرن السادس عشر ولم يرغب في أي منهما في مدينته.
إن الوباء الحالي مجرد آخر محور تاريخي يتنبأ فيه الخبراء بموت المدينة.. فخلال العصر الذري، أصبحت المدن فجأة أهدافًا ساخنة ومتوهجة، مما أدى إلى حركة لامركزية حضرية خلال الحرب الباردة.. بالنسبة للمستقبليين مثل مارشال ماكلوهان وجورج جيلدر وألفين توفلر، كانت الاتصالات الرقمية هي التي ستقتل المدينة وتؤدي إلى العودة إلى الحياة الريفية من قبل من أطلقوا عليهم اسم “العمال الفائقي التجريد”، لكن الكثافة الديموغرافة تدفقت بدلاً من ذلك إلى سان فرانسيسكو ونيويورك ولندن.. أدت هجمات الحادي عشر من شتنبر إلى موت ناطحة سحاب ومانهاتن السفلى، ولم يظهر أي منهما أي علامات على الذهاب بعيدا عن المدينة.
كيف ستبدو مدننا بع وباء كورونا المستجد؟ ستختفي العديد من الحانات والمطاعم والمقاهي المفضلة لدينا، لكن ستحل محلها أشكال جديدة.. قد يتجنب كبار السن ومن يعانون من نقص المناعة المساحات الحضرية لبعض الوقت، مما ينتج عنه سكان وسط المدينة أصغر سنًا وأكثر لياقة وأكثر تحملًا للمخاطر.. وسيواجه الخوف المستمر الذي لا مفر منه من العدوى تأثير ارتداد الحجر الصحي: سيضغط الناس للخروج من حالة الإغلاق، جوعى للمتع البسيطة المتمثلة في التواجد بالقرب من بعضهم البعض في أحد شوارع المدينة المزدحمة.
ستتفوق المدن في الوقاية من الأمراض ومقاومتها
ريبيكا كاتز الأستاذة في المركز الطبي بجامعة جورج تاون، حيث تدير مركز علوم الصحة العالمية والأمن
في جميع أنحاء العالم، يتدفق الشباب نحو البيئات الحضرية بحثًا عن العمل والتعليم، وفرص التفاعل مع أقرانهم، وعن تجارب جديدة في الثقافة والفنون.. مع استمرار انتشار فيروس كورونا- وبالنظر إلى وعينا الجديد بمخاطر الأمراض المعدية- أصبحت الكثافة السكانية فجأة أقل جاذبية، وأضحت الشقق المشتركة التي تعد نقطة انطلاق منخفضة التكلفة للوافدين الجدد لتجربة اتساع المدن، مصدر قلق للقاطنين في الأماكن المغلقة خلال الحجر الصحي. في الوقت نفسه، رأينا أثرياء المدن، الذين طوروا مدينة تلو أخرى، يهربون إلى منازلهم الصيفية.. قد يعيد الكثير منهم حساب أفضلياتهم بشكل دائم.
الآن بعد أن أنشأ الكثير منا إجراءات جديدة تعمل عن بعد عبر عدد لا يحصى من مؤتمرات تطبيق زووم، قد نشرع في رؤية نزوح جماعي من المدينة إلى المزيد من البيئات الريفية، في حين أنه من المستحيل التنبؤ بما سيكون عليه الوضع الطبيعي الجديد، فقد يحدث التحضر العكسي.
ومع ذلك، فإننا نتوقع أيضًا أن يتفوق قادة البلديات في التأهب للأمراض والاستجابة لها. ما كان في يوم من الأيام منطقة من الإدارات الصحية تعاني من نقص التمويل والموظفين سوف تصبح أكثر قوة.. سنقوم بتطوير أفضل الممارسات لحماية صحة السكان في المدن، مما سيساعد على الحفاظ على جاذبية البيئات الحضرية.
يمكننا خلق مستقبل حضري أفضل
حيث لا يتخلف أحد عن الركب
ميمونة محمد شريف المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية
يعيش حوالي 95 في المائة من المصابين بكوفيد 19 في المناطق الحضرية، وقد أظهر هذا بوضوح بعض التفاوتات الأساسية في قلب بلداتنا ومدننا.. سيضرب الفيروس التاجي أكثر الفئات ضعفاً، بما في ذلك مليارا من سكان المستوطنات العشوائية المكتظة بالسكان والأحياء الفقيرة في العالم، فضلاً عن الأشخاص الآخرين الذين يفتقرون إلى إمكانية الحصول على سكن لائق وآمن وبأسعار معقولة.. بدون مأوى، من المستحيل الاستجابة لنداء البقاء في المنزل. بدون مأوى آمن والوصول إلى الخدمات الأساسية، لا معنى لنصائح التزام الناس بمنازلهم.
يؤدي هذا الوباء بالفعل إلى تفاقم الانقسام الحضري الذي نتج عن فشل طويل الأمد في معالجة التفاوتات الأساسية وضمان حقوق الإنسان الأساسية.. ستتطلب استجابة ما بعد كورونا، معالجة هذه الإخفاقات وتزويد جميع السكان الحضريين بالخدمات الأساسية- لا سيما الرعاية الصحية والإسكان- لضمان أن يتمكن الجميع من العيش بكرامة والاستعداد للأزمة العالمية المقبلة.. يجب أن تكون السلطات المحلية هي القوة الدافعة للحد من عدم المساواة، مدعومة بسياسات الحكومة الوطنية التي تزيد من مرونة المدن وسكانها.. المتفائل الأبدي بداخلي يطمح ويؤمن إيمانا راسخا بمستقبل حضري أفضل حيث لا يستثنى منه مكان ولا يتخلف أحد عن الركب.
ستتباطأ مدن الهند وتصبح أكثر نظافة وأقل ازدحامًا
كيران بيدي نائب حاكم بودوتشيري بالهند أول امرأة في دائرة الشرطة الهندية وشغلت منصب المفتش العام في سجون دلهي
ستصبح المدن أقل ازدحامًا ووتيرة نموها أكثر بطئا.. الهجرة السريعة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، مثل ما رأيناه في الهند، لا يمكن أن تستمر بنفس السرعة.. وقد يبدأ الناس في إعادة النظر في الزراعة.
ستفقد المدن جزءًا من تنوعها وحياتها الاجتماعية العامة، سيكون هناك تناول أقل للأكل بالخارج والمزيد من التوصيل للمنازل واستهلاك أقل للكماليات.. ستتحول دور السينما العامة إلى دور سينما منزلية.. لن تكون صالات الألعاب الرياضية وصالونات تصفيف الشعر مطلوبة لبعض الوقت، ما لم يتم الحفاظ على الممارسات الجيدة للتباعد الاجتماعي والنظافة والجنس التجاري سيتوقف عن العمل.
سيصبح النقل الحضري أكثر خصوصية لأسباب التباعد الاجتماعي. سيتضاءل السفر في كل الأنحاء، ويصبح السفر الدولي من مدينة إلى مدينة أكثر كلفة بكثير.
ستتغير طريقة عملنا في المدن، بحيث يصبح العمل من المنزل خيارًا مدعومًا من خلال المؤتمرات عن بعد والمشاركة المستندة على شبكة “السحابة” (شبكة من الخوادم البعيدة المستضافة على الإنترنت والمستخدمة لتخزين البيانات وإدارتها ومعالجتها بدلاً من الخوادم المحلية أو أجهزة الكمبيوتر الشخصية) بما في ذلك في الإدارة الحكومية.. ستصبح مساحة مكاتب العمل بسعر أقل بكثير.. وسيكون هواء المدن أنظف والحياة الحضرية أقل كلفة.
أنشئوا المدينة الآمنة والمرنة التي نحتاجها طوال الوقت
جانيت صادق خان مديرة شركة “بلومبيرج أسوشيتس”، كانت مفوضة إدارة النقل بمدينة نيويورك بين عامي 2007 و 2013
يمر طريق التعافي من هذا الوباء عبر شوارعنا، يمكننا إعادة المدن دون إعادة حركة المرور والازدحام الخانق والتلوث و1.3 مليون شخص يموتون في حوادث السير كل عام. يمكننا استعادة وإعادة ضبط شوارعنا لنقل الناس سيرًا على الأقدام أو بالدراجة أو بوسائل النقل العام- والقيام بذلك بأمان وبتكلفة معقولة وبسهولة، بغض النظر عن مكان إقامتهم في المدينة.. ولدينا فرصة لمنح سكان المدينة عبر العالم استقلالًا حقيقيًا في وسائل النقل، خيارات حقيقية للتجول وحرية عدم امتلاك سيارة.
يكشف وباء كورونا مدى اعتماد المدن على العمال الأساسيين، ومدى اعتماد العمال الأساسيين على القطارات والحافلات العامة للوصول إلى الوظائف في المستشفيات ومحلات البقالة وغيرها من الروابط في سلسلة التوريد.. تعتمد قدرتنا على تحمل هذا الوباء على بروتوكولات سلامة جديدة للحفاظ على سلامة الركاب وعمال النقل العام، وعلى الاستثمار في خدمات واسعة النطاق لتسهيل إدارة الأزمة التالية.
التحدي الذي نواجهه لا يتعلق بما إذا كانت المدن ستبقى كما نعرفها.. السؤال هو ما إذا كان سيكون لدينا الخيال والرؤية لتحويل الشوارع وإيجاد مدن أكثر أمانًا وسهولة في الوصول إليها وأكثر مرونة كنا بحاجة إليها طوال الوقت.
ستستعيد المؤسسات الجديدة المدن
بروس كاتز المدير المؤسس لمختبر “معمل نواك مترو للتمويل” في جامعة دريكسيل يعلمنا التاريخ أن الأزمات عادة ما تؤدي إلى ظهور وكالات ومؤسسات حكومية جديدة، فقد أنشأت الولايات المتحدة وزارة الأمن الداخلي بعد هجمات الحادي عشر من شتنبر ومكتب الحماية المالية للمستهلك في أعقاب أزمة انهيار السكن عام 2008-2009. لذلك من المرجح أن تدفع جائحة فيروس كورونا التغيير المؤسسي في المدن، إذ يتحتم أن تبرز قدرات جديدة لمواجهة الدمار الاقتصادي.
سيتطلب الانهيار غير المسبوق للمقاولات الصغرى، لا سيما تلك الموجودة على طول الممرات التجارية في المجتمعات المحرومة وتلك التي يملكها أشخاص ملونون، جمهورا جديدا أو وسطاء غير ربحيين لتقديم الخدمات للشركات التي تعاني من عجز مالي وتدريب متطور للمقاولين الجدد.. لدينا بالفعل حاضنات ومسرعات الأعمال- لكن ما نحتاجه الآن هو مُجددات الأعمال.. يجب أن يضمن ذلك الوصول إلى المنتجات المالية المدفوعة بالأسهم، بدلاً من مجرد تقديم المزيد من الديون.
في الوقت ذاته، ستزداد أهمية بنوك الأراضي العامة ومؤسسات التنمية غير الربحية- التي تسمح بتجميع الأراضي وتسريع عملية التنشيط، ستكون نماذج مثل شركة “تطوير المدينة والموانئ” في كوبنهاغن أو شركة “تطوير مدينة سينسيناتي”، التي حظيت بإعجاب طويل ولكن نادرًا ما يتم تكرارها، مدخلا أساسيا للانتعاش الحضري.. بدون تغيير مؤسسي جذري، سيستغرق الانتعاش الشامل للمدن وقتًا طويلاً جدًا في المستقبل.
السكن الحضري سيصبح أرخص
جويل كوتكين أستاذ مساعد في جامعة تشابمان والمدير التنفيذي لمعهد الإصلاح الحضري ومؤلف كتاب “مجيء الإقطاع الجديد: تحذير للطبقة الوسطى العالمية”
ستبقى المدن ضرورية للمجتمع البشري، لكنها بحاجة إلى التغيير.. لقد اجتمع فيروس كورونا والاكتظاظ السكاني العالي الكثافة معًا منذ البداية- من نشأة الوباء في الصين الحضرية المزدحمة وغير الصحية إلى بروز معدلات مرتفعة جدا من حالات الاستشفاء والوفاة في المدن الكبرى عبر العالم.. لا يمكن أن يكون الاختلاف مع المناطق النائية الأقل كثافة سكانية أكثر وضوحا، خاصة في الولايات المتحدة، حيث تحملت مدينة نيويورك وطأة الوباء.
قد تشمل الإجابات على هذا المشكل، السماح بمزيد من النمو في الأطراف والضواحي، الأمر الذي يتطلب تغييرات جوهرية في لوائح استخدام الأراضي وتقسيم المناطق؛ تشجيع العمل عن بعد حيثما أمكن ذلك؛ وتطوير أنظمة نقل شخصية ومستقلة في نهاية المطاف بدلاً من إجبار الناس على ركوب قطارات الأنفاق المزدحمة. عندما ابتليت المدن بالأوبئة في أوائل القرن العشرين، استجاب المجتمع بخفض الكثافة.. انتقل عدد سكان مانهاتن من حوالي 2.5 مليون نسمة في عام 1920 إلى 1.5 مليون عام 1970 وحدثت عملية مماثلة في وسط لندن وباريس مع انتقال المزيد من الناس إلى الأطراف، أصبحت المدن أكثر أمانًا وصحة، ستساعدنا إستراتيجية مماثلة في المستقبل.. قد يسمح بعض تشتت السكان أيضًا بانتشار الوظائف وتقليل تكاليف الإسكان الحضري، ومع ذلك يجب تصميم الجيل القادم من الضواحي لتقليص الانبعاثات والمزيد من العمل في المنزل بما يضمن تنقلات أقل.
نداء يقظة للمدن من أجل إعادة التفكير
في نموذجها الاقتصادي
تشان هينج تشي أستاذ بجامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم ورئيس مركز “لي كوان يو” للمدن المبتكرة
كانت جائحة الفيروس كورونا بمثابة دعوة ليقظة المدن في جميع أنحاء العالم لإعادة التفكير في التخطيط الحضري مع اعتبار الأمن الصحي أولوية قصوى. في سنغافورة، تمت إعادة تنظيم النظام الصحي بالفعل في أعقاب وباء السارس عام 2003، لكن الأمر مختلف مع هذا الفيروس التاجي.. هناك العديد من جوانب الأمن الصحي التي تشكل تحديات خاصة لمدينة تفتقر إلى المناطق الريفية النائية، لا سيما تلك التي تنطوي على ضعف سلاسل الإمدادات الطبية والغذائية.
جانب آخر في مدينة مثل سنغافورة هو تأمين صحة عدد كبير من العمال الأجانب المهاجرين الذين ساعدوا في بناء المدينة والحفاظ عليها.. يبلغ إجمالي عدد سكان سنغافورة 5.7 ملايين نسمة، منهم ما يقرب مليون عامل من شبه المهرة وغير المهرة، بما في ذلك عمال المنازل الأجانب وحوالي 300 ألف عامل مهاجر يعمل معظمهم في البناء، جلهم يقيمون جماعة في مهاجع ضخمة mega-sized dormitories. هذا العيش الجماعي المختلط، بالإضافة إلى مواقع العمل المزدحمة، سهلت إصابة العديد من العمال بفيروس كورونا المستجد. بعد الوباء، ستتم إعادة النظر في تصميم المهاجع بالتأكيد وتعزيز البروتوكولات.
ومن شبه المؤكد أن يعاد النظر في النموذج الاقتصادي الحالي- الذي يعتمد بشكل كبير على العمال المهاجرين للنمو والتنمية.. سيتم تعزيز التكنولوجيا لزيادة الإنتاجية، الذي دعت إليه الحكومة منذ فترة طويلة، بإلحاح كبير لتقليص الاعتماد على القوى العاملة للإنتاجية.
يجب علينا استعادة الثقة في سلامة العيش في ظل الكثافة
دان دوكتوروف الرئيس التنفيذي لشركة “مختبرات الرصيف” ونائب العمدة السابق للتنمية الاقتصادية وإعادة بناء مدينة نيويورك
ستعود المدن أقوى من أي وقت مضى بعد الوباء.. ولكن عندما ستفعل ذلك، ستكون مدفوعة بنموذج جديد للنمو يشدد على الشمولية والاستدامة وإتاحة الفرص الاقتصادية.. حتى قبل الأزمة، كانت المجتمعات الحضرية في جميع أنحاء العالم تطالب بتكاليف أقل للمعيشة وخطط أقوى للتصدي لتغير المناخ، حتى أن بعض المدن التي لا يمكن تحمل تكاليف العيش فيها، مثل نيويورك، كنا نرى السكان يغادرون المدينة.
سيبدأ إنعاش النمو السكاني في المناطق الحضرية بعد الوباء باستعادة الثقة في الصحة العامة بالمناطق الحضرية وفي سلامة الاكتظاظ السكاني. ولكن عندما يعود الناس إلى المدن- كما فعلوا دائمًا في الماضي- يجب علينا الاستفادة من السياسات والتقنيات الجديدة لجعل تكلفة الحياة الحضرية ميسرة ومستدامة لعدد أكبر من الناس.
يمكن لطرق البناء الأرخص والأكثر مرونة مثل البناء الخشبي الطويل أن تخفض كلفة السكن وتقلل بشكل كبير من البصمة الكربونية للمباني الجديدة.. كما يمكن لخيارات التنقل الجديدة وامتدادات النقل العام أن تساعد السكان في الوصول إلى الوظائف دون الحاجة إلى امتلاك سيارة.. وأن تمكّن ابتكارات الطاقة من تزويد الأحياء بحاجتها إلى الكهرباء.. وهو مما سيقلص من التأثير على المناخ ودون فواتير المرافق والخدمات التي تلتهم الميزانية.
إذا انتهزنا هذه الفرصة للبناء بشكل أفضل فلن تنتعش المدن فحسب، بل ستوفر فرصًا أكبر مما كانت عليه قبل انتشار فيروس كورونا.




