ثقافة وفن

إضاءات وإفادات عند الرحيل

حديد الطيب السراج 1938 – 2017

محمد المنتصر حديد السراج

إعلامى شهير يرحل فى صمت..هكذا كتب د.عبدالسلام محمد خير فى عموده توارد خواطر فى (آخر لحظة) الأحد27..8..2017…ومضى يقول: بعض الناس ممن تكون خبرت فضلهم على العباد والبلاد وحالت بينك وبينهم المسافات والأزمنة والأحوال، رحيلهم عن الدنيا يشكل لك فجيعة مزدوجة، عامة وخاصة..فلا تملك إلا أن تلزم دارك وتنعيهم لنفسك، فمن غيرك كان أولى بتلقى العزاء فى مثلهم؟..كدت أستسلم لهذا الانكفاء فألزم مكانى لولا تدافع السيرة على المذياع حتى كدت أنكر معرفتى به لفيض ما ورد من سيرته، ماأعرف ومالم أكن أعرف..تداعت الخواطر والأشجان والأحزان على فقيد آخر ممن أثروا الإعلام بوشائج التواصل والتفاعل والمعرفة والإعلاء من قيم المجتمع وأهدافه…سجل حافل استدعته الإذاعة السودانية على الهواء كأنه فقدها وحدها..كانت سانحة لنتعرف على أفضاله على الإعلام والآداب والثقافة ولغة الضاد وليالى أم درمان.

نعم هو كان مديرا للإذاعة ونقيبا لعامليها وحادبا على مستمعيها، لكن فى الأمر ملف لخدمة طويلة ممتازة تكشفت صفحاته لأول مرة لحظة الرحيل..

اتضح أن عارفى فضل الدكتور حديد الطيب السراج يشكلون عالما من التنوع والثراء والبلاغة والخصائص الأم درمانية الموحية..جاءوا من كل فوج..إذاعة، تلفزيون، صحافة، جامعة، أكاديمية، هيئة، اتحاد، منتدى، تتقدمهم السجادة..يعزى بعضهم بعضا..قالوا عنه ما كان بإمكانه أن يتباهى به فى حياته على المنابر والوسائط التى كانت رهن إشارته بحكم التخصص والمسؤولية لكنه لم يفعل ذلك تواضعا واعتدادا بالنفس..تواضع وترفع عن الصغائر..هذا مايعرفه الجميع، لكن ما خفى وتكشف على حافة القبر زاد فضيلة هذا النوع من التواضع عظمة وبريقا فى عالم يغره الظهور و(الأنا)..إلا من رحم ربك…ربما أرادها رسالة أخرى من تلك التى تعمد أن يدخرها لتبقى من بعده، حياة من بعد حياة، عليه رحمة الله…كان لماحا عن علم وتواضع ونزاهة.

أهل العلم والتواضع والاعتداد بالنفس يبقون فى ذاكرة الناس مع مرور الزمن، فيعيدون اكتشافهم حين يفقدونهم، حين يستبد الجهل بالجهلاء، ويتعالى حب الظهور على حب العمل..هذا إحساس من يفاجأ بأنه يعرف شخصا من هذا القبيل رحل فى صمت وانسابت سيرته من ورائه على ألسنة صادقة متوسلة بما كان ابتغى به وجه الله تعالى، فقلت ليتهم أسمعوه بعض ذلك فى حياته..زملاء مهنة، علماء وفقهاء، إعلاميون، وصحفيون، مهنيون تدربوا على يديه، طلاب جامعات نهلوا من مؤلفاته، مثقفون ألفوا منتدياته وأطروحاته عبر السنين والى أيامه الأخيرة..خفوا لوداعه يستدعون سيرته بوفاء معروف فى أهل السودان لكل من حدثته نفسه ليبرهم وليترك بينهم أثرا طيبا..فأى شئ هو الأثر الباقى والذكرى النبيلة؟..تباروا حضورا وإفصاحا عما كان محبوسا فى الصدور، يحول دون الجهر به ترفعه الصارم وزهده حتى فيما استحق.

ومن بعد نشطت وسائل التواصل الاجتماعى..من أمريكا أطل على الواتساب ينعيه للناس كافة المذيع الدكتور عمر الجزلى بكلمات تحتشد وفاء وتفردا ليعطيك الإحساس بأنه فقد أمة فوق أنه فقد إعلام وثقافة وآداب..يقول الجزلى من مشفاه البعيد: هكذا نفاجأ بانفراط حبة من حبات عقد اللؤلؤ النضيد الذى أهداه رب العزة لهذا الوطن الشامخ العزيز ليزين به إطار وجيد الثقافة والفكر والفن والعلم والإعلام…ويسترسل الجزلى يستدعى خصال من فقدنا: كان سمح الخصال، وفيا كريما خلوقا مهذبا حد التهذيب…وتغلبه موجة الحزن التى أطلقها الخبر: والله لقد شق على نبأ رحيل الغالى أخوى حديد السراج..

تدافعت كلمات الإنصاف من بعيد ومن قريب وممن كانوا فى موكب الوداع..لقد وحد المشارب وهو يرحل كما كان يفعل وهو مدير للإذاعة، ومدير للتلفزيون وأكاديمية السودان لعلوم الإتصال ، وعميدا لكلية الدعوة والإعلام بجامعة القرآن الكريم، وعضوا فاعلا بهيئة علماء السودان، ومجددا لمنتدى ثقافى مقره داره، دار أبيه معقل العلم والتنوير والإبداع على شاطئ النيل ومنساب مثله منذ عهد الطيب السراج وفارس لسان العرب فراج الطيب..عليهم جميعا رحمة الله.

كل ذلك..فضلا عن علم وشعر وإعلام وثقافة، فيض من إنسانية وجدية وتهذيب ومهابة..متى ظهر أسدى معرفة وقدم تجربة وأشاع ثقافة وأفسح مجالا لغيره ليتقدم..شغل المناصب الإعلامية المرموقة فى البلاد، أعان على ظهور المشاهير دون أدنى امتنان، ويسر للدارسين ارتياد آفاق البحث العلمى والإقدام على سلم التعليم العالى..وقبل ذلك(علم ينتفع به)..فلقد شهدت إقبال الطلاب على مؤلفاته وأحسست كم هى نعمة لمن عملوا فى مجال الإعلام والصحافة أن يتركوا مثل هذه المراجع لتعين الأجيال على التقدم عن علم ودراية ومهنية يشترطها عالم اليوم.

عاش عالما ناشطا وإعلاميا مرموقا ومتواضعا…رحل فى صمت وهو صاحب الصوت الجهير، المهيب..كرس حياته وأفردها للإفصاح البليغ عن غايات كلية لايحيد عنها أبدا…يصنع الإعلام ويتقنه ويثرى المكتبات والمدرجات والمنتديات الى أيامه الأخيرة..لكنه ما أحب شيئا يكتنزه من متاع الدنيا وزائلها، ولاقدرا يسيرا من الإيثار لنفسه على غيره..

إن هذه السيرة لإنسان عرفته عن قرب تأبى إلا أن تفضى بالمقال الى رسالة أخرى من رسائله بالغة الدلالة…رسالة أشبه بوصية مغادر..أن تختزن ذاكرتنا وتتدبر معنى قول الحق عز وجل:(…ويؤثرون على أنفسهم ولو كان  بهم خصاصة…)…أكرم الله حديد السراج فى مقر رحمته.

ومن شعره…تحية الأديب:

حى الأديب الحر ذا الومضات

حى الأديب الصادق الكلمات

حى الشعور الصادح الهمسات

واسكب عبيرا ماثلا للذات

هذى الجموع تقاطرت من ساحها

من مدنها من بدوها من واحها

بشعورها  بشعارها   بسلاحها

بصحافها   مصحوبة  بقداحها

حى الأديب  الواضح   النبرات

حى الأديب  الشاعر   النغمات

حى الحروف   الخرد   العطرات

وانضح  شعورا   ذاب  فى كلمات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق