ثقافة وفن

وزير التربية والتعليم السابق بدوي مصطفى

شوقي بدري

قد يكون غريبا ان يقدم من ينتمي الي اليسار  لكتاب رجل من رواد الحركة الإسلامية في السودان. بيد أن قراءة الكتاب ستجيب على هذا التساؤل المطروح. لقد كتبت من قبل أن الاستاذ بدوي مصطفى لم يحظ بالتبجيل والاحترام الذي يستحقه، ليس فقط من اعضاء تنظيمه بل من الكثير من السودانيين.

إن أول تنظيم للإخوان المسلمين كان يرأسه السيد ابراهيم المفتي؛ وكان الشاب بدوي مصطفى وقتها نائبا للرئيس، وكان السكرتير الاستاذ علي طالب الله. وكل واحد من هؤلاء الثلاثة كان يشهد له بالأمانة والاخلاق الحميدة، وحسن اسلامهم. كانت فكرة الاخوان المسلمين بعيدة جدا عن ما لحق بها من سوء، فتركها الشرفاء.

صار الاستاذ ابراهيم المفتي وزيرا في الحكومة الاولى بعد الاستقلال. وصار الاستاذ بدوي مصطفى بعد عقد من الزمان وزيرا للتربية والتعليم، وكان كلاهما من قواد الحزب الوطني الاتحادي.

تخرج الاستاذ بدوي مصطفي من كلية غردون قسم الترجمة، وعمل في وزارة المالية إلا أنه هجر الوظيفة الحكومية التي كانت حلم الجميع، ليخاطر في تجارة الصادر. وكان عمله يدفعه الي السفر بالشاحنات الى غرب أفريقيا خاصة إلى نيجيريا. وكانت تلك الرحلات قاسية قد تأخذ عدة أشهر. واصل في تجارة الجلود وتصديرها بقية حياته، وأدخل ملايين الدولارات إلى خزينة السودان العطشى للعملة الصعبة إذذاك. كان شريكا لتاجر أمدرمان المشهور الشيخ العوض خليفة، ثم استقل عنه وكوّن لنفسه سمعة رائعة في السودان وخارج السودان. اشتهر بالأمانة والصدق. وكان يفضل أن يظلمه الآخرون بدلا من أن يظلم أي انسان؛ حتى أن البعض كانوا يصفونه بالمتهاون، وأنه تنقصه شراسة التاجر، ولكنه نجح عندما فشل الآخرون الذين كان الجشع يدفعهم دفعا لتحقيق رغباتهم.

عندما أجمع مجلس الوزراء في الستينات علي تعيين الأستاذ بدوي مصطفى وزيرا للتربية والتعليم، اتفق مع صديقه الدكتور أحمد السيد حمد وزير التجارة علي تبادل الوزارات. ولكن البعض كان يعرف أن الأستاذ بدوي مصطفى سيكون حاسما في معاملة التجار؛ إذ عرف عنه البعد عن المحاباة والمجاملة. واستمر الدكتور أحمد السيد في الوزارة تلبية لرغبات الآخرين. والجدير بالذكر أنه حدثت بعض التجاوزات بالرغم من نقاء وأمانة الدكتور أحمد السيد. ولم تكن لتحدث تلك الشبهات إذا استلم الأستاذ بدوي مصطفى الوزارة. واستغل تلك الحادثة أعداء الحزب الاتحادي، الذي كان بلا منازع الحزب الوحيد الذي لم يسع إلى السلطة إلا عن طريق الديمقراطية.

الاستاذ بدوي مصطفى هو المؤسس الأول للجامعة الاسلامية. ولقد وجد في شأنها معارضة شرسة في داخل البرلمان وفي الشارع السوداني على حد سواء. لكنه دافع عن ايمانه وأهدافه بشراسة، فكانت الجامعة الاسلامية، التي هي الآن بقرة حلوب لبعض أهل الانقاذ، ولا يذكرون الرجل وفضله في هذا الشأن، فليس هنالك حتى قاعة باسمه.

الأستاذ بدوي مصطفى هو أول من نادى بإنشاء صندوق للزكاة. أُنشأ الصندوق ونما في أيام الرئيس الراحل جعفر نميري، وصار – للأسف – إحدى وسائل الثراء الحرام للبعض في الآونة الاخيرة. والمؤلم حقا أن هذه الحقيقة يجهلها غالبية من يجلسون الآن في تلك المكاتب الفاخرة وتحت لفحات التكييف. كان منزل الدكتور بدوي مصطفى في حي الملازمين يمتلئ عن بكرة أبيه في الصباح بالمساكين والمحتاجين، وكان يأخذ بعضهم بسيارته الخاصة إلى صندوق الزكاة.

مما يعتبر صدقة جارية للأستاذ بدوي مصطفى هو أنه ساوى بين مرتبات مدرسيّ اللغة العربية و مدرسيّ الدين، ومرتبات بقية المدرسين؛ فليس من المعقول أن من يدرّس لغة البلد يتقاضى مرتبا متدنيا في نفس المدرسة. وكان هو خلف القرار الذي ربط الالتحاق بالجامعة بالنجاح في مادة التربية الاسلامية. ونحن لم نوافق وقتذاك على تلك الخطوة، بيد أننا احترمنا رأي الرجل. ونستغرب: لماذا تجاهله من نصبوا أنفسهم حماة الإيمان والشريعة، ولماذا نفر منهم الأستاذ بدوي مصطفى، وجمد تجارته، وكان يقول أنه لن يتعامل بالرشوة والمحسوبية والربا الذي صار يغلف بكل التبريرات.

مصنع “شيفلنقا” خارج مدينة لُند الجامعية في السويد، كان يستورد الجلود السودانية لعشرات السنين. وارادوا أن ينشئوا مصنعا حديثا في السودان. وكان من المفروض ان يكون شريكهم الاستاذ بدوي مصطفى وكان ميلر احد ملاك المصنع يحل ضيفا علي الاستاذ في السودان، ولقد عرفوه لعشرات السنين ووثقوا به. لكن العقبة الوحيدة هي أنهم كانوا سيأتون برأس المال من البنوك السويدية، والاستاذ بدوي مصطفى كان من المفروض أن يتكفل بالبناء والعمالة المحلية. وعندما ذكرت قضية عمولة البنك الربوية في السويد، رفض الشراكة بالرغم من كل المبررات والتفسيرات، وكان يقول دائما لأقرب الاقربين اليه “تذكروا يوم القيامة والنار”.

اذكر انني ذهبت مع رفيق الدرب ابو بكر بدوي مصطفى لزيارة ميلر السويدي في منزله في السويد. وتطرق لأمانه ونقاء الاستاذ. وذكر التزامه بدينه، وعدم مقدرته على المساومة، مما أفشل الشراكة التي كانت ستجعله من اكبر الاثرياء.

الاستاذ بدوي مصطفى كان واسع الأفق، سهلا بسيطا، تحسبه في منزله الفاخر ضيفا. والمنزل عادة ملئ بأهله وضيوفه الكثيرين. كان أبناء تمام اليهود، البير ولڤي، يتعاملون معه كوالدهم. وكان شريكا لآل تمام الامدرمانيين في الشركة الكيمائية السودانية. وكانوا ينتجون عدة اشياء، منها الدواء. وآلت ملكية الشركة فيما بعد للدكتور خليل عثمان، الرحمة للجميع .

ربطت بين الاستاذ بدوي مصطفى والكثيرين صداقة حقيقية، منهم رئيس الجمهورية السوداني، الزعيم الأزهري وغير المسلمين منهم قاوون السوداني الذي انتقل الي إسرائيل. ولقد كتبت عن زواج ابنه، الذي اقامه في فندق الملك داؤود في تل ابيب، وكان يشبه زواج الحردلو الشكري الذي سارت بذكرة الركبان في السودان، لأنه ضم كل رؤساء القبائل. الاستاذ بدوي مصطفى كان يزور صديقه قاوون في سويسرا، عندما يأتي لتجارة أو للمعارض العالمية المقامة لتجارة الجلود. وأذكر ان الأخ الطاهر البساطي، الرجل البسيط الامدرماني، قد رافقه الي فرانكفورت في السبعينات وكانت بين الاثنين علاقة جميلة بالرغم من فارق السن. ولم يفتقد روح الدعابة. ويجيد التعليقات التي تلصق بذهن المستمع، بالرغم عن عدم ميله الي الاكثار في الكلام. هكذا كان العم بدوي مصطفى يتحدث الينا ويناقش أفكارنا ونحن في العشرينات وكأننا رجال كبار. وكان يناقش ولا يفرض آرائه على أبنائه وبناته كأغلب السودانيين وقتها. وكان يترك لبناته مطلق الحرية في الزواج بمن يقبلونه، وحتى عندما أراد شقيقه الشيخ مصطفي أن يشاوره في زواج ابنته من ابن الشيخ مصطفى ، قال له “أن البنت هي ابنته، وعليه مشاورتها لأن الامر يخصها”.

إحدى كريمات الاستاذ بدوي مصطفى متزوجة بابن عمتها الدكتور بخاري الجعلي، المدعي العام السابق، ورجل القانون المعروف. وأصغر بناته متزوجة بالسيد الهولندي مارتن هاس. وكان حفل زواجها رائعا. اقيم الحفل في الساحة الكبيرة أمام المنزل. وكان المأذون هو الصادق المهدي. واتي أهل العريس من هولندا. وكان العرس حديث الناس. والعروس كانت احدى التوأمين، سعدية وعيشة. والاسمان تيمنا بجدتيهما، وحكم الجوار جعل الاستاذ بدوي مصطفى يكلف الصادق المهدي بعقد قران كريمته.

عندما وافق العالم الدكتور الريح العيدروس علي زواج ابنته عازة بالأستاذ بدوي مصطفى كان يعرف حق المعرفة، وهو الرجل العالم وأول سوداني تحصل علي شهادة الدكتوراه في الفلك، أنه قد اختار رجلا فريدا لابنته. فبالرغم من ولادتها احد عشر طفلا، كانت الاستاذة عازة الريح العيدروس ترافق زوجها في رحلاته إلى أوربا ودول الجوار. واصلت دراستها وتحصلت علي شهادات عليا من جامعة الأحفاد. أصدرت كتابين رائعين، أحدهما “امدرمان عبر الحقب والقرون”. ولقد كتبت من قبل انني لا افهم كيف حصل كتابي “حكاوي امدرمان” على شعبية واسعة، ولم يحظ ذلك الكتاب الهادف والشيق بشعبية عظيمة؟ والكتاب الآخر هو”رواد وامجاد” وتطرقت فيه لسيرة زوجها الراحل، كما ساعدت في اعادة سير مدرسة الفلاح التي اسسها والدها.

طيب الله ثرى الاستاذ بدوي مصطفى، لقد قدم الكثير لوطنه. عاش ملتزما بدينه، ولم يساوم في القيم السمحة. ترك خمسة عشر من الذرية. احسن تربيتهم وأهلهم لأن يكونوا سودانيين رائعين. لم يكسب اعداء ولم يترك مرارات خلفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق