ثقافة وفن

أبنوسة ونخلة

ود حبوبة فائح السيرة  (3)

أسامة الطيب

جاءوا به مقيداً في سوق القرية، تتداخل أصوات سيارات الإنجليز وصهيل الخيول والعيون الذاهلة، امتلأت القرية بلباس العسكريين، واحتشد غيمٌ غريب في ساحة السوق، يكسر دهشة الشمس المترامية على الجباه حبات عرقٍ مخنوقة، كسرت النساء طوق عزلتها وجاءت للساحة لا تلبس أبيض  الحداد ولكنها تتزين ليوم عرس جديد، خطا نحوه عبد القادر بثبات المريدين وأحوال السادة، لم يستطع المفتش الإنجليزي وجنوده إسكات ثورة الناس، لا أبواق سياراته الغريبة ولا صليل السلاح وقعقعته، لاشيء يسكت صخب النفوس المغبونة . افردوا الساحة لمقصلة جديدة على الثقافة والوجود، وجديدة على جموع لا تعرف غير ابتسامٍ للحياة على صعوبتها  القاتلة، ولكن ودحبوبه لا ينشد إلا الجديد، كانت تحلِّق فوق رأسه تماماً ثلاث حمامات بيضاء – يقولون إنها كانت تسكن قبره بعد ذلك – أوقفوه على خشبة الموت، تحدى تصميمهم على عصب عينيه كان يريد أن يرى حياته وهو تتوزع على العيون الذاهلة فتمنحها ثباتاً جديداً، وحينما أحدث صوتها القاتل فعل الموت في عنقه كبَّر الرجال ( لم تكن قد تغيرت دلالات التكبير بعد )  وزغردت النساء وحلقت الحمامات الثلاث حد الاختفاء وتفرق الغيم الغريب.

كان الصبح شاحباً، إلا من بعض خيوط ملونة تطوِّف على الوجوه فتغسل الخوف بالثقة، وتبدل الحال بأحوال أخر، وعبد القادر إمام ود حبوبه الذي لم يستطع أن يغمض عن حربته أو يغمدها، يرقد الآن على سريره الخشبي القصير مغمض العينين، إغماض الموت الذي أحياه، ومفتوح الوجه على عالم آخر، تزين وجهه ابتسامة نادرة ، على جانبيه جرائد من النخل، ما بالها تبدو أكثر خضرة في يومها وكأنها لم تزل على نخلتها؟ هل اتقدت فيها الحياة لملازمتها ود حبوبه الذي يبدو وسط خلوته ، والناس من حوله يتباكون ، في أبهى حالاته ، أوشك أن يعيد على جموع المشيعين ما قاله لمفتش الإنجليز (أرضي ، أرضي و وطني ، وطني وأنتم خائنوه ولذا تبدون في لباسكم الفخم وخيولكم المترفه أوهى من دود الأرض، وبيني وبينكم فقط ، هذه الحربة) وكان يهز حربته في وجوههم الخائفة المتدثرة برداء البنادق، كاد يعيدها على الجموع، حتى ليحفظها النخل، وكانت أوراق الأشجار تضاعف الظلَّ عليه، وهو مسجى في أحبِّ بقعةٍ إليه، خلوته، ينظر إليها من تحت إغماضته، يدندن بالراتب وأبيات خليل فرح..

” وقفاً عليك وإن نأيت فؤادي سيان قربي في الهوى وبعادي

يا دار عاتكتي ومهد صبابتي  ومثار أهوائي وأصل رشادي”

الطير ذلك اليوم أفرغ السماء من وضوحها، وكوّن غيماً من الأجنحة، كان يعرف أن الحَبَّ الذي أسكت أعشاشه على شجر الخلوة الأخضر لن ينقطع، ولكن ليدي عبد القادر وهو يرمي به معانٍ لم تشهدها المواسم ، كان الطير لا يفهم (وما رميت إذ رميت) لكنه عاش شروحها ،  والطريق المغسولة بالخطى العابدة، والراتب النظيف – لم تكن فيها منصات الخطابة والبروتوكول الثقيل والبدلات المهترئة على جدتها– لكنها تنضح ببياض الجلابيب والسماء وطير البقر والقلوب التي عميت عن الانشقاق مدفوع الثمن، كان الجسد المسجى على السرير القصير يبادل الروح المحلقة ابتسامات الرضا.

أنزلوه من مشنقته بعد ذهاب المفتش وخيوله ذات الصهيل البارد، يتوكأ أو يكاد على يديه الحافظات لحبات المسبحة ، ينام على سريرٍ يحفظ أركانه، وتستبد بحباله شهقات رحيلٍ لعالمٍ جديد ، ومشى نحوه الزمن ، مشت تواريخ إمامه ، والحربة ، نوافذ الخلوة المغسولة بأصوات الحيران – طلبة القرآن – وأقبلت مقابر الحلاويين نحوه تتجدد بموته الناصع.

والنيل، يلتفت فجأةً لموجه الذي ذهب في الصمت، حتى لكأن الماء قطعةٌ من زجاج لم يستطع النسيم أن يصفق على وجهها، وأسدلت قناديل الذرة الشامية شعورها فالموقف أكثر جدة من كل دهشتها.

” وأنت … أليس عندك يا صديق (الكون) إلا هذه الرقدة

وكنت النسر حلق تحت وقد الشمسِ

سار إلى مسيل الضوء وابتردا

وجاب الأرض ما رقدا؟)

وهكذا ، ندخل التاريخ بسؤالٍ ،  ونخرج عنه بسؤال ، وتبقى الإجابة رهينة دفتي كتابه الذي تمليه المواقف والتحولات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق