بدويات

“الجزر الخالدات” … أندلس مفقود أم كنز منسيّ …؟!

جزر الكناري في قلب الأطلسيّ وألف حكاية وحكاية

د. محمد بدوي مصطفى

الجزر الخالدات:

إن جزر الكناري أو كما يطلق عليها عبر عدّة تسميات من بينها الجزر الخالدات أو الجزائر الخالدات، جزائر السعادة، جزائر السعادات، هي أرخبيل جزر تابعة لمملكة إسبانيا وتقع في قلب المحيط الأطلسي مشرئبة صوب الشاطئ الغربي للقارة السمراء حيث الصحراء المغربية ومدينة العيون الحالمة. تنطوي هذه الجزر تحت لواء إسبانيا وضمن سبعة عشر منطقة حكم ذاتي فيها وتنقسم المنطقة الواقعة عليها إلى مقاطعتين هما لاس بالماس وسانتا كروث دي تينيريفه. تتشكل جزر الكناري الخالدات من الجُزُر التالية (مرتبة حسب الحجم) تينيريفه، فويرتيفنتورا وكناريا الكبرى لانزاروت ولا بالما وكوماراو والهير ولا غراثيوسا. هناك رواية تقول بأن الاسم قد اشتُق الوحدة  السيميائية اللاتينية Canariae Insulae  والذي يعني “جزر الكلاب” وأطلق هذا الاسم على أكبر الجزر “غران كناريا / كناريا الكبرى” ووفقاً للمؤرخ بلينيوس الأكبر أن الملك يوبا الثاني ملك موريطنية قد أطلق على  هذه الجزيرة اسم كناريا، على حد قوله، بسبب تواجد أعدادا عظيمة من الكلاب ذات الأحجام الكبيرة. بيد أنه هناك ثمّة تكهّنات متباينة ومختلفة مفادها أن ما سمّي بالكلاب في هذا المصطلح كان في الواقع نوع “كلب البحر” حيث أن الاسم اللاتيني لكلب البحر هو canis marinus وكانت كلاب البحر وقتذاك – حسب الرواية – مهددة بالخطر ولم يعد لها أدنى أثر في جزر الكناري؛ ومن ثمّة نجد رواية بديلة تحكي أن السكان الأصليين للجزيرة وهم من ال “غوانش” ذوي الأصول الأمازيغيّة، قد قدّسوا الكلاب وحنّطوها وعاملوها كحيواناتٍ مؤلهة. والشئ المؤكد في هذا الصدد على أيّة حال هو أن اسم هذه الجُزر لم يُشتق، حسب الاعتقاد الشعبيّ، من اسم طائر الكنار؛ بل العكس وهو أن الطائر سمي على اسم الجزر. والموضوع يحتاج في رأيي لبحث أعمق من قبل علماء اللسانيات والتاريخ.

جزيرة قران كناريا … فاكهة على فنن الجنان الأمازيغيّ:

لقد شددت الرّحال إلى جزر السعادة يا سادتي قادمًا من ألمانيا عبر مدينة زيورخ بسويسرا، حيث أقلتني الطائرة إليها طيّ الإجازة وعلى بساط ريح الهروب من السيدة كورونا فانتهزت سانحة السفر لا ألوي على شيء إلى وأن تطأ قدامي أرض هذه البقعة التي هي ودون أدنى شك من أروع بقاع العالم على الإطلاق. يا لحظ إسبانيا بما تتضمنه من بهاء لاحتوائها لهذه المجموعة من جزر الخلود والسعادة الرائعة. تعتبر قران كناريا ثالث أكبر جزيرة بها، وتنبسط على أديمها الكثبان الرملية الآتية عبر ريح يسمّى “كلمة أو بالإسبانيّة لا كليما” وكما نجد بها من التلال والجروف المذهلة التي تمتد إلى ما لا نهاية ، فضلا عن الشواطئ الرائعة، يا إلهي، فساحرة الكناري، غانية السفاري، باهرة النهارِ وسلطانة الحواري، بركانية في تكوينها، تارة زمرديّة في سحنتها، وتارة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين ومن ثمّة خضراء سندسية مستبرقة، أو يابسة وحتى في بعض المناطق سندسية، ذلك على حد سواء، إذ تتدرج بدلالاها تمشى الهوينى كما يمشي الوحي الوجل من شمال مخضر إلى جنوب يابس وماتع بتلاله وجروفه الحمراء المحفوفة ببعض من مزيج انصهار البراكين، وكأن صانع الحليّ قد امتدت يداه إلى أعناقها لتجعل من تلالها عقدًا فريدًا، وها هي ذا ماثلة بسحر أديهما اللؤلؤيّ مزملة برونق محيطها المائيّ الجبار وممزوجة هنا وهناك بألوان القزح وسمرّة أفريقيا الممتدة إلى الأعماق تناجي العيون وأصالة أهل المغرب بالجهة المقابلة. إن سفن البحار كرستوفر كولمبس قد أحطت بها لتتزود بالعتاد ومنذ ذلك الحين فهي ورغم قربها  فهي بعيدة قريبة، من الشاطئ الأفريقيّ الغربيّ، مقابلة بجمالها وسحر عينيها المغرب وصحرائه البهيّة، مناجية إيّاه، ومنادية أمّها إفريقيا في تؤدة وابتهال وبعد طول انفصال ونأي لتقول: أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا، ولادة هي في الاستكفاء والتهجد إلى الأصل ونحن وأفريقيا ننتظر يوم الوعد وساعة اللقاء.

حديثي مع صديقي الصحفيّ ابن المغرب:

تحدثت إلى صديقي الصحفيّ والأديب الجميل عبد الحيّ كريط قائلا له، أراني الآن بجزر الكناري ولم استحضر في تلك اللحظة الاسم العربيّ لها (الجزر الخالدات)، قلت له أنني أقرأ الآن رواية رائعة للكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة (ابن الخطيب في روضة طه).  فأجابني بعد أن تجاذبنا أطراف الحديث عنها قائلا: سوف أرسل لك مقالا عن شاعر معروف، من أب لبنانيّ وأمّ كناريّة، (مسترسلا) رغم أنني لي تحفظ تجاهه، لأنه لم يشر إلى ارتباط الجزر بالثقافة الأمازيغية المغربية والذي أعرفه أنه حتى أسماء العديد من مدن جزر الخالدات هي أسماء امازيغية صرفة وحورت باللسان الإيبيريّ الذي مزج بين اللسانين وهذا لا يعني أنه لا يوجد تأثير عربي أو أمازيغيّ بالجزر، لكن كان على الشاعر  أن يزور بلاد المغرب حيث أنه لا يبعد سوى كيلومترات قليلة عن الجزر الواقعة جنوب أقصاه؛ لأن جزر الكناري لسانها وثقافتها  أمازيغية ووجدانها عربي إسلامي وهواها إسباني أندلسي  أنها مثل أغنية las morillas de Jaén  فتيات جيان المسلمات المعروفة أيضا بأغنية عائشة فاطمة مريم وهي من التراث الأندلسي الإيبيريّ والشاعر والكاتب المسرحي الإسباني الراحل فيدريكو لوركا استلهم هذه الأغنية ووظفها في أعماله الأدبية، من أشهرها عرس الدم Bodas de sangre وكنت قد كتبت مقالا تحليليا حول هذه الرواية من زاوية تاريخية وآنية منذ مدة.

وهاكم يا سادتي اقتباس من مقال صديقي الصحفي عبد الحي كريط المنشور ب كاب24 تيفي في يوم ١٠ ديسمبر ٢٠١٩: (لقد قتلوا فدريكو في الساعة التي يطل فيها الضوء. ولم تكن مفرزة الجلادين لتجرؤ على مواجهته. فأغمضوا اعينهم وصلّوا قائلين: ان الرب نفسه لن ينقذك. وسقط فدريكو مجندلاً على جبينه الدم والرصاص في أحشائه. ووقعت في غرناطة جريمة هل تدرون؟ مسكينة هي غرناطة… غرناطته؟» *أنطونيو ماتشادو. هكذا عبر الشاعر والكاتب الإسباني ماتشادو عن حزنه الشديد لفراق صديقه ورثاءه ل فديريكو غارثيا لوركا جراء اغتياله على يد قوات الجنرال فرانكو في حقبة الحرب الأهلية بإسبانيا، وقد كان لوركا من أشد المطلوبين على لائحة قوائم  دعم الجمهوريين، بتوجيه من رامون ألونسو المعروف بقسوته وجهله وحقده على كل مثقف مستقل حيث كان يتربص بلوركا تربص الدوائر وهذا ما حصل فعلا حيث انه في صيف 1936 رجع لوركا إلى مسقط رأسه في غرناطة وبعدها بأيام قليلة اندلعت الحرب الأهلية في إسبانيا واستولى الجنرال فرانكو على الحكم ووصلت أصداء ذلك إلى غرناطة فاعتقلته ميليشيا تابعة للجنرال فرانكو، وسيق لوركا بعد ذلك إلى السجن وبعد أيام عصيبة قضاها في محبسه أفرج عن لوركا بمبرر تمكينه من زيارة قريب له وفي الطريق أخرج من السيارة وعدم رميا بالرصاص بتهمة كونه يساريا مناصرا للجمهوريين وهكذا انتهت حياته وماتزال الظروف المحيطة بوفاته لغزا غامضا حتى الآن حتى أن قبره غير معروف، ومن سخرية القدر أنه تنبأ بوفاته من خلال رائعته المسرحية  عرس الدم Bodas de sangre موضوع مقالنا ، حيث أن الموضوع الرئيسي والأساسي لهذه المسرحية هي القدر الذي يرسم خيوطه في كل الاتجاهات وفي لحظة فارقة لحياة لوركا كانت أشبه بهجمة للقدر وكأنها نبوءة من لوركا بنهايته المحتومة، رفعت الأقلام وجفت الصحف.)

لسان الدين بن الخطيب في روضة طه:

تسرد هذه التحفة الروائية سيرةَ نيّرة وتاريخ خالد ومجد تليد للسان الدين ابن الخطيب، شهيدِ الحب والمحبّةِ وصريعِ الروح والجسد الذي يُعتبر مع صديقه ابن خلدون أعظمَ عالمين أنجبهما القرن الثامن الهجريّ (الرابع عشر الميلاديّ) في الغرب الإسلامي. وقد كان لابن الخطيب أجمل الفضل في إبعاد خطر حملات الهجوم والهجوم المعاكس والاسترداد المضطرد من قبل القشتاليين والممالك النصرانيّة آنذاك، ولقد بلغ ثريا العلوم والأدب والسياسة في تلك البقاع إذ ملأ قصر الحمراء بعلمه وأشعاره وأخباره الخالدة وما كان من أعدائه إلا أن تكالبوا عليه وكان في مقدّمتهم أولئك الذين أحسن إليهم على شاكلة تلميذه الخائن المخوّن ابن زمرك وبعض من قارنه، فأفسدوا ما بينه وبين سلطان مملكة غرناطة وساموا في حقّه فسادا ولم يخشوا في حقّه لومة لائم. وعندما رأى بأمّ عينه تَغَيُّرَ الأحوال، اضطرَّ إلى النفاد بروحه وروح اسرته إلى المغرب حيث وجد الأمن والأمان، وألقى عصاه بمدينة سلا البديعة حاضرة الصوفيّة والتهجد وقرينة الرباط، بيد أنّ أعداءه اتحدوا عليه ووجّهوا له زورًا عدّة تُهَما جائرة وإفكا عظيما، لا سيما تهمة الزندقة والفسق وضمنا اتهموا ما سطره يراعه النيّر بالكفر، فَحاكموه وأذلُّوه، وغبن وسُجِنَ، وأهين شرّ مهانة، ذلك على مسمع ومرأى من العالمين دون أن يروا عمله وما خلدته أحباره من أعمال وأقوال وأفعال. رحمه الله رحمة واسعة وجعل قبره روضة من رياض الجنّة.  

أندلس أم أندلسات مفقودة؟

واصلت في نقاشي مع صديقي الأديب عبد الحي كريط وأخبرته أنني عندما أحوم بأحياء هذه الجزيرة وأرى أهلها وعمارتها استذكر الأندلس المفقود وأهله وقسماته وكما سلفت ذكره أن قراءتي الأخيرة لرواية ابن الخطيب في روضة طه والتي سطرها يراع المبدع عبد الإله بن طرفة كانت بالنسبة لي رسالة قمّة في الأدب الرفيع ومرافعة من العيار الثقيل تتضمن في فحواها الرجوع إلى الموروث الأندلسيّ ذاك الذي فقدته الأمّة العربية ومن ثمّة أن نستخلص في هذا العصر وبكل تؤدة وحكمة مدى عمق المشاركة العربية أو لنقل الشرقيّة في المنظومة العالمية والإنسانيّة على الإطلاق ذلك في تطور العلوم والنهوض برواسي عصر النهضة الأوروبيّ، لقد بثّها بن طرفة عبر رسالة شيّقة ماتعة تحمل سيرة وحياة العلامة ابن الخطيب، وقد بلغ بها قمّة اليراع وقلب المتاع إذ بلورت لنا وبوضوح وبلاغة خارقة للعادة جمال اللسان العربيّ وقوة المعاني فيه فضلا عن غزارة مفرداته وتباينه درره، بشكلها الدقيق الصائب في ضبط المقاصد وبلوغ الغايات؛ حقيقة يا سادتي لقد جعلتني هذه الرواية أقف وأتعرف عن كثبٍ على شخصية تاريخية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، فقد أجاد بن طرفة وصفها بأجمل الأوصاف وأدق الأعراف معبّرًا عن ذلك حينما قال: (بأنه أمير البيان ولسان العربية الناطق بلا منازع فهر وزير نافذ الكلمة، وطبيب، ومؤرخ، وشاهد عيان وسايسي محنّك وفيلسوف بصير وصوفي عاشق).  وأجد بين هذا وذاك رسالة ضمنيّة أخرى وهي يا سادتي شديدة الأهميّة وقد جعلتني أساءل نفسي بكل صدق، وأنا أسوح وأحوم هائما غائما بين الأدب والصحافة والسياسية، أن الأدب والسياسة إذا ما اجتمعا عند أحد منّا، فإن أحدهما قادر أن يمحي الآخر دون أدنى شكّ، فهما في تكوينيهما دون أدنى شكّ نقيضان، أحدهما فاصح وصريح والآخر غامض وملتوي، فإذا ما اشتد جأش أحدهما قضى على الآخر وأهلكه دون رجعة ولله في علومه شؤون. 

لقد أعجبتني كلمات بن طرفة التي نثرها طيّ أحداث الرواية وعندما آلت هذه الأخيرة إلى نهاياتها وكيف قصّ علينا حياة هذا الرجل المقدام، والعالم الهمام وکيف جارت به الأيام والأحداث وطفقت حاشيته التي كان هو سندها الوحيد أن تنصب له الأشراك وتكيد له المكائد، حتى قبع أشعثًا أغبرًا بغياهب السجن في وحدة ووحشة إلا من إيمان راسخ بخالقه وبعمله الذي كشف له حجاب المعرفة حتى بلغ نور الزيتونة الربانيّة. تراءت له ساعتئذ أهوال يوم الحشر وساعة الصفر حيث صور لنا هذه المشهد الرباني بأروع وصف وأبجل تمثيل وكأنه عاش لحظاته تلك بحق وحقيقة. بلغ في تلك الأوصاف يراع قلّ إن نجده في هذا الزمن وكم نروم بأن نعود إلى كل جملة فيها لنرى سحرها الأخاذ وبلاغتها المتناهية. على كل فإن رؤيتي لبعض الوجوه من بين أهالي الجزر الخالدات أوحت لي بالقرب العميق إلى المغرب العربي الذي هو قاب قوسين أو أدنى منها وهاهي ذا الصحراء الغربية تبعث رسائلها لهذه الجزر الخالدات على شكل رمال أفريقيّة تذكر أهل الجزيرة بجذورهم الشرقيّة الأمازيغيّة المغربيّة وتحطّ تلك الرمال على الساحل الشرقي من جزيرة الكناري الكبيرة (قراند كناري) وتظل شاهدًا كما قسمات أولئك الرجال والنسوة والأطيفال الذي تتضمنهم أن أصولهم من هناك، جاؤوا إلى الجزيرة من قلب إفريقيا النابض، حاملين حضارتهم ولغتهم وآمالهم إليها لكن ماذا حدث؟ هل قضى الإسبان على أغلبيتهم كما قضوا على كل الشعوب الأخرى بأمريكا اللاتينية أم كما فعلت الحروب والغارات التي أشعلوها على الموريسك والعرب عند نهاية دولة الأندلس. هذه الأحداث المريرة تذكرني برواية رضوى عاشور ثلاثيّة غرناطة وسوف أقتبس لكم مما كتبته حينذاك وتذكرني أيضا بقصيدة رئيس وزراء السودان السابق محمد أحمد المحجوب: الأندلس المفقود.

نزلتُ شَطكِ، بعدَ البينِ ولهانا‎

فذقتُ فيكِ من التبريحِ‎ ‎ألوانا‎

وسِرتُ فيكِ، غريباً ضلَّ سامرُهُ‎

داراً وشوْقاً وأحباباً وإخوانا‎

فلا اللسانُ لسانُ العُرْب نَعْرِفُهُ‎

ولا الزمانُ كما كنّا وما كانا

ولا الخمائلُ تُشْجينا بلابِلُها‎‎

ولا النخيلُ، سقاهُ الطَّلُّ، يلقانا

ولا المساجدُ يسعى في مآذِنِها‎‎

مع العشيّاتِ صوتُ اللهِ رَيّانا

كم فارسٍ فيكِ أوْفى المجدَ شرعتَهُ‎‎

وأوردَ الخيلَ ودياناً‎ ‎وشطآنا‎

وشاد للعُرْبِ أمجاداً مؤثّلةً‎‎

دانتْ لسطوتِهِ الدنيا وما دَانا‎

وهَلْهلَ الشعرَ، زفزافاً مقَاطِعُهُ‎‎

وفجّرَ الروضَ أطيافاً وألحانا‎

يسعى إلى اللهِ في محرابِهِ وَرِعاً‎‎

وللجمالِ يَمدُّ الروحَ قُربانا

لمَ يَبقَ منكِ: سوى ذكرى تُؤرّقُنا‎‎

وغيرُ دارِ هوىً أصْغتْ لنجوانا

رضوى والمحجوب وأندلس الجزر الخالدات:

هل نستحضر في دواخلنا كلمة الأندلس وذكرى أناس أبلوا فيه جنباته بلاءً حسنا، هل نعود لتاريخ هذه الجزر الخالدات وإذا ما حدثت بها تلك المرارات التي وقعت على رؤوس العرب بالأندلس؟! لقد رثى محمد أحمد المحجوب كما رضوى عاشور رحمهما الله رحمة واسعة تلك المآقي والتنائي والتضاحي والتفاني والفقدان. ذكروا أمجادا لا تزال شاهدة على حقبة ذهبية من أهم حقب التاريخ الانسانيّ على الإطلاق. فيما يتعلق بالمحجوب فيذكر بعض الناس أنه حينما مرّت الطائرة بجنوب إسبانيا وهو في الطريق إلى بريطانيا، أنه بكى واستحضر هذا التاريخ المرير الذي دونته رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة ببراعة ودقة منقطعة النظير. فالشاعر والكاتبة يلتقيان في نقطة الألم وبؤرة الأسى فيما فُقد من إرث لا يعود، بل صورت رضوى عاشور مآلات هذا الانهزام ومآسي أهل الأندلس من العرب في جلّ مدنها (غرناطة، أشبيلية، سرقسطا، بلنسيا). وقصيدة المحجوب عددت المآثر الأندلسية الضائعة وبكى عليها هو بدمع غزير وأبكى الآخرين. لكن المحجوب كما رضوى عاشور انطلقا ليشحنا النفوس ويرفعا الهمم ويحثا على التأهب لاسترداد ما راح هباء منثورا وكم نحن في حاجة ماسة لهذه القوافي في زمن وصلت بلداننا فيه لأسفل سافلين. سطرت رضوى عاشور عن قضايا الاهتمام بالعلم وبالكتاب وأبدع المحجوب في استحضار ولادة بنت المستكفي وابن زيدون وهما يرتعان في حدائق الحمراء الغراء.

تقص علينا رضوى عاشور تاريخ مملكة غرناطة بعد أن سقطت في يد جيوش القشتاليين في عام ١٤٩١م وتنطلق منها لتسرد مآلات الممالك الأخرى التي تصدعت وسقطت بعد أن كانت متماسكة تحت الحكم الأموي في إشراقته الأولى، فصارت ممالك عدّة، تناحرت فيما بينها والتهت بالجاه والثراء والمجون والجواري فاسرفوا في ذلك حتى جاء أمر الله وقدره بنهاية المطاف. تسرد لنا كيف انمحت قرناطة عروس الأندلس من صفحات التاريخ العربي عند إعلان المعاهدة التي تنازل على ضوئها الأمير أبو عبد الله محمد الصغير، آخر ملوكها لملكيّ قشتالة وأراغون. رغم الوعود التي حددتها المعاهدة – كما تسرد الرواية – فلم تصان كرامة المسلمين (أو الموريسك – العرب)، فبدأت حمالات التفتيش على كل من ينتمي للعرب أو يشبههم، فحرّم الكلام بلسان القرآن وأحرقت الكتب العربية وأجبرت الغالبية في الدخول إلى المسيحية ونفي يوم الجمعة كيوم مقدس عند العرب، وحُرم دفن الموتى على الطريقة الإسلامية ومنعت الاجتماعات ومجالس العلم التي تفقه الناس في لغتهم ودينهم وحتى الأفراح العربية والحناء والطهور. من أغرب الأشياء التي ذكرتها عاشور في الرواية، حتى المعلمين في المدارس كانوا يتصافقون على الأسر وينزعون سراويل الطلاب ليروا ما تحتها هل مطهر أم لا! وبدت آنذاك رحلات السفر القسري إلى المغرب العربي – المغرب، تونس والجزائر. لقد استمرت فترة التفتيش عشرات السنين وتناقل مسلمو الأندلس الخبر اليقين من قرية إلى قرية ومن واد إلى آخر، وما كان من بعضهم إلا أن ينزلوا عن رغبة القشتاليين ويرحلوا إلى بلاد المغرب العربي. فبيع العرب كالعبيد وصارت املاكهم تحت رحمة الملك، فمن له دار أو مزرعة إما اقتلعت منه أو صار عبدا يحرث ويزرع للأمراء والملك. وكل ما تصنعه أياد العرب، يذهب أغلبه للملك والأمراء: المحصول الزراعي، الماشية، الدواجن، وحتى الغزل الذي يقمن به النساء صاروا تتقاسمونه مع الحكام القشتاليين. من الروايات النادرة التي يفرض البطل (المكان) فيه نفسه. صاغتها ريشة رضوى عاشور بسلاسة وتفرد وكان دقيقة كل الدقة في انتقاء المادة المعجمية. فالتعابير يعجبك غزلها والكلمات يحتويك نغمها ووقعها وكأنها سلاسل نظمت لتكون عقد فريد أو مسبحة من ثلاثة أجزاء. يدهشك الكم الهائل من الكلمات التي لم نعد نتداولها لا في الأدب ولا في الصحافة وذاك لعمري كنز معجميّ ثمين. يتعلم القارئ من الرواية كيف نسميّ الأشياء فخرجت من عمومية المسميات إلى لغة الأغراض الخاصة والدلالات.

حقيقة ربما تنتاب المرء منّا عند قراءة الرواية حالة نفسية حادة هي أقرب إلى الاكتئاب منها إلى الحزن لما تحمله في طياتها من كم هائل من مواجع ومآسي. تتعاقب على الرواية على الأقل أربعة أجيال من سكان الأندلس. منهم من عاش الحقبة الذهبية ومنهم من لحق أواخرها والغالبية لم تنل حظا وافرا من هذا النعيم الذي غمر تلك المنطقة إذذاك. لم يصبني أيّ من القلق أو الفتور الحسيّ ولا حتى في الجزء الأخير (الرحيل) الذي تتالت أحداثه بسرعة مدهشة وإن أخذت على الكاتبة في هذه الرواية شيئا فإني آخذ عليها تعجلها في تكديس الأحداث والتنقل بينها بهذه السرعة في حقبة الرحيل. لأنها أفقدت وقع الأحداث – الذي هو كوقع الموسيقى – نبضه الأول. ولكن هذا احساسي أنا بالتسلسل الزمني في الرواية. ولو تمهلت الكاتبة – رغم نجاح هذه الرواية – وتروّت نقل روح الأبطال مثل أبو جعفر مروراً بسليمة وسعد وحسن ونعيم ونهايةً بمريمة وحفيدها علي لكان الأمر آخرا. رغم ذلك ينبغي علينا أن نحترم احساسها الروائي في السرد لأنها هي التي أبدعته وأحسته هكذا ولولا اختلاف الآراء لبارت السلع.

خلاصة:

خلاصة القول إن عبد الإله بن عرفة وقصيدة المحجوب ورواية رضوى عاشور هي بدون شك من التحف العربية المعاصرة القليلة التي ينبغي أن نعتز بها إن وقعت على أيدينا ونفتخر بأننا قرأناها لأنها تذكرنا بإرث تاريخيّ هام وتدفعنا إلى أن نستذكر أندلس مفقود أو قل أندلسات أخرى مفقودة كما الجزر الخالدات كما جزيرتيّ سبتة ومليليه. وما كنت أحسب أن أهل الأندلس قد ارتبطوا بتلك الأماكن هذا الارتباط الوثيق. شيء مدهش حقًا أن نرى التاريخ أمام أعيننا ولا نحرك ساكن. حقيقة عند زيارتي للجزر الخالدات ظلّ قلبي يدمع ويبكي ويروي مستذكرًا قصة ولادة بن المستكفي وابن زيدون في رحاب حبّ لم يشأ له أن يحيا أو أن حتى أن يكون ثم تأججت نار الوجد بفؤادي والألم في نفسي ومن ثمّة طافت الذِّكر وسحب الماضي وحلقت بي كما تحلق بالكوارث أمواج السونامي طيّ طوفان الرحيل وبساط البكاء خلف القصور الدامعة مع هجعة شمس الغروب إلى مأواها الأخير، فقلت:

أضحى التنائي بعيدًا عن تدانينا

وناب عن طيب لقيانا تجافينا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق