سلايدرسياسة

السودان: لقد آن الأوان لكي تحط القافلة لرحالها! (١)

د. حسن حميدة – ألمانيا

يأتي هذا المقال الطويل “كلام كتير، يلزم قوله” مختلف عن نوع مقالاتي المعهودة، وربما خرج كثيرا عن طور المألوف من كتابات أو موضوعات سبق نشرها. لذا أرجو أن يتلقاه القارئ بصدر رحب، وأن يتقبله كل من وجه إليه بطول بال وشدة حال – من أجل وطن واحد. وإذا شاءت الأقدار بأن يتشظى هذا الوطن، الذي لم يزل يكافح من أجل طي صفحات الانقسامات والضياع، فعلينا أن نخم الرماد من بعدها، ونسأل المولى عز وجل من بعد لنا ولغيرنا حسن القبول. وفي الخاتمة، عندما تصل القافلة لنهاية الرحلة، بناهية بلد كان اسمه السودان، بمساحته الشاسعة وأهله الطيبين، وثرواته المتدفقة – عندما ترفع الأقلام، وتطوى الصحف، بإعلان تشظيه وتلاشيه – والسلام. هنا أستمحيكم عذرا قبل البدء في الركل، لتسديد الموجع منه، ولكل من يرى نفسه بأنه وصي على هذا البلد المسكين والقيام على بناءه في وقت ضائع. البلد الذي عودونا أبناءه الأوفياء، بالشروع في هدمه بأيديهم قبل أن يتم بناءه. عزائي الوحيد هنا، أن يكون ركلي هذا أخف وطأة من عواقب الانقسام والتشظي، وأن يكون مقالي هذا هو آخر الركلات في شباك كل ما يرى نفسه بأنه موصى “باكات وسيرباكات المسرح السياسي في البلاد” بمستقبل هذا البلد “، جمل الشيل الصابر على كل ثقيل. المعني هنا كل من يتولى زمامه أمره حاكما أو مسؤولا أو موظفا في مرفق سياسي أو اقتصادي أو عدلي حساس في الدولة. المعني هنا كل من سمى أو يسمى نفسه معارض، متمرد، مفاوض، ناشط، متعاون، مراقب، مستشار، صديق، داعم، مصلح، حكيم أو جزء لا يتجزأ من مؤسسات العون الداعم أو المجتمع المدني بكل صوره.

الخطر:

يأتي هذا المقال الذي لم يسهل علي أمر كتابته إطلاقا، في صورة، ربما لا ترضي الجميع في محتواه الطاعن. هذا لا يهمني، وما يهمني هو أن كل هذا الجهد “الذي ربما أعتبره البعض الآخر كلام خارم بارم”، كلام للتذكير بواقعنا المر، وقبل أن يتشظى ويتلاشى ما تبقى لنا من هذا البلد في حطام وركام، ويأخذ العالم الفاتحة عليه، وأهله يتململون بداخله، مشاكسين ومختلفين في أمورهم إلى آن يبعثون. نحن أنفسنا: إذا لم نكترث للخطر القادم علينا وعلى بلادنا، فليس هناك من يكترث لذلك. ومن بعدها سوف لن يكن هناك حاجز يفصلنا من أن نكون دولة فاشلة، ودولة مروجة للسلاح والإتجار بالبشر، من بين دول العالم الكبير. ها نحن الآن على أسلم الطرق المعبدة لذلك، بثرواتنا المحسودين عليها، وباختلافنا وتقاتلنا فيما بيننا، وبتسترنا على الظواهر البائسة التي تحصل في بلادنا وعند إشراق شمس كل صباح – الفقر والجوع والفساد وشراء وبيع الذمم على حساب المواطن المنتج، الذي كاد أن يكون عالة على نفسه ليتكفف الآخرين، أصدقاء وجيران. – كل هذا الإخفاق يأتي بسبب من يبعثون بأنفسهم، ويعبثون بنا وببلادنا من أبناء طالحين.

الأمانة:

هناك من نفوس التي تتدفق حقد وحنق تجاه هذا الوطن، وهناك من وجوه تشع بؤس وعبوس أمام مواطنه في كل يوم وليلة. الوجوه المضللة التي أتي بها فزع، لتصير وجع علينا وعلى بلادنا. ولا يمكن أن يخفي علينا كل مرة، أمر الناس المرتصين صفوف لوضع اليد اليمنى على مصحف أو إنجيل كريمين. أيدي يشبحونها تشبيحا، وينطقون بأصوات ممهمهة بذبذبة، تفصح عن تقوى لا توجد في أنفسهم. يحلفون برب عظيم، وكتاب كريم، بأن يكنوا لهذا الوطن الولاء كل الولاء، في غفوتهم ونومهم، وفي دأبهم وعملهم. لا أدري حقيقة ما بالصندوق المغلف. أهو كتاب كريم، أم هو صندوق توفير؟ ولا يفتأ أن يتبوأ هؤلاء المقام، وإلا شرعوا في فعل كل ما هو ممنوع ومحرم بتحليفهم. تجدهم غارقي الأيدي للكوعين في الرشوة والمحسوبية والغنى الفاحش واستنزاف موارد وخيرات البلاد من أراضي ومزارع وشركات وحسابات بنكية وعقارات في الخارج. كل هذا على حساب الإنسان الضعيف، الذي يزرع أو يربي ماشيته، ليأتي كل منها بأكله بعد حول.  ربما كان هو السبب المعذبنا “حلف الكتاب بالزور”. الشيء الذي يوضح بأننا شعب منحوس وملحوس بالحلف على كتب مقدسة ومهما طاب لنا المقام. الشيء الذي يبين لنا بأننا منكوبين في كل خطوة نحاول أن نمشيها. وكل خطوة أسست على الزور، تدخل علينا هنا بالساحق والماحق. لقد حان الوقت للنظر في موضوع التحليف، مع عدم حفظ العهود والولاء للوطن.

الانتقال:

ماهو الشيء الذي يمكن أن يتبقى لنا عندما نحمل بلادنا بأيدينا، على نعش نسميه بأنفسنا “نعش الدولة الفاشلة”؟ لا شيء يمكن أن يتبقى لنا من بعد ذلك، شعب وحكومة وحركات معارضة. ما هو الشيء الذي جناه هذا البلد من أبناءه؟ الإجابة لا شيء تمكن من جنيه على مر السنين – أجيال فاشلة، في حقب حكم أكثر فشلا. هذا مثله عندما يكون إنجاب وتربية الجنى على والديه حسرة. وهذا إذا بات البلد الحدادي والمدادي، يتخبط من نظام فاشل، إلى نظام آخر أفشل. كل هذا بفعل أبناءه واختلافهم في كل شيء يجلسون للتباحث فيه. ولتهدئة اللعب قليلا، وتخفيف الركل في نطاق هذا المقال الصريح: ليس لنا أن نعيب على الحكومة الانتقالية عملها، أو نتدخل فيه بعنفوان الجهلاء، ولكن لنا من الحق أن ندعو للحوار الهادف – ومن دون تطويل الحبال، وأن ندلو برأينا الحر، كمواطنين، لتصحيح مسار الحكومة الانتقالية بطريقة تواكب العصر، وتصون لنا الهدف المنشود “الحكم الديمقراطي”. وكل هذا حتى تنجح هذه الفترة الحساسة والمهمة في حياتنا ومستقبلنا ومستقبل بلادنا. الفترة الانتقالية التي نراها الآن طويلة، ولكن كما هو الحال في دأب الأيام: سوف تنقضي هذه الفترة بسرعة، وكأنها شيء لم يكن. هنا لا بد لنا اكتساب الوقت وعدم تضييعه فيما لا يلزم من إخفاقات ومهاترات، في أن نتجاوب مع الواقع الحاكم على الساحة بعقل كبير، لكي تصل القافلة الشادة لرحالها للهدف المنشود بسلام – للانتقال والتحول الديمقراطي المرجو، في ظل صون العدل والمساواة بين أفراد هذا الشعب. الشعب الذي تلظى نار الظلم والحرمان، لأكثر من ثلاثين عام قاتمة الظلمة – وكان آنذاك: لا أحد مكلف، ولا أحد مسؤول عن أمره.

المجرمين:

كيف لنا لأن نصل لهذا الهدف المنشود، من جموع الشعب الوفية؟ لا بد من الكف عن تعطيل مسار القافلة المنطلقة بقوة الشباب المتفجرة، وبمساندة العاملين الحادبين على مصلحة هذه البلاد. الأوفياء والمحنكين من أبناء هذا البلد، الذين تطغي عندهم المصلحة العامة على مصالحهم الخاصة. النزهاء والبسطاء منهم، الذين يعملون تحت ظروف قاسية من عزلة وفقر وحرمان ومرض. معاناتهم التي لا يراها المتمعن لهم في جلابيبهم وبدلهم المكوية لتوها، من أجل وطن واحد. الوصول لبر الأمان يعني العمل والإيفاء بالعهود. هذا الشيء يأتي بصور مبسطة، في عدم نسيان الآتي ذكره: الشروع في تنفيذ كل وعد وعدته الحكومة الانتقالية للمواطن وبدون استثناء، بعد الثورة والإطاحة بالنظام الطالح. تسليم كل المتورطين في التطهير العرقي بالبلاد للمحكمة الدولية بدون مجاملة، سواء كانوا أفراد من الحكومة السابقة أو من أفراد الحركات المسلحة – “هنا للتذكرة: كلما كبر عدد المجرمين المسلمين للمحكمة الدولية، كما طاب لهم المقام هناك”. والشيء بالشيء يذكر: هذا حتى يكفوا عن المحاولات الكيدية البائسة التي يشرعون فيها تواليا، من أجل إفشال الفترة الانتقالية، وحتى يغوصوا بقواربهم المتهتكة في القاع أكثر، وليتركوا لهذه الحكومة الانتقالية المجال للقيام – الشيء الذي يضمن لها العمل، ويؤمن لها السعي بخطى ثابتة، من أجل تنفيذ برنامجها الحكومي، سياسيا واقتصاديا وعدليا، محليا ودوليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق