خارج الحدود

معادلة كورونا … الأرواح مقابل الأرزاق

عبد العالي الطاهري

مع بداية الإرهاصات الأولى لفيروس كورونا، تفرقت السبل بدول العالم بين مُتَبَنٍ لخطة احترازية وقائية عاجلة تفادياً للأسوأ، وبين معتبر أن الأمر لا يعدو مجرد “ظرف فيروسي” أو فيروس ظرفي عابر، هذا الشتات في الرؤى جاء نتيجة طبيعة البنية السوسيواقتصادية التي تحكم النسق السياسي لكل دولة، وكذا نوع العقيدة السياسية التي تحكم القائمين على شؤونه التدبيرية.

فبينما تبنت دول، من قبيل ألمانيا وفرنسا والصين) مهد الفيروس ومنبعه (وروسيا ومعهم دول عربية وإفريقية وفي مقدمتها المغرب، تبنَّت استراتيجية وقائية عاجلة، في بُعديها الاجتماعي والاقتصادي حمايةً للأرواح حتى وإن كانت الفاتورة هي التضحية بجزء غير يسير من اقتصاد البلد في مقابل الحفاظ على الأمن الصحي للمواطن، وهو ما يصطلح عليه ب “نظرية الأرواح في مقابل الأرزاق في زمن كورونا.»

وبينما يتحرك العالم لمواجهة جائحة كوفيد-19 يواجه بلد بعد الآخر ضرورة احتواء انتشار الفيروس وإن كان الثمن هو توقف حركة المجتمع والاقتصاد.

وللوهلة الأولى، يبدو أن هناك مفاضلة بين أمرين متعارضين: فإما إنقاذ الأرواح أو إنقاذ الأرزاق، لكنها في الواقع معضلة زائفة، فالسيطرة على الفيروس هي في الأساس شرط لازم لإنقاذ الأرزاق.

وهذا هو ما يشكل رباطا وثيقا بين منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي، فمهمة المنظمة هي حماية صحة الأفراد، وهي في وضع يُمَكِّنها من تقديم المشورة بشأن الأولويات الصحية؛ بينما تتمثل مهمة الصندوق في حماية صحة الاقتصاد العالمي، حيث يقدم المشورة بشأن الأولويات الاقتصادية، كما يساعد في إتاحة التمويل.

وعليه فإنه على صناع السياسات والقرارات، وخاصة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، أن يتفهموا أن حماية الصحة العامة تسير يداً بيد مع إعادة الناس إلى مزاولة أعمالهم وحياتهم الاعتيادية الطبيعية.

وتقف منظمة الصحة العالمية، بحكم صلاحياتها وطبيعة اختصاصاتها، في خط المواجهة الأول في هذا السياق، لهذا شرعت في إتاحة هذا التمويل في وقت قياسي، حيث بدأ بالفعل إصدار الموافقات على المشروعات الأولى منذ شهر مارس الماضي، أي في الشهر الأول الذي عرف بداية تفشي الفيروس، كما عملت على صرف الأموال اللازمة لتقديم المساعدات الضرورية لوقاية البلدان من حدوث زيادة حادة في احتياجات التمويل في وقت يشهد هبوطا مفاجئا في الأنشطة الاقتصادية وفي الإيرادات.  

وبينما يصل التمويل الداعم للميزانيات العامة المضغوطة بشدة إلى البلدان التي تحتاج إليه، يبقى وضع النفقات العامة الموجهة للصحة على رأس قائمة الأولويات.

فدفع رواتب الأطباء وممتهني التمريض، ودعم المستشفيات وإنشاء غرف طوارئ ميدانية مؤقتة وشراء مستلزمات الوقاية والمعدات الطبية الضرورية، وإطلاق حملات التوعية الجماهيرية، كلها استثمارات حيوية لحماية الناس من الجائحة، خاصة في ظل حالة الانتكاسة التي يعيش على إيقاعها العالم، منذ بداية شهر يوليوز الأخير، خاصة بعد الارتفاع المهول والكارثي الذي أصبحت تسجله معدلات الإصابة في أغلب بلدان المعمور وكذا ارتفاع مؤشر الوفيات.

وفي ذات السياق يجب التأكيد على أن العديد من البلدان، تفتقر إلى النُظُم الصحية الملائمة لمواجهة هذه الكارثة الصحية، ومن المهم للغاية إعطاؤها دفعة في هذا الاتجاه.

ومن الممكن والواجب، أن يترافق هذا مع دعم أولويات الاقتصاد ككل التي يتطلبها تخفيض البطالة، والحد من حالات الإفلاس، وكذلك ضمان التعافي مع الوقت.

وكل هذا يأتي بالإضافة إلى الإنفاق الصحي، وليس بديلا له، ويهدف إلى تقديم دعم موجه للأسر والشركات والمقاولات الأكثر تضررا، بما في ذلك التحويلات النقدية ودعم الأجور، والعمل ساعات مخفضة، وزيادة إعانات البطالة وتقوية شبكات الأمان والضمان الاجتماعي، علاوةً على الحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.

كل هذا مع ضرورة إدراك مدى صعوبة تحقيق التوازن الصحيح بين عاملي التوازن المفصليين في دورة الحياة المجتمعية، والمتمثلين في الاقتصاد والشق الاجتماعي، فالنشاط الاقتصادي يتداعى مع تأثر العمالة والشركات وسلاسل الإنتاج والعرض بالإصابات والوفيات وبإجراءات مكافحة الجائحة، علاوةً على تراجُع الإنفاق المترتب على فقدان الوظائف وعدم اليقين في ما سيحمله مستقبل عالم ما بعد الجائحة، وتردي الأوضاع المالية، وتَضَرُّر مصادر السلع والمواد الأولية من انهيار أسعار النفط، وكل ذلك صاحبته تبعات و تداعيات عابرة للحدود.

وفي البلدان ذات الاقتصاديات غير الرسمية الكبيرة أو التي تتشكل في الجزء الأكبر منها من القطاعات غير المهيكلة، تعتمد الأُسَر في عَيْشها على أجور يومية، ويستحيل التباعد الاجتماعي مع التكدس السكاني الكبير في الأزقة الحضرية، ما يعني ضرورة توفير مصادر دخل بديلة لهذه الفئات الاجتماعية الهشة. غير أنه سيظل الاقتناع قائم بأن التمويل الطارئ لا يمكن أن يساعد إلا إذا حققت البلدان هذا التوازن (الصحة العامة والدخل الاقتصادي.)

 وبالعودة للدور المركزي الذي تلعبه منظمة الصحة العالمية، فيجب التأكيد على أن هذه الأخيرة يمكنها المساعدة في مجالات التنسيق الحيوية، كضمان إنتاج المعدات الطبية وتوصيلها لمن يحتاجون إليها، بصورة تتسم بالفعالية والكفاءة والمساواة، وذلك بتيسير اتفاقات الشراء المسبق على سبيل المثال.

 وتعمل المنظمة أيضا مع مُوردي معدات الوقاية الشخصية للعاملين في القطاع الصحي لضمان كفاءة عمل سلاسل الإنتاج و العرض. وفي هذا المجال يمكن أن يكون التعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى فعالا للغاية، كالاستفادة من قدرة البنك الدولي على تجميع الطلبات لشراء الإمدادات الطبية بالجملة.

ويهدف الصندوق من جانبه إلى المساعدة بمضاعفة طاقته المتاحة لمواجهة الطوارئ من 50 مليار دولار إلى 100 مليار دولار، متيحا للبلدان الحصول على ضِعف التمويل الذي كان يتيحه أثناء الطوارئ السابقة. وقد تمكن من تأمين طاقة إقراض كلية قدرها تريليون دولار أمريكي بفضل الإجراءات الحاسمة التي اتخذتها بلدانه الأعضاء.

ويعمل الصندوق أيضا على زيادة قدرته على تخفيف التزامات خدمة الدين عن أفقر البلدان الأعضاء، من خلال “الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون” الذي يتلقى مساهمات سخية من المانحين.  ومع البنك الدولي، يدعو الصندوق إلى إيقاف مدفوعات خدمة الدين المستحقة على أفقر البلدان تجاه الدائنين الثنائيين الرسميين ما دام الاقتصاد العالمي مشلولا تحت تأثير الجائحة.

إن مسار الأزمة الصحية العالمية ومصير الاقتصاد العالمي متشابكين على نحو لا ينفصل، ومحاربة الجائحة ضرورية لتعافي الاقتصاد، لذلك تتعاون منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي بصورة وثيقة فيما بينهما ومع المنظمات الدولية الأخرى، للمساعدة على تلبية الاحتياجات ذات الأولوية للبلدان الأعضاء.

وفي ظل ظروف تتسم بضيق الوقت ومحدودية الموارد، يتعين على جميع الشركاء التركيز على الأولويات الصحيحة لإنقاذ الأرواح والأرزاق. وفحوى هذه القراءة المشتركة هو أنه لزاماً على القادة الآن، ونحن نمر بواحدة من أحلك اللحظات في تاريخ البشرية، أن يحشدوا الجهود لأجل من يعيشون في ظل اقتصاديات هشة وغير مهيكلة.

الحد من التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا بوضع سياسات موجهة كبيرة

الأكيد أن هذه الأزمة الصحية التي يعيش على إيقاعها كوكب الأرض سوف تُفضي إلى المزيد من التداعيات الاقتصادية الكبيرة، انعكاساً لصدمات تلحق بالعرض والطلب تختلف عن الأزمات السابقة، ما يتعين معه وضع سياسات جوهرية توجه لمساعدة الاقتصادات ،خاصة الهشة وغير المهيكلة منها، لتجاوز مرحلة الانتكاسة الاقتصادية والاجتماعية التي سببها انتشار هذا الوباء، مع الحفاظ على سلامة شبكة العلاقات الاقتصادية والمالية بين العاملين ومؤسسات الأعمال، والمقرضين والمقترضين، والموردين والمستخدمين النهائيين، كل ذلك لكي يتعافى الاقتصاد العالمي متى توارت وانتهت  هذه الجائحة، ليبقى الهدف الاستراتيجي هو منع أزمة ظرفية مؤقتة كهذه من إلحاق أضرار دائمة أو شبه دائمة بالإنسان والشركات من خلال فقدان الوظائف وحالات الإفلاس.

وقد ازدادت خسائر الأرواح من جراء تفشي فيروس كورونا) كوفيد-19 (بمعدل مثير للقلق بينما المرض آخذ في الانتشار ليشمل عددا أكبر من البلدان، ومن ثمَّة تسجيل معدلات جد مرتفعة على مستويي الإصابات والوفيا، ما يعني ضرورة إعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على صحة وسلامة الناس قدر الإمكان، وفي إمكان البلدان أن تقدم المساعدة من خلال إنفاق المزيد من

 الدعم المخصص لنُظمها الصحية، بما في ذلك الإنفاق على معدات الوقاية الشخصية، وإجراء الفحوص واختبارات التشخيص، وإضافة مزيد من الأسِرة في المستشفيات.

وبينما لم يتم التوصل إلى لقاح لوقف انتشار الفيروس بعد، اتخذت أغلب البلدان الإجراءات اللازمة للحد من انتشاره، كوضع قيود على السفر، وإغلاق المؤسسات التعليمية بجميع أسلاكها لفترات مؤقتة، وتبني مقتضيات الحجر الصحي، وهي الإجراءات  التي وفرت وقتا ثمينا لتجنب الإلقاء بعبء ثقيل على النظم الصحية، رغم أن كل هذه الإجراءات أبانت عن محدودية النتائج المتوخاة في ظل استمرار عدم انضباط شرائح عديدة من ساكنة الدول المعنية بانتشار هذه الجائحة العالمية، للمقتضيات القانونية المعتمدة في هذا السياق وكذا الجوانب الاحترازية والوقائية علي المستوي الصحي.

التأثيرات الاقتصادية

أصبح التأثير الاقتصادي واضحا بالفعل في البلدان الأشد تأثرا بتفشي هذا المرض، على سبيل المثال ففي الصين، تراجع نشاط قطاعي الصناعة التحويلية والخدمات بشكل حاد من شهر فبراير حتى شهر أبريل، وبينما هبوط النشاط في قطاع الصناعة التحويلية يُضاهي مستواه في بداية الأزمة المالية العالمية، يبدو أن تراجع الخدمات أكبر هذه المرة، وذلك بسبب التأثير الكبير الناجم عن التباعد الاجتماعي.

وكذلك انخفض العرض والطلب في العالم على أسهم بورصات شحن المواد الجافة كمواد البناء والسلع الأولية على غرار ما شهدته أكثر مراحل الأزمة المالية العالمية حدة منذ سنة، 2008 بسبب تراجع النشاط الاقتصادي المقترن ببذل جهود غير مسبوقة لاحتواء المرض، وليس لهذا الانخفاض مثيل في فترات انتشار الأوبئة السابقة أو حتى بعد هجمات 11 سبتمبر.

صدمات العرض والطلب

ينطوي الانتشار المهول لوباء فيروس كورونا على صدمات في العرض والطلب، فقد أدى اضطراب نشاط الأعمال إلى انخفاض الإنتاج، مما أسفر عن صدمات العرض، وكذلك أدى إحجام المستهلكين ومؤسسات الأعمال عن الإنفاق إلى انخفاض الطلب.

وعلى جانب العرض، حدث انخفاض مباشر في عرض العمالة بسبب إصابة العديد من العاملين بالفيروس، وكذلك من جراء تزايد الوفيات، ولكن هناك تأثير أكبر من ذلك يقع على النشاط الاقتصادي بسبب جهود احتواء المرض ومنع انتشاره من خلال عمليات الإغلاق والحجر الصحي، التي أدت إلى تراجع استخدام الطاقة الإنتاجية، فالشركات التي تعتمد على سلاسل العرض قد لا تتمكن من الحصول على القطع التي تحتاج إليها، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الدولي، و على سبيل المثال فالصين هي أحد الموردين المهمين للسلع الوسطية إلى بقية العالم، وبصفة خاصة في مجال الإلكترونيات والسيارات والآلات والمعدات، إذ أدى الاضطراب الذي تشهده بالفعل إلى انتقال تداعياته إلى الشركات التي تنفذ العمليات المتممة للإنتاج، كما ساهمت وستساهم هذه الاضطرابات مجتمعة في رفع تكاليف ممارسة الأعمال ،كما أنها ستشكل صدمة سلبية تصيب الإنتاجية  وتحد من النشاط الاقتصادي في شموليته.

وعلى الجانب الآخر المتعلق بالطلب، تمَّ تسجيل تراجع مستوى الإنفاق نتيجة لخسائر الدخل، والخوف من انتقال العدوى، وتصاعد أجواء عدم اليقين، بل أدت الأوضاع المرتبطة بتسارع انتشار المرض وعدم التوصل إلى لقاح حتى الساعة إلى إقدام العديد من الشركات على تسريح العمالة لأنها غير قادرة على دفع رواتبها، ويمكن أن تكون هذه الآثار حادة بصفة خاصة في بعض القطاعات كالسياحة والضيافة، كما رأينا في إيطاليا مثلا. ومنذ أن بدأ البيع البخس في سوق الأسهم الأمريكية منذ تاريخ 20  فبراير الماضي، تضررت أسعار أسهم خطوط الطيران بشكل غير متناسب، على نحو مماثل لما حدث في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، لكن الضرر الذي أصابها أقل مما كان عليه الوضع بعد الأزمة المالية العالمية. وبالإضافة إلى هذه الآثار على مستوى القطاعات، فتدهور معنويات المستهلكين ومؤسسات الأعمال يمكن أن يدفع الشركات إلى توقع انخفاض الطلب، مما يؤدي بها إلى الحد من إنفاقها واستثماراتها، وهذا الأمر بدوره سيترتب عنه تفاقم حالات إغلاق الشركات وفقدان الوظائف، ما يعني تهديد الأمن الاجتماعي لشرائح مجتمعية كثيرة علر مستوى أقطار العالم.

الآثار والتداعيات المالية

كما رأينا في الأيام الأخيرة، تكاليف الاقتراض يمكن أن ترتفع مع تشديد الأوضاع المالية، نظرا لتشكك البنوك في قدرة المستهلكين والشركات على سداد القروض في الوقت المحدد لها، ومن شأن ارتفاع تكاليف الاقتراض أن يكشف عن مَواطن الضعف المالي التي تراكمت خلال سنوات انخفاض سعر الفائدة، ويؤدي إلى تصاعد المخاطر من عدم إمكانية تمديد الديون، ومن شأن انخفاض الائتمان أن يزيد من تباطؤ النشاط الناجم عن صدمات العرض والطلب.

وعندما تأتي الصدمات متزامنة عبر عدد كبير من البلدان، قد تزداد الآثار عمقا من خلال الروابط التجارية والمالية الدولية، مما يضعف النشاط الاقتصادي العالمي ويدفع أسعار السلع الأولية نحو الانخفاض، وقد هبطت أسعار النفط بشكل كبير خلال الأسابيع التي تلت انتشار الفيروس في أغلب بلدان العالم وأصبحت أقل بنحو 30% من مستوياتها في بداية السنة كما أن البلدان التي تعتمد على التمويل الخارجي قد تواجه مخاطر من التوقف المفاجئ لهذه التدفقات واضطراب أوضاع السوق، الأمر الذي ربما اقتضى التدخل في سوق النقد الأجنبي أو اتخاذ إجراءات مؤقتة تتعلق بالتدفقات الرأسمالية.

الحاجة إلى سياسات اقتصادية موجهة نظرا لأن التداعيات الاقتصادية تنشأ بصفة خاصة عن وقوع صدمات حادة في قطاعات محددة، سيتعين على صناع السياسات تنفيذ إجراءات جوهرية موجهة على مستوى المالية العامة والسياسة النقدية والسوق المالية، لمساعدة الأسر ومنشآت الأعمال المتضررة.

ويمكن استهداف الأسر ومنشآت الأعمال المتضررة من اضطراب العرض وهبوط الطلب لكي تحصل على تحويلات نقدية، ودعم على الأجور وتخفيف ضريبي، بحيث تُقَدَّم المساعدة للناس على تلبية احتياجاتهم ولمؤسسات الأعمال لكي تحافظ على سلامة  أوضاعها، ما يعني تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعيين، فعلى سبيل المثال، اتخذت إيطاليا إجراءات مختلفة، منها مد المواعيد النهائية المحددة لسداد ضرائب الشركات في المجالات المتضررة ووسعت نطاق تغطية صندوق تكملة الأجور ليقدم دعماً لدخل العمالة التي يتم تسريحها، وقدمت كوريا الجنوبية دعماً على الأجور لصغار التجار ورفعت إعانات الرعاية المنزلية والباحثين عن عمل، وألغت الصين مساهمات الضمان الاجتماعي من مؤسسات الأعمال بصفة مؤقتة. وبالنسبة لمن تم تسريحهم، يمكن زيادة تأمينات البطالة مؤقتا بمد فترتها، أو زيادة الإعانات، أو تخفيف شروط الأهلية للاستفادة منها، وفي حالة عدم إدراج الإجازات لأسباب مرضية أو عائلية ضمن المزايا الاعتيادية، ينبغي أن تنظر الحكومات في تمويلها والسماح للعاملين الذين يصابون بوعكة صحية أو لمن يتولوا رعايتهم المكوث في منازلهم دون خوف من فقدان وظائفهم أثناء فترة الوباء.

وإضافةً للسالف عرضه، ينبغي أن تظل البنوك المركزية مستعدة لتقديم سيولة وفيرة للبنوك والشركات المالية غير المصرفية، ولا سيما تلك التي تقرض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي ربما كانت أقل استعدادا لمواجهة اضطراب حاد من هذا القبيل، كما يمكن أن تقدم الحكومات ضمانات ائتمانية موقتة وموجهة لتلبية احتياجات هذه الشركات إلى السيولة على المدى القصير، على سبيل المثال، توسعت كوريا الجنوبية في الإقراض لأغراض عمليات مؤسسات الأعمال وتقديم ضمانات على قروض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتضررة، ومن شأن أجهزة ومؤسسات التنظيم والرقابة على الأسواق المالية كذلك أن تشجع على تمديد آجال استحقاق القروض مؤقتا وعلى أساس إطار زمني محدد.

ومن خلال التنشيط النقدي الأوسع نطاقاً كتخفيض أسعار الفائدة الأساسية أو شراء الأصول، يمكن رفع مستوى الثقة ودعم الأسواق المالية إذا واجهت السوق مخاطر من تشديد الأوضاع المالية بشكل كبير، بينما الإجراءات التي تتخذها البنوك المركزية الكبيرة تولد هي كذلك تداعيات مواتية على البلدان المعرضة للخطر، والدفعة المالية التنشيطية واسعة النطاق التي تتسق مع الحيز المتاح للتصرف في المالية العامة يمكن أن تساعد على زيادة الطلب الكلي، لكنها ستزداد فعالية على الأرجح عندما تبدأ عمليات الشركات في العودة إلى الوضع الطبيعي.

وبالنظر إلى الانتشار الواسع لهذا الوباء على مستوى عدد كبير من البلدان، والروابط الاقتصادية الواسعة العابرة للحدود، وكذلك الآثار الكبيرة على الثقة والتي تحد من النشاط الاقتصادي وتؤثر على الأسواق المالية وأسواق السلع الأولية، من الواضح أن هناك حجة واضحة تدعو إلى تنسيق الاستجابة على المستوى الدولي، إذ يجب على المجتمع الدولي أن يساعد البلدان التي لديها قدرات محدودة في مجال الصحة لكي تتجنب وقوع كارثة إنسانية، إذ لاحظنا دولاً عديدة فقيرة ومحدودة الإمكانيات تُرِكت لتواجه مصيرها المؤلم أمام جائحة عالمية أتت على أخضر زرع البلدان الموبوءة و يابسها.

ونتمنى أن يَفي صندوق النقد الدولي بوعده الذي أطلقه مع بداية تفشي فيروس كورونا، من كونه على أهبة الاستعداد لدعم البلدان المعرضة للخطر، من خلال تسهيلات الإقراض المختلفة، بما فيها تلك التي تتيح صرف الموارد على أساس عاجل في حالة الطوارئ والتي يمكن أن تصل إلى 50 مليار دولار لبلدان الأسواق الصاعدة ومنخفضة الدخل.

ليبقى السؤال المفصلي: هل استطاعت جائحة كورونا أن تحيي فينا الإنسان، في البعد التضامني لمفهوم وقيم الإنسانية؟ أم أن منطق الاقتصاد ساد وسيطر على البعد الإنساني، ومن ثَمَّة تمَّ تغليب الأرزاق على الأرواح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق