ثقافة وفن

قراءات

نغم على سطح خندق

محمد المنتصر حديد السراج

الليل ساج والطريق ظلام

والبدر ناء والنجوم نيام

والناس قد ضلوا طريق سراهم

وتشابهت كل الدروب فهاموا

وتدافعت خطواتهم فى مهمه

جرد كما تتدافع الأغنام

وتطلعوا يبغون نور هداية

كيف الهداية والطريق قتام

وانهار عزم الناس بين صدورهم

وطغى النعاس على السراة فناموا

حتى أتيت كضوء شمس دافق

كشف الظلام عن النيام فقاموا

وحدوتهم نحو الرشاد فأدركوا بحدائك الغايات وهي جسام

على أية حال ما كان ينبغي لي أن أدرج في قائمة الشعراء إذا اعتبرنا أن الوجدان رهين بما يهوى المرء ويحب ويعشق. وكنت أحب الرياضة أعنفها وأشدها جسارة ..كرة القدم .. كرة السلة .. الجمباز .. كرة الخيل أو الصولجان أو البولو وكنت أيضا أعشق الرياضات الشعبية.. (شليل).. و (سجك)..كل ذلك قادني لاختيار مهنة يحسبها غالبية الناس أبعد المهن عن الشعر والمشاعر والفن والإبداع، وهى مهنة الجندية، ولكن .. قبض الله لي بيت علم ودين ربيت فيه ونشأت طفولة وصبا وشبابا ذلك كان بيت العالم الفذ الشيخ محمد البدوي شيخ الإسلام وأول رئيس لمشيخة علماء السودان بعد المهدية وهو جدى لأمي وقد كنت وأنا طفل أروى المدائح النبوية والمهدوية التي أسمعها من خالي خليفة جدى الشيخ أحمد محمد البدوي، ثم قيض الله لي أما ذات فؤاد ضخم يعج بالإحساس المرهف…أذكر انها كانت تهدهدني بكلام أقرب الى الشعر لا يزال إيقاعه وجرسه يرف في أذني…

برى، حبيب الليل

تكبر تخوض السيل

تكبر تعدل الميل

بيوض بيوض

بمشي بور بمشي النهود

بمشي الفاشر بمشي الحدود

ولما وعيت عرفت أنها كانت تقول الشعر بداهة وفطرة وكانت أمى أقرب الناس إلى خاصة ان أبى كان كثير الأسفار، ثم…انغمست في لجة مهنتي ويا لها من لجة…الجندية، ومضت الأعوام الى ان شاءالله لى أن أتعرف على أربعة من العباقرة هم على ترتيب التعرف…مبارك المغربي .. فراج الطيب السراج .. عبدالله الشيخ البشير .. آه وما أدراك ما عبدالله الشيخ البشير .. جمع فحوى العلم الغزير في كل ضروبه .. المفردات التي تتلألأ كما النجوم…الصور الزاهية البهية شيخ شعراء السودان…مبارك المغربي الكلمة السهلة الأنيقة …فراج الطيب إمام العربية والكلمة الصادقة الفصحى واللسان العربي المبين…خالد أبو الروس عبقري زمانه وأذكى رجل عرفته، مصورا بارعا تلتقط(كاميرته) الشعرية أو الروائية الصورة كما هي بكل بكل أبعادها…تعرفت الى مهدى محمد سعيد ومصطفى سند.

ومن بحور كل هؤلاء حاولت جاهدا أن أحسو وأغترف. وقد كانوا وما زال الأحياء منهم أقرب الناس الى، أحببتهم حبا جما وأحسبهم…وقد أكون واهما ..أحسبهم أحبوني أو على الأقل أحب في الجندي المتطلع الى المعرفة وحب الشعر…فكل من أولئك الشعراء له فضل على كبير…جلست إليهم في ندوة فراج الطيب المشهورة سنين كثيرة .. أسمع وأتأمل .. أعي ولا أقول شيئا…وأخيرا بدأت وفى عام 1978 ولى من العمر سبعة وثلاثون عاما كتبت ما حسبته شعرا وهكذا جاء هذا الديوان متأخرا جدا..(نغم على سطح خندق).

التوقيع: أبو قرون عبد الله أبو قرون

هذه كانت كلمات الراحل الذي مضى الى ربه خلال الايام الماضية، الشاعر والكاتب والملحن اللواء ركن معاش أبو قرون رحمه الله… والذي ولد 1941، أكمل مراحل تعليمه فى أم درمان، ثم جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ثم تخرج فى الكلية الحربية 1963، ونال ماجستير العلوم العسكرية، والدكتوراة من جامعة البكر فى بغداد العراق، وله ماجستير فى التاريخ من جامعة درم بإنجلترا.

له مشاركات شعرية جيدة أشهرها نشيد أو أوبريت (عزة وعزة) الذي تنشده المغنية سمية حسن مع فرقة سلاح الموسيقى بالقوات المسلحة، وله عدد من الأغاني، وأذكر وكنا حينها طلابا نحضر ندوة العم اللغوي الشاعر فراج الطيب وكان أبو قرون جديدا في الندوة يحتمل قفشات الشاعر الناقد والمسرحي أبو الروس وحينها كانت له أغنية يؤديها الفنان نجم الدين الفاضل، تقول: قالوا قطعة سكر قلنا أحلى وأنضر…وتناولها أبو الروس بالنقد وأيده العم فراج وأشاروا الى تغيير أنضر بأندر…وكانت البداية.

ومن المعلوم أن أبو قرون رحمه الله كان أنصاريا ملتزما ختي في لباسه، وكما قال السيد مبارك عبد الله الفاضل المهدى فى رثائه: خدم الكيان بفكره وأبحاثه وروائع شعره فقد كان شاعرا مجيدا وخطيبا مفوها ألف الكثير من الأشعار العامية والفصيحة والجلالات العسكرية الحماسية، وهو القائل في تمجيد الثورة المهدية:

يا راية في جيش الفتى المهدى الامام

منتصرة دايما مهما طال بيها الوهن والانهزام

منسوجة بالصبر الحديد محجوبة بالرأي السديد

حافيها روح دقنة العنيد مخضوبة بدم الشهيد

مولودة بين بائين ولام حاميها تورا شين أغر

عجموا السهام ألفي الجراب سهموا الصليت كان الأمر

ويقول في عزة وعزة:

يا عزة قومي تسمعي الهمس البقول يا أمة نومي

استيقظي وفكي الحصار وتوشحي الأمجاد إزار أرمى الجمار

عدى البحار ما تغرقي وفى اللجة عومي

وكان فتر عزمك وخار استلهمي الروح من جناك ود النجومي

هكذا تقلب الشاعر اللواء أبو قرون رحمه الله بين العامية والفصيحة متخرجا فى مدرسة اللغوي الشاعر فراج الطيب مع النقد اللاذع الجميل للشاعر الغنائي والمسرحي والمعلم والصحفي خالد ابو الروس وبقية العقد الفريد.

واصل أبو قرون علاقاته الادبية عضوا في الاتحاد العام للأدباء السودانيين ومن بعده الإتحاد القومي، كما اتصل حضوره لندوة الجمعة الراتبة في صالون الراحل حديد السراج بعد وفاة الراحل فراج الطيب رحمهم الله جميعا.

يقول فى مرثية لفراج الطيب سماها (لسان الصدق الذي صمت):

وتثاكلت غيد القصائد …

واستحر نحيبها …

وتناوحت إذ غاب عنها …

فى الظلام حبيبها …

وتجددت أسقامها وجراحها اتكأت …

ومات طبيبها …

وقد استغاثت ثم نادت …

واستفاض وجيبها …

ضاقت بها سبل النجاة …

وليس (فراج) هناك يجيبها …

وكتب يقول: على هامش البحث عن بيت شعر لشيخ الشعراء عبد الله الشيخ البشير.. (البحث عن النور):

بعين الصب قد آنست نورا فاهتديت

وعين الشعر قد أحسست نارا فاصطليت

حسبت قوافي الأشعار خيلا فامتطيت

وردت بحور كل الشعر لكن ما ارتويت

وكان الآل يخدعني ولكن ما دريت

الى أن يقول:

ذكرت الشيخ يا للشيخ كم أضناه بيت

وعاد نهاي كم للشيخ من فضل جنيت

وكم من آسر الأقوال عن شيخي رويت

وقال الشيخ ينصحني ولكن ما وعيت

وشيخي قال نصف منك قحام كميت

ونصف شاعر ذياك أنت كما رأيت

وهكذا كان الراحل أبو قرون عبد الله أبو قرون كما رآه شيخ الشعراء عبد الله الشيخ البشير وهكذا ينفرط عقد شعرائنا وأُدبائنا فتتساقط منه حبة إثر حبة … والأمل في أجيالنا الصاعدة في درب العلم والأدب والفنون والشعر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق