
أبنوسة ونخلة
عطبرة – حديد النضال ونار الهوى (2)
أسامة الطيب
(في عام 1939 اختيرت عطبرة مركزاً رئيسياً لإدارة السكك الحديدية وورشها ومخازنها اللوجستية، والتي أصبحت أكبر صاحب أعمال بالمدينة يوظف في خدمته معظم سكانها حتى بلغ عددهم 120 الف عامل تقريباً. ونتيجة لسياسة التمييز ضد السكان الوطنيين وعدم مساواتهم بالبريطانيين قرر عمال السكك الحديدية تأسيس نقابة عمالية خاصة بهم كانت أول نقابة عمالية في السودان. وفي عام 1947 نظمت النقابة أضراباً عاماً تضامناً مع نقابات عمالية مصرية).
في البدء كانت “عطبرة”، في البدء ، وفي منتصف الحكاية، وعند حلاوة خاتمتها، كما يلتصق “اللباء” في قعر حلةٍ أنْستها السنين ملامح طفولتها الألمنيوم، وهي تغرق في طبقات “السَكَن” اللئيمة ، تحيط بها أيادي الطفولة الغبشاء، تتلذذ بطعمٍ جاء من السماء بارداً وطهوراً لصغار الشياهِ وتقوية عودهم، فحوّلته ارادة الإنسان لأفواهٍ أخرى ،أخلصت في القيام بالمهمة، و استقوت بهِبة غيرها، وما يزال يعلق طعمه بذاكرتها، وأطراف شفاهها التي كلما استطاع البرد اللديح زيادة شقوقها، وَاجبها “الودك” بنعومةٍ حارقة، وكلّما قست عليها حجارة الطريق، كلّما وجدت ضِمدها في الرمال البليلة بالمطر ورأفة الله، الطفولة التي غاصت في لهو المدن والأرياف حافيةً حالقة ، فاستقرت في سماواتها أنجماً لامعة فيما بعد، تلبس نياشين الوجدان “الاتبراوي” وتباهي به ، وتبهر بضوئه الشمس ، تختلف ما شاءت لها الحياة، ولكنها تتفق ما أملت عليها “السكة الحديد” و”حسن خليفة العطبراوي” سيرة أيامها العظيمة الماضية ، المضارعة ، وهما يغنيان (مرحبتين بلدنا حبابا، حباب النيل حباب الغابة، ياها ديارنا نحن اصحابا نهوى عديلا ونرضى صعابا، نعشق شمسها الحرّاقة، بتلهب في القلوب دفّاقة، نحن شعارنا حب وصداقة، للناس الصفت أخلاقا ، مرحبتين بلدنا حبابا، نحن بلدنا بي خيراتا البلد البتشبها ياتا؟ هي حياتنا ونحن حياتا، وما بندور بلاها وحاتا، نحن بلادنا نتحدابا، وبخير الوفير وشبابا، لو ننهض جميع بصلابة، ما بتلقونا تاني غلابة، مرحبتين بلدنا حبابا، وبسواعدنا راح نبنيها، وابدا ما بنفرط فيها، لو كان فتنا من واديها، من وين تاني نلقي الجيهة ؟ في أخلاقنا في عاداتنا، واشراقات تميّز زاتنا ،نحن حميدة سمحة صفاتنا، من أجدادنا من أبواتنا، مرحبتين بلدنا حبابا، لازم نبقى سمحين سيرة، وطنية وأمانة وغِيرة، نحن بلدنا لينا نصيرة ،كيف من غيرنا تلقى نصيرا؟ مرحبتين بلدنا حبابا) “العطبراوي” هناك واحدٌ، هو النهر في انحداره الصعب، وهو الفنان في ارتفاعه السهل، هو المياه تخلق “مقرنها” الفريد وهي تعانق “نهر النيل” ، المسافر شمالاً، يغطّ في نومته المستمرة، ويسرج صحوه المستديم، يداعب الجروف بحنان الأبدية، ويشاغبها بفيضان التحولات الكبرى، في نهجه، وسيرته ، يكتب كتابه على أزهارها، فينجب النسيمَ وظلالَ الضفاف الوادعة ، ويقرأ كتابها بأحرف الندى على أوراق “اللوبيا” وقناديل “عيش الريف” وطعم السمك الشهي، يخرج من المياه ليدخل الذائقة، ويعلق في الذاكرة كأغنيةٍ ولدتها لحظات عشقٍ مترفٍ، يقاسي صهد الحبيبة القاسية ، ولكنه يعيد للوجدان خُضرته حتى يكاد ينقسم من الرواء، ويرسله بعدها لآفة اليباس بعد حينٍ من الدهر، لم يكن سرّ الإنسان فيه شيئاً مذكورا، قبل أن يعمّ البدو والحضر، وهو الفنان يقتطع من لحم “جزارته” للبطون الخاوية، ويقتطع من هواجس طيوفه الفنانة ألحاناً تواسي من يبوء بها، وتُناسي من يحوّم حول نارها الحرّاقة (يقيم الليل سهرانا وحيدا كان يهواك، وهذا قلبيَ الشاكي مقيم في حناياك، ومهما طال بى الشوق فاني لست أنساك، فاين العهد ياروحي فإني لست اسلاك، وفي عينيك اسرار رأت عيناي فحواها، وفي نغماتك الحلوة معانٍ لست انساها، هي الحب هي الود هي الدنيا بمعناها ،عهود الحب ياروحب قديما قد حفظناها ، وحيدا اسهر الليل واذكر عهدنا الماضي ، وبين الورد والزهر يغنى البلبل الشادى ، وهذا الليل قد جنّ وزاد الشوق اسهادي ،وهذ الهجر قد طال ونار البين في فؤادي) والمدينة تنام على جَدّه البهيّ، وتصحو على هزله الرفيق، تبادله المحبة كيفما اتفقت معانيها، ويبادلها الغرام كيفما اختلفت أساليبه، وأحابيله، وعدتّه المختلفة ، المتفقة على الفتك بالقلوب العذارى، تقف بينَ بينْ، قبالة أنجم المحبين اللامعة ، فلا إلى هذه الدموع، ولا إلى هذه القسوة، وتعدّد ألواحها للذكر فادح الدمع والسيرة.
و”عطبرة” التي كثرت الروايات حول اسمها البديع، (كان يطلق على عَطْبَرَة اسم أتْبَرَا (قبل استبدال حرف التاء بطاء). وأتبرا لفظ مشتق من الكلمة العربية تتبير، كما يذهب البعض، وهو لغةً يعني التدمير أو التحطيم أو الهلاك. يقول عزّ وجلّ:﴿وكلا ضربنا له الامثال وكلاً تبرنا تتبيراً﴾ وسُميت عطبرة بهذا الاسم لهيجان نهر عطبرة عند فيضانه ودخوله إليها في الاتجاه الشمالي الغربي وانحداره بسرعة كبيرة في أراضيها، وهناك رواية أخرى وردت في كتاب الدكتور عون الشريف قاسم (قاموس اللهجة العامية في السودان) جاء فيها ان أصل الاسم (اتبرا) لفظ يوناني وهو إيس تبوراس ويستدل بأول الكلمة إيس إذ قيل انها من اللغة النوبية وتعني المساء، أما آخر الكلمة “تبوراس” فيعني العابدون شفاهة، كذلك يقّر الدكتور عون الشريف قاسم، في مصدر آخر نقلا عن الدكتور عبد المجيد عابدين، بالأصل اليوناني للكلمة والمأخوذ من احدى اللغات النوبية القديمة وكان ينطق عَطْبَرا، وثمة رواية ثالثة مصدرها الدكتور جعفر ميرغني تفيد بأن الكلمة تتركب من مقطعين هما «إد» و«وبارا»، حيث يرادف المقطع الأول «إد» لفظ البحر بلغة العنج، وأما المقطع الآخر «وبارا» فهو اسم مرويّ باللغة المَرويّة القديمة، وبذلك يصبح معنى المقطعين مجتمعين بحر مَرَوِي ، أما الطيب محمد الطيب، فيعيدها إلى النوبة مركّبة من لفظين هما «إد» ويعني أرض و«بارا» وهو الساحل، فيصبح معنى الكلمة أرض الساحل) كل ذلك والمدينة تتقاسم أحياءها بذات المحبة، تفرش لها الأرض وروداً، وعجلاتٍ ، وقطاراتٍ لا تكاد تخرج من ورشةٍ حتى تقطع الأرض صوب خريطة السودان كلها، باتجاه مدنها المتناثرة، وتعود لورشتها شاهدةً بالحب المقيم، ومعترفةً بطول الوجد والسهد بعيداً عنها ، في محطتها الرئيسة، تكبر “المواسير” تغدق على مسافريها بالمياه الناصعة، حتى لكأنك تقف في منتصف النهر من احاطة المياه بك واندفاعها الكريم، يغسلون وجوههم من وعثاء المسافة، وكأنهم يصففونها بلطيف المياه حتى تبدو لهم “عطبرة” بوجهها الذي تحب، تصطف سيارات التاكسي المعدودة على أصابع القُرب الواحد، تحيط بها آلاف العجلات الذاكرة و العارفة لدروبها وهوى أصحابها، تسكن روائح “الباسطة” البهيجة كل ركنٍ غمرته مياه المواسير الكبيرة، أو حبّ السكان الأبدي للناس والأرض، أو سلوى العجلات تبحث في الدروب عن أخواتها في إلفةٍ نسيجةِ الخيال العذب والوقائع الرحيمة، وتسمع صوت بائع الباسطة يأتيك من كلّ فجٍ عميق، ومن كلّ زوايةٍ ملهمة (ماااااا بالسمنة وكدا) فتعرف أنك قد بلغت “عطبرة” وأن “عطبرة” قد بلغتك، وأنّ شمساً ما، تسطع منها، ليس كمثلها شيء. نواصل.




