ثقافة وفن

قصة أغنية

قارئة الفنجان

قصة حبّ العندليب والسندريلا

د. محمد بدوي مصطفى

عاشت ستينيات الألفية المنصرمة قصص حبّ بكل أشكالها، ألوانها وتقلباتها؛ قصص من عشق الروح للروح، حكايات على شاكلة: بسمة فابتسامة ثم موعد فلقاء وكانت كلها تحمل في طياتها شيم النقاء والصفاء من جهة، والتنمرد والتمرد من جهة أخرى، كل ذلك انعكس إلينا عبر شاشة السينما بأبيضها وأسودها ونحن في وحدة ووحشة إلا من تلفاز. هل عشق العندليب الأسمر ووقع في حبّ حسناء الشاشة؟ هل كُتب لهذا الحبّ أن يحيا وأن يتفتق كوردة دفلى في بستان النيل الخالد؟ كيف عرف الشاعر بالقصة وهل أخبره بها المطرب أو ربما علم بها من الأوساط الفنية كام كانت الحال؟ لكن من أخبره بذلك؟ كلها أسئلة تدور بالخاطر وتحوم بفكر ساهر عندما يتعلق الأمر بعلمين من أعلام الثقافة في الوطن العربي: عبد الحليم حافظ وسعاد حسني وحبّ ساح معه ملايين الناس، هائمين في دنياه وما إذا كُتب له النجاح والكمال أم أنه بقي ينتظر لأن يبتعث من جديد! على كل حال فعندها كتب الشاعر نزار قارئة الفنجان كقصة وقصيدة سارع لا يلوي على شيء إلا وأن يرسلها للمعني أي المغني، فهل سيغنيها؟! مرّت الأيام وتحولت قصة هذه القارئة إلى إحدى أهم الأعمال الموسيقية في العالم العرب على الإطلاق. وفي يوم الفصل الأخير كانت الفرقة الموسيقية بقيادة أحمد فؤاد حسن في نادي الترسانة عام 1976 تصاحب عبد الحليم حافظ أمام الجمهور عندما أنطلق يصدح:

جلست والخوف بعينيها

تتأمل فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي.. لا تحزن

فالحب عليك هو المكتوب

يا ولدي

قد مات شهيدا

من مات فداء للمحبوب

أخذ لحن الأغنية من الموسيقار المبدع محمد الموجي قرابة السنتين وكان هذا اللحن عبارة عن ثورة أو قل طفرة موسيقية لم تحدث أبدًا على صعيد الفن إلى تلك الحقبة، فقد عمد الملحن أن يجعل لكل مقطع لحنين كلاهما من مقامين مختلفين، حتى يتمكن لعبد الحليم أن يختار إحدهما، مما أضفى على اللحن من تفرّد في حد ذاته وحتم على العندليب أن يختار كلا المقطعين بتغيراتهما وتبايناتهما العديدة حيث طفق يغني المقطع بلحنين مختلفين من مقامين منفردين ليصل إلى مرحلة فريدة في الطرب قائلا:

يا ولدي قد مات شهيدا من مات فداءً للمحبوب!

وهل كان كل ذلك بسبب الزيجة التي حُكيَ عنها أنها عاشت خلف الأستار؟ أم هي تعبير عن حب وهيام تحول إلى علاقة حميمة تحت أستار الزواج العرفي وذلك لمدّة سنوات وظل حبيس القلوب والجدران على حد سواء. على كل قُوبلت هذه الزيجة بالرفض التام من قبل المجتمع وقبل ذلك برفض عائلي صريح مما جعل الكلمات تصدح مناجية ذاك الحبّ:

بحياتك يا ولدي امرأةٌ

عيناها سبحان المعبود

فمها مرسومٌ كالعنقود

ضحكتها موسيقى وورود

لكن سماءك ممطرةٌ

وطريقك مسدودٌ.. مسدود

من الطبيعي وبعد حديث المطرب مع الشاعر أن يرفض الأول ربط الأغنية والقصيدة بقصة الحب الخالدة التي ذاع صيتها في كل أنحاء الدنيا، وخلدت في ذاكرة التاريخ الفنيّ العربيّ بالممثلة سعاد حسني، حماية لها واجلالا لتلك اللحظات التي جعلت الأغنية منها حادثة فريدة داخل اللاوعي الجمعي لكل عاشق لهما وولهان بفنيهما. لذلك فنحن نجد أن النصوص في هذا العمل تحتمل تفاسير متباينة إذ يمكن إسقاطها على الحرية وكذلك على المرأة التي لا تُطال. ودون أن يعلم أيًا من الذين شاركوا في هذا العمل أنها المرّة الأخيرة وأغنية الوداع وكانت حقيقة هي الأخيرة ورسالة الوداع الأخيرة، إذ رحل في العام التالي العندليب عن دنيانا، ، وقد اشتهرت قارئه الفنجان كثيرا لكونها آخر أغانيه من جهة ولقوة عباراتها ومضمونهما الحيّ من جهة أخرى، ذلك على كل الأصعدة: الكلمات، اللحن والأداء.

جلست والخوف بعينيها

تتأمل فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي.. لا تحزن

فالحب عليك هو المكتوب

يا ولدي

قد مات شهيدا

من مات فداء للمحبوب

فنجانك دنيا مرعبةٌ

وحياتك أسفارٌ وحروب

وتموت كثيراً يا ولدي

وستعشق كل نساء الأرض

وترجع كالملك المغلوب

بحياتك يا ولدي امرأةٌ

عيناها، سبحان المعبود

فمها مرسومٌ كالعنقود

ضحكتها أنغام وورود

لكنّ سماءك ممطرةٌ

وطريقك مسدودٌ.. مسدود

فحبيبة قلبك.. يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصود

والقصر كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسه.. وجنود

وأميرة قلبك نائمةٌ

من يدخل حجرتها مفقود

من يطلب يدها..

من يدنو من سور حديقتها.. مفقود

من حاول فك ضفائرها

يا ولدي

مفقودٌ.. مفقود

بَصّرتُ.. ونجّمتُ كثيراً

لكني.. لم أقرأ أبداً

فنجاناً يشبه فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي

أحزاناً تشبه أحزانك

مقدورك.. أن تمشي أبداً

في الحب.. على حد الخنجر

وتظل وحيداً كالأصداف

وتظل حزيناً كالصفصاف

مقدورك أن تمضي أبدا

في بحر الحب بغير قلوع

وتحب ملايين المرات

وترجع كالملك المخلوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق