سلايدرسياسة

وسقطت آخر أوراق التوت …!

فيضانات السودان … الغياب الممنهج على مستوى الداخل … رسائل الخارج والإقليم!!

مصطفى يوسف

إنها كارثة انسانية بكل ماتحمل الكلمة من أبعاد ودلالات ، لم تشهدها البلاد منذ أكثر من 100 عام، تفوق تداعياتها مجاعة عام 1906م، مئات الموتى، عشرات الجرحي والمصابين،، تهدم أكثر من 150.000 منزل، أسر مشردة في العراء، تلتحف السماء، تفترش الأرض، تتهددها الأمراض والآفات، تغالب الطبيعة، الفيضان الذي لم يحدث له مثيل،، لا مأوى، لاشئ البتة، إلا السماء، من لها غير الله؟!!هذا هو حال السودان الآن، الفيضان كان متوقعاً، يحدث كل عام، لكن ليس بهذه الدرجة.

لن أردد مقولات مقولبة أو اعتنق آراء معلبة، ضجت بها الأسافير وطفحت على السطح بالتفسير، تنحو اتجاهات متعددة متنوعة، تعيد الظاهر- وهي سنوية موسمية معروفة- إلى افتراضات ربما لا تتماس مع الحقيقة، ولا تندغم مع المنطق ولاتستند إلى العلمية.

تلك إرادة السماء ولا اعتراض على ذلك وماحدث أمر طبيعي، يتكرر سنوياً، ويؤول إلى ذات المآلات ويفضي إلى ذات الكارثة، ولكن بدرجات أقل، ولكن ماهو غير الطبيعي، ردة فعل أو استباق السلطات لها بالاحتياط القبلي ومن ثم التحرك البعدي.

أول ما يلحظ في هذا الخصوص أن الدولة بكافة اجهزتها المختصة بالكوارث وغيرها، كانت في واد آخر، غير ذي زرع ، ربما إلا في مخيلة أولئك الذين أدمنوا التعاطي مع الأوهام وبنات الأفكار التي يدحضها الثابت والمتحرك على الأرض.

ارتضت السلطات بكافة مستوياتها الغياب التام، لم تدعم المجهود الشعبي والذاتي لأهل القرى والأحياء والأرياف، الذين قدموا قبل وأثناء وبعد الكارثة، أنموذجاً هو ليس بغريب على هذا الإنسان الأسمر، في التعاضد والتكافل ونكران الذات، بالعون الذاتي واجهت الآليات زمجرت اندفاعات النيل، بالتتريس والتمتين، وتعلية البنيان، تعالت الصرخات في أوقات (الزنقة) ولا مجيب ولا مغيث، المسولون والوزراء يطلقون التصريحات الجوفاء التي لامحل لها من إعراب المأساة، (وحدث ماحدث)، لجان الحكومة تجتمع لتنفض وتنفض لتجتمع، نسمع جعجعة ولانرى طحيناً.

وزارة الري السودانية ضللت الرأي العام المحلي ببيانات غير دقيقة ولا مواكبة لارتفاع منسوب المياه والتوقعات المستقبلية،ليس هذا بيت القصيد، إنما مربط الفرس أن هذه البيانات كانت تأتي متأخرة بعد فوات الأوان.. وعندما لجأ المواطنون (وقت الحارة)، إلى المحليات لم يجدوا غير التطنيش والوعود الكاذبة التي ذهبت أدراج الريح، كسراب بقيعة، بل إن بعض المحليات سحبت آلياتها من أحياء وقرى إلى أخرى، قيل إنها تواجه خطراً أكبر، فكان أن دهم الخطر الجميع، غطى النيل وابتلع والتهم البيوت والأملاك..

الدولة للأسف لا تمتلك جهازاً  للاستشعار عن بعد، واستشراف الكوارث أو القادم، يطلق الإنذارات، حتى تتجهز بمكون للمواجهة، يفترض أنه في الأصل موجود، فتبدو في كل الأحيان كسيحة مشلولة، لاتقوى على شيء، تنتهج سياسة الحفر، تفكر في الخروج فقط دون أن تضع خطة لعدم الوقوع مرة ثانية، وهذا هو الذي يحدث باستمرار، بل حتى لجانها الموسمية التي تشكلها للطوارئ ومواجهة الأزمات، لا تعمل بالأسلوب العلمي الممنهج والسليم، يتأطر أداؤها في أضيق الحدود- كل الذي فعلت اللجنة العليا للطواريء أن أعلنت السودان منطقة كوارث لمدة 3 شهور- وهذا معطى تاريخي في هذا القطر الذي ابتلي وعلى تعاقب الأزمان وباختلاف توجهات الحكومات، بجهاز إداري معطوب، وقف به الزمان في محطات ماضية وفاته قطار تحديث الرؤية والتلاقح مع الجديد، وهو جهاز نجحت الانقاذ(لعنها الله) في تدميره وتفتيته والقضاء على ماتبقى منه، إلى الدرجة التي أصبحت معها الدولة لادولة، وتلك قصة أخرى، لكن هذه بعض آثارها.

عاب تحرك الدولة البطء الشديد، بل الغياب التام عن مسرح الأحداث، لضعف أو قلة خبرة وحيلة، إلا بعد فوات الأوان، بعد أن جفت الصحف ورفعت الأقلام، والأدهى والأمر ان الله لم يفتح عليها حتى لحظته، بكلمة أو بيان تواسي فيه من فقد روحاً، أو تعلن عن تسخير مالديها لمصلحة الإنسان، ولو من باب تطييب الخاطر والوجدان.

زيارات المسؤولين إلى المتضررين جاءت متأخرة، بل هناك مناطق لم تطأها قدم مسؤول، وإنسانها يئن تحت وطأة الانهيار وفقدان الأرواح والمأوى والممتلكات..

مسؤول كبير في الحلة غير الله انعدم

ماشفنا زول سكت صغير

ماشفنا زول رضع بهم*.. (عمر الدوش)

أي حكومة هذي؟ التي وصل الحال ببعض مسؤوليها مستوى تحميل مايحدث للمواطن الغلبان، فقد انبرى أحدهم للقول إن المواطن يصر على السكن بالقرب من مجرى النيل، تخيل!!، أي حكمة هذي التي لا تستطيع نقل الصورة والوضع وتصوير حجم المأساة للمجتمع الدولي، ليهب لنجدة الغريق؟!!

انعدم صوت وزارة الخارجية، فلم تدعُ سفراء الدول الشقيقية والصديقة لاجتماع، لتحملهم رسالتها لدولهم، البعض فعل ذلك بحكم المسؤولية وبوحي الضمير الإنساني.

الإعلام الرسمي شكل غياباً لدرجة التعمد، وترك المساحة لتغطيها الصحف الخاصة والمستقلة، والتي قامت بواجبها بجدارة، في الوقت الذي كانت تنهار فيه البيوت، وتتعالى الصرخات وثكلات النساء، كان تلفزيون ام درمان الرسمي، يبث الأغنيات ، وليتها كانت الوطنية، ويقدم برامج تغبيش الوعي وذر الرماد في العيون، على شاكلة كيف تصنعين تورتة البرتقال المحلاة بالشيكولا، ياسبحان الله، أي عقلية تدير هذه الأجهزة وبأي نظرية تدين، تلك جريمة لعمري ترقى لمستوى الخيانة العظمى! تخيلت برهة ان ماري انطوانيت، عادت من مرقدها، لتعيد تدوير مقولتها (لماذا لا يأكلون الكيك؟).

عرت الكارثة (المأساة) وفضحت الكيانات السياسية والتظيمات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني، التي انعدم وجودها ولو ببيان تعاطف أو مساندة، وهي التي ملأت الساحة تيهاً قبلها وخيلاء، كما أسقطت أوراق التوت عن بيوتات المال ورجال الأعمال، الذين لم يسارعوا بتقديم ما يجب في مثل هذه الحالات، بل واصطبغ تحركهم بالبعد الجهوي، وبذات النهج انمحى الدور الاجتماعي للبنوك وشركات الاتصالات، وهي التي إلى قريب كانت تملأ الأرجاء ضجيجاً.

كل هذا يفتح الصورة والمشهد على قراءات غير التي تتبدى في السطح.. تخيل شركات اتصالات تخصص جوائز بمليارات الجنيهات، لمسابقات تافهة، وتعجزها الحيلة عن أن تخصص ربع هذا المبلغ لاطعام جائع أو إعادة بناء جدار أو منزل انهد.. هل هناك مأساة ملهاة أكبر من هذا؟.

تحرك خجول:

لأن السلطة القابضة على زمام الأمر في الخرطوم- وهي متعددة متنازعة- لم تفلح في برمجة رسالتها بالسرعة والشفافية المطلوبتين، إلى المجتمع الدولي، لأي سبب من الأسباب، فقد نتج عن ذلك تحرك دولي خجول، على المستوى الدولي والافليمي، لايرتقي وحجم المأساة، وإن ارتفعت وتيرته بعد حين، مايبعث برسائل متعددة وفي مختلف الاتجهات، تحتاج لوقفة تأمل وإجلاء نظر، أيراد لإنسان السودان أن يدفع ثمن ثورته، وفاتورة التغيير، ويعود طائعاً مختاراً لبيت الطاعة لتقدم فروض الولاء؟.

الجامعة العربية أعلنت متأخرة عن اجتماع لتدارس الموقف، وهي في الأصل مغيبة ومتغيبة عن المشهد السوداني، منذ أمد بعيد، يد الإمارات كانت الطولى والسباقة، ومثلها السعودية وكذلك قطر، ليظل السؤال، اين بقية المنظومة؟.

لا احد ينكر ان هناك اجندات متقاطعة في السودان، على مستوى الداخل والخارج، أفرزت مواقف متباينة، تومض بإشارات، بالتأكيد ليس هذا وقت ارسالها، فالإنسان هو الأغلى، الأعلى، الأسمى والأهم!!.

كنت أتوقع تظاهرة إنسانية، تعيد البسمة لشفاه أضناها المسير حافية على جمر الألم والمعاناة، خاب ظني، فلعقت الندم، لكن التحدي ماثل، وتداعيات مابعد المأساة قائمة، تفوق إمكانيات الإنسان،الذي تخلى عنه الجميع، فهل من مغيث مستحيب؟!!.

*البهم صغير الحيوان من ماعز وضأن وبقر وغيره 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق