ثقافة وفن

فيضانات السودان

روايتي الأولى ” الأنهار العكرة”

عماد البليك

لم أعد اذكر لي أصدقاء، يقفون معي في مواجهة العبث، فالأصدقاء لم يعودوا ينابيع تغذي نهر الحياة بالمودة، أحيانا، تحاصرني فكرة الموت، أليس من الممكن أن يأتي الموت، فجأة، بلا مقدمات؟ ولأسباب مجهولة أخرى كان علىّ أن استمر في خوفي من الآخرين، أرى نفسي وحيدا، أعشق الوحدة، أحتاج إلى المزيد منها، كتبت لآمنة على شاشة بيضاء، كانت جرح طفولتي الذي لم يندمل بعد، رفضت تلوين خلفية الشاشة أو زخرفتها، أردت أن يكون اللون انعكاسا مباشرا لمبتغاي وليس حجابا عنه. كتبت: أحس بالوحدة، أحتاج إلى نهار آخر أولد فيه وأعيش من جديد، أحتاج نهرا من أنهار العتامير الحزينة العكرة أغطس فيه، لأغسل حماقاتي، أعيد تركيب ذاتي أنا وحدي. ستقول لي: أنت ولد لا تعرف الصبر. سأقول لها: نحن، هكذا، ولدنا في لحظة من جنون الزمان.

دفعت بالفأرة، مُحركا المؤشر على الشاشة، فكرت قليلا، نفثت دخان سيجارتي في الهواء، تصاعد الدخان على شكل تفاصيل صغيرة تُشكل ذكريات ميتة لم تعد تحتل مكانا في الذاكرة الصدئة. حاصرني دخان السجائر في الغرفة، كنت قد أغلقت النافذة، شعرت بالرغبة في التدخين مرة أخرى، قبل أيام زرت الطبيب قال لي: يجب أن تقلع عن هذه العادة الرديئة إنها تقترب بك من الموت. قلت له: عفوا حضرة الطبيب المحترم، ومن قال لك إني أخاف الموت أو أكرهه. عاين لي في حذر يرى عينيي الحمراواتين تفرزان دموعا، تلتحمان بضوء عمود الإنارة في الغرفة الصغيرة المعطرة برائحة الديتول وقال: الموت بهذه الطريقة يا ابني نوع من الانتحار. كان عجوزا يحاول أن يخرج كلماته نصائح مغلفة، يبرز معلوماته البائتة عن مضار التدخين، كان حلقومه عريضا، ربما دخن في حياته زمنا طويلا، لم يستمر في مراهنة الأسئلة والنصائح، تراجع، هل تذكر أن أمه أوصته في صغره بأن يمضغ الكلمة قبل أن يخرجها من فمه ” الكلمات يا ولدي مثل الرصاص، إن خرجت لا تعود مرة أخرى، إما قتلت، وأما ضاعت في الفراغ”. عرفت من أحد زملائي كان قد قابلني في السوق أن ذلك الطبيب متخصص في جراحة المعدة، ولا علاقة له بأمراض الصدر والسعال الذي كنت أعاني منه، حاولت إقناعه بأن الرجل ” طبيب صدر”، كان قد كتب ذلك في لافتة العيادة. بعد أيام عدت له، واجهته بالأمر، ضحك في وجهي، رمى بالسماعة بعيدا، حرك فأرة الكمبيوتر، استعرض شاشة رقصت عليها قلوب وأسنان وأمخاخ بليدة، حدثني عن العشرات من زملاء مهنته فشلوا في أن يكونوا أطباء متخصصين وناجحين مثله رغم أن الزمن كان أسهل، سب سخطه على زماننا الجديد والحياة التي تعثرت في دروبها.

أحسست بالملل، فتحت نافذة الغرفة. المدينة الساحلية تعيش الليل الموحش، لا أحد يمر في الشارع المجاور للبيت، كان الجو باردا، شممت رائحة حلم بعيد يحترق وراء الأزمنة والأمكنة. رأيت أمي تقدم لي زهرة بيضاء، قطفتها من جمجمة رأسي، بعد موتي، مكتوبة بلغة الهمس، تقول لي ” لا تفكر كثيرا في المستقبل”. أغلقت النافذة الزجاجية، عدت للجلوس على الكرسي البلاستيكي، أعاين الدخان الكثيف في الغرفة، الصاعد إلى السقف بلا هوادة، حركت الفأرة أخربش بالمؤشر على الشاشة البيضاء أشكالا غير مفهومة. أغلقت البرنامج، أعدت فتحه، رميت بالخربشات في سلة المهملات، أغلقت الجهاز، دلفت إلى سريري أحاول النوم، حاصرني الأرق، عدت أتحسس بيدي الحائط، أبحث عن مفتاح الإنارة في الغرفة، عثرت عليه أخيرا، ضغطته بعنف لم أرى مبررا له غير القلق، عاد النور للغرفة، رأيت جندبا يهرب من تحت طاولة الكمبيوتر إلى الدولاب.

جلست مجددا على الكرسي البلاستيكي المتأرجح كالزمن، شغلت الجهاز، فتحت النافذة البيضاء، أشعلت سيجارة المارلبورو الأمريكية الصنع محاولا التركيز في الكتابة، ماذا أريد أن اكتب؟ ليس ثمة ما يجمع الأفكار في أناء  العقل، كانت حياتي نوبة من القلق المتواصل. شعرت برغبة في التبول، فتحت باب الغرفة، دخلت الحمام، تبولت واقفا خارج المقعد اصنع أشكالا وأكتب كلمات غير مفهومة كنت مغرما بهذه العادة في طفولتي عندما كنت أخاف الجلوس فوق حفرة المرحاض، نظرت لوجهي في المرآة خلف الحوض المعلق، كأنني لست أنا.

من جديد، غلفني الاستياء، شعرت برغبة الانعتاق من العالم، لكن لا مفر، الحياة أصبحت حصارا متجددا يتغطى بفقاعات الأمل والطموحات الميتة وعلى المرء أن يصمد لأنه لن يستطيع أن يغير قدره. هل يفقد الإنسان الأمل ويغيب عنه المعنى؟ كتبت السؤال على الشاشة في النافذة المتحركة، لكني لم أشغل نفسي بالجواب. أبدو معتدلا أمام الآخرين وأعاني الجنون مع ذاتي، أهتز أمامها، اشعر كأنني أموت ببطء لذيذ لا أحد يعرف سره، لا أحد يدرك أنني أتغير أجرد نفسي من المعاني الجميلة التي كانت ديدني، صرت جحيما مع وجعي القاسي أعالج الوحدة بقلق أكثر ألماً. أخيراً قاومت الحزن، جلست من جديد على الكرسي، تعب الكرسي مني، لو كان له فم لتكلم، حركت الفأرة على الشاشة، بدأت أكتب لآمنة عن حزني وخيبتي. ارغب في البكاء الصادق، العودة العجولة لمرمى الرأس. أود مكاشفتها بالحقيقة الماثلة أمامي، إحساسي بالضياع واليأس والهجرة البخيلة التي لا تنتهي تفاصيلها، بدأت في الكتابة.        

“.. افترقنا في يوم عاصف، أعرف أنك قد قدمت الكثير لأجلي لكني كنت بخيلا، الفقراء مثلي لا بد وأن يعيشون على البخل حتى لو أنهم اغتنوا وأصبحوا سادة بعد أن كانوا عبيدا، كنا نقاوم الفقر سويا نعايش أزمنة أشبه بالسراب في صحراء العتامير التي عشنا فيها حياة أقسى من قهر الأنهار العكرة وأحزانها، كيف تعيشين، هل تغيرت الأحوال ” – لم أضع علامة الاستفهام أجهل مكانها على لوحة المفاتيح، ولم أكن في حاجة لها، فحياتنا استفهامات لا تموت -. كنت استخدم جهازا عتيقا، اشتريته بمائة دولار عند أول مجيئي إلى هنا كي أتدرب عليه، بدأت التدرب بعد أن حدثوني بأن من لا يجيد استخدام هذه الآفة لن يجد وظيفة ولن ينجح في العمل، وتعلمته بسرعة صرت حريفا فيه ألاعبه وأغازله في نهارات وليالي الاغتراب القاسية.كان بالفعل زمنا جديدا قد ولد يذوب كبرياء الرجال، وحين أطلت رؤوس الأيام الجديدة مضت الحياة سريعة مغلفة بالبطء.

عندما هاج النهر، انقطع التيار الكهربائي، البروق والرعود أغضبت الأهالي، كانت آمنة تتحسس طريقها في الظلام، بحثا عن عود ثقاب في المطبخ، لم تكن في الخرطوم، لتقرأ رسالتي في مقهى الإنترنت، كان بريدها قد تراكمت عليه الرسائل. في ذلك الليل الخريفي المخيف أشعلت الشمعة بعد أن عثرت على الثقاب تعلن عن ميلاد عام جديد لرحيلي، كانت تبكي في حين سرق ضوء الشمعة خلسة دموعها يقاوم عتمة الطين في مساءات الحزن الطويلة. كان زمنا للهروب الكبير عندما تعثرت دروب الحياة وانحدرت في مزلقاناتها في وجع كثيف، كان قدرا لم يملك الهاربون قرارا تجاهه سوى أن يستجيبون له، ينفذونه، وحسب. خرجوا بالألوف في زمن فقدت فيه الأشياء طعمها، ازدادوا فقرا على فقرهم واكتووا بعذابات الزمن الجديد الذي ولد فجأة بلا مقدمات. خرجوا لتحاصرهم جيوش الوحدة في اغترابهم، بدلوا الوظائف، والمذاهب والعادات بحثا عن دروب المال، لم يحلموا بالثروة الكبيرة، أصبحوا يشكون في كل ما حولهم، اكتسبوا طباع لم يعتادوا عليها، كانت الحياة أشبه بحلم عريض يعيشون بين جوانبه الأربعة فلا يميزون بينها. وبقدر ما كانوا مفعمين بالتفاؤل، والطموح الذي لا يمل، فقد تسرب ذلك الطموح في غرابيل الزمن، كان ميلادهم ورطة، ووجودهم ارتهن بالخوف الدائم من الآتي.

في مساء مشحون بفوضى المدن الساحلية، في صيف أخرس، تشتم فيه رائحة عرقك البذي، فتكره كونك من زمرة الآدميين، رن جرس التلفون في الحجرة الصغيرة، رفعت السماعة على غير عادتي، كنت لا أهتم في العادة بالرد على الهواتف، فالهواتف كلها مطالبات والناس في بلاد الغربة تأخذ منك ولا تعطيك. كانت الأيام تجري عل كيفها، وما كان ثمة من يقف مرة واحدة ليتحداها، يهتف ضدها بشجاعة، ما كان هناك قلب يحس بأنه سيعبأ بالأمل، كان الصراخ مستمرا: “لا .. لا ..لا”. ضد من ؟. وفيما؟. لا جواب، كل الأسئلة السهلة والصعبة تبدأ في ساعة القهر بكل الاحتمالات، لتكون إجاباتها ” نعم “، شاء الناس أم أبوا. أن تبدأ مشوارا جديدا في حياتك، وتردم حفرة الماضي، يعني أن تولد من جديد، أن تغير ملامحك وتفاصيلك، التي تحبها، أن تقطع أحلامك إربا.

جاءني ذلك الصوت الذي لم أسمعه منذ سنوات، كان مألوفا لي لكني عجزت عن إدراكه. قال لي: لم تعرفني يا بشير. صمت زمن قصير، بعده برقت الذاكرة وميضا للحظة خارج الزمن، خارج إطار الحاضر. قلت : أنت ؟ .. أنت؟. كانت جمل كثيفة قد اختزلت روحها في لحظة فجائية، لم أتوقعها، تصببت عرقا، كنت بالأمس أفكر فيه، منذ شهور وقد انقطعت رسائله عبر البريد الإلكتروني، غاب عن ساحات الدردشة، كان يدخلها باسم (بشير العبادي)، كان يحب أجداده  الذين بنوا مجدا  ذات يوم  في الصحراء، لم يكشف عن هويته ذات يوم ولا عن موضعه في الزمان والمكان، كان له رواد ومعجبين. رأيته في الحلم، أجلس معه، أكتب عنه رواية، نوع من الثرثرة، عن رجل تحول فجأة إلى ثري في صحراء العتامير،غيّر الموازين وقلبها، مارس التجارة الفضائية في الصحارى ونجح فيها و أقلق التجار التقليديين في دروب العتامير. كنت أكتب عنه خواطر وانفعالات، لكني لم أكن أظن أنه قد أصبح يطارد المطارات ودروب الصحراء الجديدة، كانت الصحراء الجديدة التي اكتشفها ممتدة اسمها الكون، يحط رجاله هنا وهناك، عقله الصغير مشحون بالأرقام والحياة الرقمية الجديدة.

لو قلت له كل هذه الرؤى والكلام، لن يصدقني، لكني لم أقل له شيئا، لم أحكي له عن ما أحدثه فيّ حلم البارحة، عندما عبر لعوالمي الداخلية، كان جالسا مثل سلطان يتحدى جبروت ذاته، يواجه دنيا لا أمان لها، لا فرق بين هذا وذاك، الأصل في الأشياء كما تعلمت من مدن العتامير أن الحياة تسير في جدول واحد تجاه هدف واحد، وعلى المرء أن لا يعكر مزاجه في انتظار الحياة الأفضل. عندما جلسنا سويا آخر الليل في فندق أمبسدور، كنت أحدثه عن جراحي في الغربة، لكنه قال لي: أعرف عمق جراحك، أدركه تماما.

كان موعد الطائرة في الصباح الباكر، وعليه أن يواصل رحلته إلى دبي، فرنسا، سنغافورة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلى اليابان، إلى السودان، تحاورنا في همس، قال لي: شعرت أخيرا بأنني أقترب من الحقيقة، أود ما كنت أطمح إليه في حياتي، طلقت عار تاريخي في الصحراء.

– (العبادي) .. هل من الممكن أن ينفذ الرجل من جلده؟

– أدرك أن شجاعتك كاذبة، منذ صغرك وأنت تخاف المغامرة.

– …………..

– عليك أن تواجه، تصادم، تبتكر عالما جديدا.

– الحياة مغلفة بالأكاذيب.

– عفواً، الأكاذيب تعيش داخلك، أجزم لك أنك لم تتغير، ولم تتقدم خطوة واحدة.

– أصحاب المبادئ لا يعيشون في عالم اليوم.

– عفوا.. أنت تهزئ

– هل أهرب من مصيري؟

نفثت دخان سيجارتي في هواء الصيف الحار في المدينة الساحلية أمام الفندق، ضرب الأرض بقدمه اليسرى كأنه يرفض طريقة حياتي، شعرت بأني أصبحت مجرد رجل عادي، بسيط، تأملت كلماته ” العبقرية والذكاء يمنحنا لهما الله، لا نتعلمهما في المدارس والجامعات، عندما لا نقدسهما، ونرعاهما يموتان، كل شيء في عالم اليوم لا تهتم به، لا يُلقي لك بالا “. ودعته في الصباح وهو يغادر في طريقه إلى مدن مختلفة، كان في رحلاته المتواصلة، ظننت أنه سيقودني معه إلى هناك لاشتغل معه في إحدى مكاتبه المتعددة بعد أن أصبح صاحب ثروة وجاه، قال لي وهو يودعني في المطار : حاول أن تجني ثمرة ميلادك ووجودك، لا تكن عالة على الحياة والناس، ما يزال في العمر بقية. في المساء جلس أكتب، كانت الكتابة عزائي الوحيد، وكان عليّ أن أفرغ انفعالاتي في مساحات بيضاء أسّودها بأشكال الحروف المقهورة الممهورة بلون الدم والحزن وصديد زماني.

لم يكن مجرد لقاء وافترقا، بالفعل كان زمنا طويلا رغم قصره عشناه سويا، لا يزال يندس في خدر الذاكرة لا يغادره، كنا نختلف لكن اختلافنا كان وديا أخويا للغاية، كان كل منا يكره أن يرى الأخر غاضبا، وبالتالي كان يكره أن يعامله بردة فعل القلق والغضب الذي يحتوي الإنسان ويغير صموده لأسباب مختلفة. أذكر يوم خروجي، كان قد ودعني يقول لي ” أتمنى أن تعود سريعا، وأن تعوض ما كنت تبحث عنه “. بعد الخروج كانت ثمة رسائل متبادلة، لكن الحياة تقتل كل شيء، انقطعت الاتصال بيننا، لكن القلوب ظلت كبيرة كما هي، لم يصل العتاب لمراحل الذروة. الناس تقدر الظروف إذا ما ملكت العقل والحكمة، وأحيانا لا تفهم، ومنذ لقاؤنا في فندق أمبسدور قبل شهور، انقطع التواصل بيننا، لم يعد العبادي مرئيا ولا مسموعا، غاب عن ساحات الحوار الرقمية والدردشة في الإنترنت، ربما كان مشغولا مع زمنه الجديد وتجارته الواسعة التي تجوب الفضاء. ذات نهار، ومض القلب، كنت قد عدت من عملي مبكرا غير العادة، فتحت البريد الإلكتروني، لم أتعود فتحه في النهار، “نيومسش”.. ” هي فروم عبادي “، قرأت الرسالة على عجل في المرة الأولى، وقرأتها في المرة الثانية بتمهل.

” .. أكتب إليك وأنا عائد من بيوت الطين في مدن العتامير، حدثتني في أمبسدور عن رغبتك في الزواج العاجل من آمنة، أعرف أنها رغبة قديمة. لقد رجعت صفر اليدين والجبين، بالفعل كنت مشغولا الشهور السابقة في رحلاتي التجارية التي انتهت بالموت السريع، أصبحت أكره وجودي، كنت أخال أن سفني رست في بر الأمان، لكن ذلك التخيل كان مستعجلا، لست خائفا على أية حال، الثروة تأت وتذهب، اشعر بقلق متواصل. لن تكون رسالتي هذه الأخيرة، لكنني غير قادر على التكهن بما سيحدث في الغد، أردت أن أخبرك بمأساتي قبل أن يأتيك خبرها من غريب، الناس لا هم لها إلا نبش الآخرين. صدقني أشعر بالراحة الآن، عمّا قريب سأبدا رحلة جديدة في سبيل أن أكون، أنا الآن، ربما أبدو بلا هدف، لكن صورة المستقبل لم تظلم أمامي، لن أعرف اليأس أبدا، يقولون أنهم اكتشفوا وادي من الذهب في صحراء العتامير قريبا منا، الكل ذهب هناك بحثا عن الذهب، ليجد حظه سأذهب معهم لأجد حظي. قوافل العتامير القادمة من جنوب مصر توقفت، الدولة أصبحت تطارد السيارات في النهار والليل، والتجار صاروا يسقطون أمام رصاص الشرطة بلا رحمة، ما أرخص دم الإنسان في هذا الوطن، يموت وهو يبحث عن لقمة العيش، والشرطة تنهب البضائع بعد أن تقتل التجار، وتبيعها في أسواق العتامير، كل شيء هنا أصبح مفزعا ومخيفا. قالت لي مكة أن أمك تشك في عودتك تعاني الظروف القاسية، غاضبة عليك تريد أن تمزق الماضي، لكن الحياة صعبت. كنت تقول سأخرج ولن يعينني قريب على ذلك، وكان ذلك، كنت تعد لي حزما من أقاربك خارج الوطن، في الخليج ولندن وأمريكا واستراليا، لكنك كنت تصر على الخروج بمفردك، لم تكن متحمسا لعون الأقرباء، تقول لي: الأقرباء في زماننا هم الغرباء عنا، كنت واثقا من مرادك. أكتب لك من مقهى العتامير في الخرطوم، وسأقص عليك لاحقا قصة هذا المقهى الذي أديره ولن أنسى أن أخبرك بأن آمنة تعودني هنا بشكل شبه يومي، الحياة هناك في الرميلة، كما هي، مدن العتامير أصبحت شيمتها النزوح، تطارد أهلها أين ما ذهبوا مقاصل الفقر..”.

  .. كلما تذكرتك في ليالي الشتاء القاسية، عرفت أنك لا تشبه هذا المكان ولست جزءاً منه، لقد حكموا علينا بالغربة عن هواك وفجروا في داخلك لعنة لا تندمل في زمن الفجيعة، أجل ليالي الشتاء ببردها وعواصفها الترابية التي تقذف بنوافذ الخشب المهترئة في ساحات البيوت الكبيرة هي التي ذكرتني، جعلتني أتضرع لله في تلك الليالي أن تلقى بالاً لذاتك، تحاورها، أن تفكر في جزء مما قلته لك أنت، أنا، نحن لسنا غريبين حتى تكون بيننا أسرار، نحن جزء من عالم واحد قاومنا أمواجه القاهرة في زمان الدميرة، غطسنا، وخرجنا لكن درننا لم يغتسل، لأن أحزاننا كانت أكبر من كل الأيام التي حولنا، أكبر من كل الذين حاولوا أن يعرقلوا مسارنا ويجعلونا مجرد أوثان لهم يحركونها كيفما شاءوا. أتذكر يوم قلت لك يا بشير: أنت رجل يشبه شجر الحراز في صموده ضد آلام الجفاف، وزيف الصحارى، أتذكر ذلك أم تحتاج أن أعيد لك كل شريط الذكريات المتعطل .. “.

” .. أعرف أنك تكره الماضي، تبغضه رغم حلاوته، تتعطش لمستقبل عريض ترى فيه أمانيك الهاربة من بين يديك دوماً، كلما حاولت ملامستها وجدتها كالماء تنزلق لا تبقى، تترك آثارا تجف بعد حين. أنت لست من أبناء هذا الزمان الزائف، زمن العورة الكبرى والرجال الذين لا يتعففون عن جهالتهم، لن أقول كفاك بكاء، من حقك أن تبكي وأن تقول لي بصوتك المبحوح المهذب، عندما يفقد المرء سلطان ذاته فلا يسأل عن هواه، وأدرك تماما أن هذه الحكمة هي التي تقلقك ضالتها، وأنك كنت تنوي غير هذا المسار لكنك ضللت الطريق، ومن يضل الطريق عن علم، فليتحمل عقبى الطريق ومشقة السفر..”.

“.. مثل نهر شفاف ليس كنهر طفولتنا العكر في مدننا الصغيرة الوديعة في أرض الشمال أراك وأرى فيك صوت معدياتنا التي تمخر النهر في هدوء لا تبالي بساعة التاريخ الدائرة، ولا لون الدم القادم من الجنوب في ماء النهر العكر، أراك تتسلى بالطين تصنع منه فتاة سمراء اللون تسميها «آمنة» تمارس معها لعبة الحب، تحدثها عن ليالي الانفراج الكبير القادمة، عن أحلام جيل التسعينيات، وعن بيوت الطين التي ستصير عمارات شامخة، وعن شبكات الإنترنت والطرق التي سوف تقربنا من ذواتنا قبل أن تقربنا من العالم. تضحك آمنة تقول لك: ” يا ولد، يا مجنون، الحضارة ليست ماديات، الحضارة روح وثقافة، وانتماء “، تموت آمنة بعد أن تحطمها في وجه الريح، ويصرخ من عمق الماء العكر طفل صغير يرفع يده، يخفضها، يرفعها مرة أخرى، يخطفها صارخا: «لا.. لا..، ساعتها أسمعك تقول لي «دعه يموت».. ألسنا كلنا في لعبة الموت نحيا..”.

“.. عزيزي بشير هل أيقنت بأن صراعنا في سبيل أن نكتشف معنى وجودنا كان بلا هدف؟ رحلتنا في مقام أن نكون، كانت بلا جدوى؟ ترفعنا بتأفف عن الآخرين ظنا منا بأن ناصية الخطاب والذكاء ملك لنا نحن، لا غير. لا أحب أن أجرحك أكثر مما أنت فيه، أو أقتل قلقك اللذيذ بعد رحلة البحث الدائب، أعلم بأنك الآن ربما تكون في أحسن حالاتك فهما للمغزى، وتماشيا مع الواقع دون كبرياء أو غرور. وتدرك تماما أن هذه الكلمات لو خرجت من غيري لما قبلتها، لكنها عندما تخرج مني أنا وبالذات فهي مقبولة، وواقعة في محل التفكير والسؤال..”.

“.. تشطرت الأحلام وترملت الأماني، لم يمت شيء، لا، ولم تغب نجوم ليالينا التي نقود بها قوافلنا في عتامير الشمال، ولم تتكسر صنارة الصيد، ها، أعرف أنك لا تجيد فن صيد الأسماك، وعبثا كنت تحاول أن تتعلم أن تكون صيادا بسيطا مثلي، ففشلت، كأنك كنت تقرأ غيبك، أجل، وأنت تفهم ما أعنيه تماما، وتفهم كذلك أن رؤانا قاصرة عن بلوغ الآمال. في ذلك الظهر قطعت الحبل، وقذفت به في الماء العكر، رجعت حزينا، لكنك لم تعتبر من التجربة، أنا نفسي لم أكن أدرك المغزى، لكنني فهمت الآن، أن خلاصنا في معترك الوجود، أن نناضل بثقة وطموح، وأن نغسل الخطيئة عن قلوبنا السوداء، فنحن نحمل دهرا مثقلاً بسوء النوايا، والأنانية، والغباء اللطيف..”.

“.. كان بلا شك يوما قاسيا، توقفت فيه قطارات الشمال تصفر وجها متأخرة عن ميعادها المضبوط في الماضي، قلت لي  كل شيء أخطأ في زماننا، إلا نحن ، كنت مغرورا، مليئا بحمق الشباب المثقف، تلعن الأجيال التي أورثتنا القطيعة والخوف من الذات، وأرمدتنا بأحزان الاغتراب. عطبرة آنذاك كانت عاصمة للحديد والبطش والنار، تخرج ضد الطغاة تشابه جوهانسبرج كما يقولون في كثافة عدد عمالها ودراجاتها التي تمشي بلا نفط، قلت لي: هذه مدن مصيرها الفناء، لأنها ولدت بلا تاريخ، أخذنا القطار على بطء تحت الجسر، ومن بعده فوق نهر عطبرة، كانت الدرجة الثالثة في القطار بلا أضواء، إلا من ضياء النجوم البعيدة التي تحاول أن تتسلل مستعجلة من خلال نوافذ القطار الكسول، كانت رياح الشتاء العاصفة في أمشير تذكرني بأشياء غريبة لا أقدر على تجميعها في ذاكرتي، كتلة واحدة منتظمة من المعنى، لربما هي نشارات خشب الحنين الذي قطعته سنون البؤس، كنا صامتين نراقب ما بدواخلنا ونتحسس أجسادنا نريد أن نذوبها في جسد واحد في ظلام القطار بعد أن نام المسافرون، هل كنا نرتكب خطيئة ما، أم  كنا نكتشف ميلادنا فجأة ، وأن حياته مجرد ورطة لا غير. عندما نزلنا في الخرطوم، أول ما قابلنا كشك الصحف، اشترينا صحفاً ومجلات، وبعنا مستقبلنا، كنا نكتب ونقرأ بفعل غير مسبوق، كأنما ولدنا لنكون ورثة للمعرفة، لكننا ورثنا الخوف من أن نصبح أقوياء، وأن نشق طريقنا في درب العالم، فالقطارات لم تعد بأنينها القديم، والأمطار لم تعد ببرقها الذي يكشف عن خير قادم، كل شيء تكلس بالصدأ، واغترب عن فحواه، وأصبحنا مجرد أقنعة تمشي في طوابير المدن الملعونة، نبحث عن ظل لنا، فلا نجده، عن ملاذ نستكين له، فنعجز، عندما يكون عجزنا ضعفا مستمراً، وليس قوة تعلمنا ارتياد الحياة والمضي قدما للأمام، هل تراجعت الأزمنة، وصار كل شيء ينخر فيه الدود؟..”.

“.. بيني وبينك شاطئ من الماضي عكرته الخطايا، كلما حاولت أن ألتمس لذاتي عذرا عجزت، كان قطار الشمال يحمل أفواج القادمين من الجنوب عندما صرخت في وجهي بعنف وقلت لي: إلى متى سنظل محاصرين بخوفنا، عاجزين عن مواجهة الأنا في دواخلنا؟”. ذلك هو يا عزيزي جرس الموت، فصدقني، وليس وراء هذا الجرس الجارف من مصير أو حلم، سنوات تفصل بين الحلم والواقع، والرغبة التي ماتت ودفنت في الحل والترحال والبحث عن مغزى، كنت تقول لي يومذاك أنني سأصنع حياتي وفق ما أهوى، وما أريد، لكنك لم تكن تدرك أن للعالم لغة أخرى، وأنه لا يعترف بالطموح، وان مقاييس الوجود موازين إلهية لا نتحكم نحن البشر فيها. وحدثتني عن آمنة تلك الفتاة القادمة من عنفوان البلاد الصحراوية، وقلت لي إنها تشابه «آمنة الطين» وكيف أنها استطاعت ان تدخل قلبك المظلم دون سائر النساء اللائي عبرن في صحراء حياتك القاحلة، كانت آمنة مجرد حلم مزيف، عمق جراحك، وإيمانك الذي بدأت تكتسبه في فوضى الوجود، في حين فقدت معنى الحرية والانتماء. أعرف أن جرحك كبير وعميق ومؤلم، يغطي ما بين إحساسك بأن تكمل المشوار، وان تستسلم للطموح، ودائما أيها الصديق القديم اللئيم، سوف تفتقدني دون شك، كأنك تفقد عضوا من جسدك أنت في أشد الحاجة إليه، لكن ورغم هذا تمتلكني ثقة عالية لا أعرف لها سببا، من أن بداية الطريق لك قد اتضحت الآن، وأنك سوف تحقق كل ما تصبو إليه، وقد لا تصدق ذلك، لكن جرس الموت الذي رن في أذني، لا يبالي، وسوف يستمر في الرنين. ثمة أمطار في الخارج، وبروق تشق السماء، وأحس بدوار، واحتاج لجرعة ماء، أيتها المدن الحنونة، هل من زمان جديد يعيدنا إليك؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق