ثقافة وفن

في وصف قساوة السلطة بشعرية رقيقة (2)

“لا نهزم السلطة بوردة” ج. إ. تادييه

عبد العزيز كوكاس

تجاه السلطة، لا خطوة تقود لغير الجحيم نحو الممالك الباذخة.. غريزة البدايات، سليلة النهايات، فتنة نرجس بانكسار صورته على ظل ماء الغدير.. لا تقبل بالنديم ولا الخصم، وتزج بعشاقها كما بأعدائها في خمر لذة النصر أو كرع كأس مرارة الهزيمة.. الكل لديها سجين، وحبل المودة فيها أقصر من حبل الكذب، لذلك لا يغويها لحن قرابة الدم، حنو الأخوة ووفاء البنوة، “فالسلطة لا تفسد قدرة صاحبها على الحب فقط بل تفسد أيضا تلقائية الحب لدى الغير، فصاحب السلطة لا يمكنه أبدا أن يتأكد من نزاهة الحب الذي يعلنه له الأصدقاء وذوو القربى، لأنه من الممكن بسهولة أن يكون هذا الحب محض نفاق ورياء، فضلا عن ذلك إن حب الرياء ينمو بما يقتات، فأولئك الذين يرفضون أن ينافقوا يغدون مكروهين منبوذين منفيين، في حين أن المنافقة يكافؤون”.

في السلطة يحضر الأموات دوما ليبرروا بقاء الأحياء، أو لنعيد كتابة التاريخ على ما تبقى فيهم من أثر.. السلطة فخ الطامحين، قلادة لأسر الأحلام والحاجة إلى أيقاظ الفتنة، حيث القبر يصلح لاستقامة الظهور المحدودبة.. لهاث التعاليم، حقول تزرع بالجثث وتروى بالدم ودماميل التاريخ.

في السلطة الكرسي مصيبة والجالس عليه دوما مصيب

فيها يصبح الحجام مسؤولا عن سقوط الصومعة.. لذلك فالداخل إليها مفقود والخارج منها مقدود، لأنها العتبة لعليا لتجسيد بعد الحق في امتلاك حجية التأويل حق العنف وتبرير الخروج عن السياق، وحق إرسال الآخرين إلى الحج أو الجحيم على حسابها الخاص، بيت الله أو بيت النار سواء.. وعدالة السلطة هي ما شخصه شكسبير في مسرحية “الملك لير”، الذي قال: “الكلب يطاع وهو يحتل منصبا”.

كل سلطة تتزين بعشب البراءة وتطعم الحشود أساطير دافئة لينسوا دموعهم كل ليلة حين يهجعون.. ويحرسوا على إزالة السخرية المرتسمة على وجوههم حقدا وكراهية.

السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئياته، هي الروح المطلق أو الفكرة الكلية لارتقاء الحيواني فينا من الأدنى إلى الأعلى، دون أن يتخلى عن بدائيته الأولى، أقصد وجوده الطبيعي، هي اللذة في استقطاب أقصى حد من الألم بغية الحصول على أكبر قسط من السعادة، لذلك تبدو السلطة العتبة العليا التي تجافي حدود العقل والطبيعة معا.

فليست السلطة جوهر حقيقة الفكرة الأخلاقية، إنها ديالكتيك هيجل مقلوب على رأسه، والذي أنتج بموجبه الدوغم أو المعتقد المطلق، كل الغيتوهات والغولاكات وأشكال لاغيوتين المستحدثة..

وعلى عكس الحب الذي يشبه طائر البليكان الذي يهب فراخه، حين تجوع، أحشاءه طعاما ينقذهم من سغب الموت، فإن السلطة مثل القطة الجائعة التي تأكل أبناءها ببلادة حينا وبذكاء ماكر أحايين أخرى.

حتى حين تقتل السلطة القمر، وتسدد لإلاه المطر الضربات القاضية، تظل تبتسم بين الجرح والجرح.. هي تضع دائما الملح حين يكون السكر هو المطلوب، ومع ذلك فعشاقها كثر، وما زالوا يتناسلون ويستمرون.

لا تترك السلطة للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم، وفستان أحلامهم.. تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم، هنا يتوحد المعتقل السياسي والمنفي والمضطهد مع لحاكم وحاشيته، أحدهما يشقى في نعيمها والآخر ينعم في شقائها، تلك فتنة السلطة السادرة في غيها.

هي أقوى من حرارة فرن الصائغ، على تذويب المحبين كما المعارضين مثل فص ملح.. فالسلطة عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.

عين لا تنام، لذلك فهي لا ترى جمال النخلة، سحر قطرة الندى كبذرة جمال على خد وردة، نفح الطيب وشذى الأحلام الرغيدة..

رغم دواء الديمقراطية، تنتشر السلطة مثل السرطان، حتى في التفاصيل الصغيرة حيث تؤاخي الشيطان.. ومع ذلك فهي ذات أدب جم، توشح المغضوب عليهم بأوسمة شرف وبكلمات من المديح الطيب، وتمشي في جنازة من تكشطهم بسرعة البرق، وقد تبني لهم التماثيل وتطلق إسمهم على شارع رئيسي بالعاصمة.. لغز ساحر هي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق