ثقافة وفن

أبنوسة ونخلة

عطبرة … حديد النضال ونار الهوى(4)

أسامة الطيب

تحدثني “عطبرة” عن نفسها، عن النهر الذي ما رفع عينه يوماً في عينها، لم يكسّر فيها بيتاً في تاريخه رغم انحداره العنيف، ورغم فيضانه بالغ القسوة، حتى لتكاد “علب الكوبري” أن تختفي، ولكنه يظلّ ملتزماً ضفافه ، وحبّ مدينته التي أخذ اسمها فطاع لها، وضاء معها في ليالي المدن، يكاد يحتفظ بعكارهِ المبين ، الضارب للحمرة، حين يلتقي النهر الكبير القادم من الجنوب “نهر النيل” ويتعانقان، يتبادلان الونس والسمك والأمواج، وكلّ يحتفظ بحدوده وما يمور داخل عوالمه السابحة، وذاكرتة السائلة، بينهما برزخٌ لا يبغيان، كلّ يحتفظ بمياهه ويجود بعذوبته كلها، النهر سرّ أمّه المدينة، يحفظ لها أحاديث عشّاقها ويبوح بعشقه فقط، وقد ظلّ على سنوات جريانه الطويلة، متيمٌ ولِهٌ ، يتبتّل في محاريبها، وضِفافها، ويبعث في طميه المتراكم سرّ خصوبة التراب الكريم، فيشتعل النيم اخضرارا يكسو سماء المدينة باللون، وأرضها بالظلّ العميم، المستديم، حتى تبدو رأس المدينة بضفائرها الخضراء المتشابكة، “بوب مارلي” وشعره المتهدل، من سماءٍ وأرضٍ وبيوتٍ عامرة، وجموعٍ من الناس تسعى بالغناء الوسيم والقيم الرفيعة، يمسكون بجيتاره، يهيمون بطربه ،ولكنهم يغنّون معاني “الخليل”.

تحدثني الشوارع، بنظافةٍ مشهودةٍ ،فائحة الرائحة، لا تكاد ترى الشمس فيها ولا هي تراك، وكأن الظلال فيها سجادةٌ إلاهية، برّ بها الله شوارع “عطبرة” ، ربما لحرارة دمائهم ، و ثورتهم الجامحة ، المستمرة، وربما لاخضرار قلوبهم ، ومعرفتهم الأكيدة بلغز الحياة ، يمشون في مناكبها مرفوعي الرؤوس، تعلوهم هيبةٌ، ووسامةٌ ، وضكارة ، يعرفون البلاد من روائحها – وللمدن روائح كالنساء والورود – و يحسنون معرفة العباد جميعاً – وللعباد ألوانٌ كالبحار وذاكرة الشعراء – ، فسائق التاكسي فيها لا يعبأ بوصفٍ أو عنوان، ولا يسأل عن رقم منزلٍ أو اسم شارع، فقط يسألك عن اسم صاحبك ، وهو يكمل لك باقي السيرة، وشجرة العائلة إلى أن يوقفك أمام الباب، ويسبقك للدخول لأهل الدار يطايبهم، ويؤانسهم، ويودع في قلبك قصةً لكتاب الحكايات النجيبة (الحلة كلها من بعض، تنضم مع ال ف آخر الفريق، تحكيلو قصة تقصّها، ان نفسو فيها تحسّها، وأن ماها فيها تحسّها) وهذا أصل فكرة الخلق، وأمضى معنىً لكنهها ، وحبل قصتها السرّي المتين ، الذي يوصل بين الخليقة والخلق لا يراه الا العارفين، الذين خطا بهم الدهر صوب سدرة مشتهاهُ من أطايب الروح.

تقودني، وهي تمسك بيدي صوب محطة السكة حديد الرئيسة، والأحياء تبهر بنظافتها ، الشوارع كأنها تنام في الصابون وتصحو على حبل الغسيل، مع ديَكة الآذان الأول، والنيم يحاصرك بكثافة خضرته وثماره فاترة الطعم، حسيسة العطر، لا تهتزّ كثيراً ، رغم مسار النسيم المنتظم، لكنها توشوش في أذنك بأغنيات العصافير على أغصانها، لا تكاد تراها، فقط تحسُّ بملمس الريش في يدك وهي تطلق صوتها الفرِح الرشيق، و المحطة عبر بوابتها العتيقة تقودك إلى مبنىً قديمٍ، نظيف، ظاهر الهيبة، يمازج بين التراث والحداثة ، تقابل مكاتبه بنوافذها عتيقة الخشب و”الترابيس”، خطوط القطارات أمامه، و الرصيف يحدّث عن هندسةٍ شديدة الدقة، تتناثر أمامه المقاعد، تحتفظ بأسرار العشّاق، والعمّال ، و التلاميذ في خروجهم على الاختبارات، يتحاشون عيون المدينة التي تعرفهم جميعا، فيتجنبونها بإطالة النظر للأرض، والصافرات تتجول بينهم، وأصوات القطارات، تخرج وتدخل في همةِ نحلٍ، و رشاقة قبيلةٍ من النمل، لا تعبأ بالعالم من حولها، تمضي واحدةً ، وتعود جماعةً، و ساعةُ المحطة ترسل أنفاس ثوانيها لتوائم النبض، فتبدو لوهلةٍ وكأنك هي من فرط تكتّها في الفضاء حولك، تخلو المحطة من البائعين في رصيفها على غير عادة محطات القطار، فقط توزّع “مواسير” المياه على الممرات، وتشرع أبواب متجرها الكبير في قلوب الروّاد والأهل، فتزداد مهابةً ، وجلالاً، وحداثة.

تفتح “الكتّاحة” فيها سيرة دفنٍ لذيذ، و تبادلك تحيتها العبِقة بناعم التراب الذي يستوطن ملامحك كلها، فتصحو من الأرض وإليها، وكأن “عطبرة” هي مهبط العاصفة ومسراها ومعراجها الأبديّ، لا تدانيها في ذلك مدينة، ولا تجاسرها قرية، ولكنها تخرج منها أكثر نصاعة، وتعرف كيف تورثها لأبنائها، عزائم، وقوة احتمال، وطول بال، واحساس عالٍ بالناس والمعاني، والمدن النبيَّة تورّث وترِث، وتهدي، ويُهدى إليها، وهي تفرّ ابتسامتها تحتضن أنهارها، وتغذّي ورودها بفائض عطرها النضالي العظيم، تغمض عينيها، تغني في صلاةٍ خاشعة، وترتّل سور تاريخها المجيد، وأحسّ كأن قبضتها بدأت تضغط على يدي أكثر، وأكثر، وكأني أغرق في مدار مغنطيسها شديد الجذب، فأهذي بأحلام الرفاق (التراب يتشهّى حِنّك  السحاب عابر يفوت واللاّ يكمُد للعيون، بالغبار غُمّة وسوافي، وانتي يا آخر المرافي،

يا ام وجوداً بات خرافي، في صحاريك داخ غفاريك من برد زمنو الرِّعافي، دون كواريك مات واتاريك غبتي بي كل المدافي، يا لساريك لاك موافي، ولا كمان قادرين نسيبِك نمشي في الزمن المجافي، وما عهدناك عد تخافي) قالها “حميد” العظيم وهو عطبراوي عتيد، أبعده “طعم الدروس” من حضن أمه لحضن أمه الجديدة، وكانت كلما تذكره، يزداد ضغطها على يدي، ونحن نمشي، على كورنيش مدرسة “عطبرة الحكومية”، تقابل النيل بطابقيها العتيقين، تقف معتدةً بنفسها ، تهشّ في وجه  الكورنيش، كأنها تمنح النيل الهيبة، وكأنه يمنحها انسياب الحياة الكاملة ، مشهدٌ لا تلتقط حساسيته كل كاميرات الدنيا، يلتقطه القلب وحده، وحركة نبضه المتجوّلة في الأمكنة، ومسارات انفعالاته هنا وهناك، تطير حمامةٌ من حس، وتلمع نجمةٌ من خاطر، ويسيل ندىً من خدود الورق أمامه حتى يبتلّ خياله الطفل، فتغني الأرض تحته، ويفيض في النهر نهرٌ، وتغني البلاد(أنا العبّيت مخاليِّ ريد وقُتْ لكْ يا الحبيّب هاك، انا القبِّيت لويبي الإلفة القِّم في جِديْ محياك، انا ال باسمك بقيت مهووس، وبي رسمك ببيت محروس) فكأنك تسمع ساعتها الحوار الأليف بين المدرسة والكورنيش والنهر والأشعة البيضاء تهفهف عند منتصف (أيوة شفتك في الدغيش سايقة المراكب لي بلدنا) بصوت ابنها الجميل “علي محجوب فتح الرحمن” ومن بعيد، تطوف العجلات في مدار المدينة تدور حولها، فتنتج ليلها الخاص، وندور عكس عقارب ساعة المحطة، فيتولّد صباحها الجديد، الذي يبدأ مع الصفارة، والقطار داخلٌ، ولا ينتهي بخروجه،  فالمدينة داخلةٌ لا تعرف الخروج من جلدها الذي فتّحت أيام النضال مساماته فاكتسى بالعرق والنسيم يطوّف من حوله، و”العطبراوي” الفنان يمرر يده على جبينها  و يذكِّر سنينها الماجدة بروايات الجغرافية ، وقصص التاريخ.

و”عطبرة” حين تطلق صفارتها، تلمّ عمّالها بعجلاتهم ، و شبابها بعزمهم، ونسائها بأبهى أقاصيص زغروداتهن ، تقف على أعلى الكوبري، و”العطبراوي” النهر يلاحق قضيب القطار بألسنة أمواجه ورذاذها، تعرف أنها حين تمدّ يديها فإنها تحتضن كامل البلاد، وتدسّ في جيبيها الكبيرين، سيرة إنسانٍ كرمتّه الأرض بناعم ترابها، وخشن عيشها، وشظف حبّها الصعب ، فكرّمها بالضكارة ، وشدّ على يدها مبايعاً، يرسم أغنياتها وشماً على قلبه، وحناء في كفوف نسائه (يا رسول البسمة للأطفال بشارة نيل بلادي ،يا طليقة الغيم عروس طين البوادي ،المناديل بانتظارِك والايادي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق