ثقافة وفن

أسرة من زنجبار تناضل لإنقاذ ميراث شاعر

حاجي جورا حاجي (1/2)

أماندا لاي ليتشتنشتاين – ترجمة: أحمد شافعي

حاجي جورا حاجي يكلم الأشباح. هو في قرابة الخامسة والثمانين، وهو من أحظى شيوخ زنجبار بالاحترام والتوقير، ويعد بصفة غير رسمية أمير شعراء الأرخبيل. يقضي الصباح في سريره ملفوفا بستائر البعوض، هائم العقل بين العالم الحقيقي في غرفته الصغيرة التي تلهبها شمس بوبوبو الحامية، وبوبوبو قرية صيد صغيرة تقع على بعد خمسة أميال إلى الشمال من عاصمة زنجبار، وبين عالم الموتى الخيالي.

يقول ابنه، المسمَّى أيضا حاجي، وهو الآن في الأربعينيات من عمره، إن “أبي رجع إلى حالة الطفولة، وذلك مذكور في القرآن. وواجبنا أن نعتني به ونحرص على أن يتذكره الناس”.

فضلا عن الأشباح، تعيث في عقل حاجي دورا دوامة عمر من الشعر المحفوظ، ومن ذلك قصيدته كيمبونجا (الإعصار) التي كتبها عن ثورة زنجبار العنيفة. فتراه كثيرا ما يقطع الحوار ليتلو أبياتا:

في يوم من الأيام هب إعصار

في بلدة سيايو هذه

لا على هذا الشخص أو ذاك

كانت الفوضى عارمة

خلع شجر الباوباب ـ من جذوره

ومرَّ على النخل

بردا وسلاما

والقلوب انخلعت.

تطايرت الصخور

مضت تتدحرج وتتدحرج

غرقت السفن الكبيرة أمام ذلك الإعصار العنيف

والعربات التي تجرها الخيول

نجت

والغبار لم يثر

لكن القلوب انخلعت.

لحاجي حورا إسهامات هائلة في الشعر السواحيلي، بل وفي اللغة السواحيلية نفسها. يعرف أكثر ما يعرف بـ كيمبونجا، كتابه الأول، المنشور سنة 1994. أصدر بعده ستة كتب شعرية منها “ملحمة النبي سليمان بن داود” و”أسرار جينجينجي”، وكذلك خمسة كتب للأطفال صدرت جميعا في مطلع القرن الحالي. وفي عام 1999، كان ممثلا للشعر السواحيلي في مهرجان روتردام الدولي للشعر، وفي 2006، وضع أول قاموس للهجة كيتُمباتو المتداولة في جزيرة تمباتو وتقع على مسافة نصف ساعة في البحر من سواحل شمالي أونجوجا التي ولد فيها الشاعر.

برغم كثرة إنجازاته، يعيش حاجي جورا فقيرا، في شبه عزلة تامة. صحته تتدهور، والعارفون بأهمية أعماله حائرون في كيفية الحفاظ على إرثه. يتولى اثنان من أبنائه، هما علي وحاجي، مسؤولية رعايته بصفة أساسية في بيته بـ بوبوبو. يحرص علي، وهو شاب في الثامنة والعشرين، أكمل مخطوطتي ديوانين من شعره الخاص، على أن يكون هاتفه مشحونا طوال الوقت ليكون مركز اتصالات أبيه. وحاجي، معلم تربية إسلامية سابق، خافت الصوت، لديه السلطة القانونية التي تخول له تولي شؤون أبيه. ويحلم الأخوان معا بيوم تقام فيه مؤسسة جورا حاجي لدعم أعمال أبيهما وأرشفتها، وتحوي مكتبة صغيرة ومكتبا على مقربة من بيتهم لعرض كتب أبيهما واستضافة الفعاليات الشعرية. ولكن في غياب التمويل، تبقى هذه الأحلام خيالات في الهواء.

تأمل الأسرة ـ ولا يزال عشرة من أبناء حاجي جورا على قيد الحياة ـ بأن يدر كتابان حديثان بعض الدخل. كتاب “حياة حاجي جورا” وهو سيرة كتبها الصحفي الزنجباري علي صالح ونشر في 2016، وكتاب “الهادئون” الذي حرره كل من فلافيا آييلو تراوري وإيريني برونوتي وهو عبارة عن مجموعة من أعمال حاجي جورا الأخيرة ينتظر نشره في وقت لاحق من العام الحالي. وبرغم أن كتاب علي صالح قد أدرَّ إلى الآن قليلا من الدخل، فإن العقد الذي وقعه حاجي جورا مع الناشر ـ في حفل عام في يناير 2018 ـ لا يخول له غير نسبة معينة من العائد في أثناء حياته، ثم يشترك علي صالح والأسرة في هذه النسبة بعد وفاته.

وحتى في حال إدرار الكتابين بعض النقود، فما من سابقة تذكر في زنجبار لرعاية إرث فنان. وتشير أسرة حاجي جورا إلى مصير المطربة الأسطورية فطومة بنت بركة المعروفة بـ بي كيدودي. عرفت ببلبلة زنجبار الحبيبة المغردة، وماتت مفلسة في ابريل 2013 وقد تجاوزت المائة. ووقعت تركتها في وحل خلافات حول من يمتلك حقوق أعمالها وصورتها. ولم تتحقق الأحلام بإقامة منحة بي كيدودي لدراسة الموسيقي للنساء، أو مركز بي كيدودي للزوار في بيت المطربة الراحلة. وتخشى أسرة حاجي جورا أن يلقى الشاعر مثل هذا المصير.

ولأن بعض أعمال حاجي جورا الأولى غير متاحة في طبعات نهائية، بل ومنها ما ليس متاحا في أي طبعات على الإطلاق، فهي معرضة لخطر الاختفاء التام، ليختفي معها نصف قرن من تراث زنجبار الثقافي. يقول لي الكاتب علي هلال: إن “حاجي جورا ليس أكبر كتّاب زنجبار الأحياء من حيث السن فقط، بل من حيث الفن ذاته. وليس بوسعنا المضي في ترويج أدبنا بدون الرجوع إلى الوراء والنظر إلى الأدب القديم. لو فقدنا رجلا مثل حاجي جورا، فإننا نخاطر بأثرى أشكال هذا الفن وأعتقها وأعرقها، فلا يراها شباب اليوم، ما لم نحفظها، ونتعلم منها. إن كتّاب زنجبار القادمين يستحقون أن يعرفوا عبقرية حاجي جورا. ومستقبل الأدب الزنجباري يعتمد على هذا”.

شأن كثير من الأطفال الذين يولدون في زنجبار، كان البحر هو الذي صاغ حياة حاجي جورا. ولد ـ بحسب أغلب الروايات ـ سنة 1933 (بدون شهادة ميلاد، فلا يعرف له أحد تاريخ ميلاد محدّدًا) وتعلم قراءة إيقاع الأمواج قبل زمن طويل من إمساكه القلم والورقة. كان والده جورا حاجي قبطانا بحريا وصيادا محترما ووالدته مايزي مجومبي جوما ربة بيت. وبرغم أن حاجي جورا لم يتعلم الكتابة والقراءة رسميا قط فقد علمه أحد أصدقاء طفولته حروف الهجاء كما التحق حاجي جورا بمدرسة دينية لتعلم القرآن (وغالبية أهل زنجبار مسلمون). ومثلما كتب علي صالح كان حاجي جورا “يتسول” الدروس “ويقترضها” إلى أن تعلم القراءة والكتابة بمفرده.

حينما بلغ الرابعة، انتقل حاجي جورا إلى حي إمباير المزدحم في مدينة ستون تاون التاريخية بجزيرة أنجوجا (وهي الجزيرة الأساسية في زنجبار التي حملت اسمها سينما شهيرة وصورت فيها أفلام هوليودية كثيرة. في مراهقته كان يتسلل إلى سينما إمباير ليشاهد الواردات الأمريكية مثل “20 ألف فرسخ تحت البحر” ثم يقصد البراوا (وهي أرائك حجرية طويلة) ليحتسي القهوة السادة المركزة ويثرثر مع أصدقائه حتى حلول المساء وهم يلعبون الباو، وهي لعبة لوحية شائعة في الساحل السواحيلي، وينعم بنسيم البحر وما يحققه من استرخاء عقب قيظ النهار.

في أربعينات القرن العشرين، كان حاجي جورا كثير التنقل بين تومباتو الهادئة وستون تاون الصاخبة مستلهما شعره الأول من كلا المكانين. وفي تلك الأيام كان السلاطين لا يزالون يحكمون، برغم أن البريطانيين أيضا كانوا يتولون حكم زنجبار إداريا. وفي عام 1963 وقعت الاضطرابات السياسية وقامت الثورة لتشهد زنجبار شهرا واحدا كانت فيه دولة مستقلة قبل أن تندمج مع تنجانيقا Tanganyika سنة 1964 وتصبحا ما نعرفه اليوم بجمهورية تنزانيا المتحدة.

وفي حين تحول الأفق السياسي في زنجبار على مدار العقود، بقيت الثقافة الساحلية السواحيلية مركزية في حياة الجزيرة. ويرصد حاجي جورا حبه للغة حتى يجد جذوره في النجوما، وهو عزف مدوٍّ آسر على الطبول جاء من الكونغو. وهو من تراث البانتو الذي انتشر في زنجبار من خلال تاريخ العبودية المظلم ومع التجارة بين الداخل الأفريقي والساحل السواحيلي وكذلك مع الجزيرة العربية. وللنجوما أشكال عديدة، لكلٍّ منها إيقاعاته وأصواته، وقد انجذب حاجي جورا إلى “نجوما يا كيباتي” الذي يقوم على حوار مرتجل سريع بين مجموعتين من الطبول يبرز المغنون والراقصون إيقاعاتها بأبيات مكتوبة للكورال.

في مراهقته المتأخرة، انضم حاجي جورا إلى “زايجي ونجامبوا، وهما فريقا طبول متنافستان. كان إيقاع الطبول يثير شعرا مرتجلا مقصودا منه تصحيح الأخطاء الشائعة أو التنبيه العلني لأولئك الذين تجاوزوا الحدود بطريقة أو بأخرى. فألف مئات الأبيات التي تتراوح ما بين محاورات مطولة ومقاطع ثلاثية حادة، وكثير من ذلك لم يدوَّن قط فلا وجود له في غير ذاكرة حاجي جورا:

لا تشرب

لا تشرب الدنيا، عليك أن تقتسمها مع الآخرين

للإمام لعناته وللتابعين أيضا لعناتهم

والدنيا أظلمت، من أفعال البشر

ليس البشر أخيارا

البشر ليسوا أخيارا، مؤكد ليسوا أخيارا

ومن تثق فيه، وتبدي له الرحمة وتأتمنه على سرك،

ذلك تملأه الضغينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق