ثقافة وفن

الأبعاد الجمالية والدلالية في “أضغاث ربيع”

للقاص عبد الرحيم سليلي

محمد بوزكري

تمهيد:

يعد السرد أداة من أدوات التعبير الإنساني، باعتباره فعلا يتخذ صفتي الواقعي والخيالي مرجعا للحكي، وجوهر الوجود الإنساني الذي لا يتحقق إلا به وبتجلياته، لكن دينامية الفعل الثقافي والمجتمعي والمعرفي، ولد وضعا أكاديميا يتسم بالاضطراب فيما يخص الاستقرار على رأي واحد عند تعريف مفهوم السرد. الأمر الذي كان له بالغ الأثر في الدراسات النقدية الحديثة التي اهتمت بالخطاب السردي، هكذا يستدعي التفكير في مجال الإبداع السردي تجاوز الرؤية الأحادية للعمل الأدبي، التي حصرت النص في مقوماته البنائية، وجردته من كل استعمالاته الخارجية التي يمكن أن تضيء الكثير من التباسه المعرفي والجمالي

فإذا كانت الرواية كجنس أدبي تنطوي على فكرة اللاكتمال، فإن القصة القصيرة تنضبط في سيرورة تشكلها إلى هذه اللعبة الباختينية أساسا، بمنح القارئ سلطة معرفية، يحمل بها النصوص إلى مدارات تأويلية عديدة، استنادا لمرجعياتها التخيلية القائمة على الاحتمالي وليس الواقعي، لأن اللغة في مضمار السرد أداة تقرب الواقع ولا تحاكيه.

عرفت القصة القصيرة في ظل تنامي الإشكالات المجتمعية زخما كبيرا في ابداعيتها وفي تلقيها تجارب الذات، وتجارب العالم بشكل جديد، يستغني عن الثرثرة والاستطراد والتعبيرات الخيالية المحومة، ليقدم لغة قصصية تحتفي بالتكثيف، والمكاشفة، واستبطان تفاصيل الواقع، وقراءة الأشياء قراءة جمالية، لغة ترنو إلى قراءة الذات وانعكاساتها على الواقع، لا العكس انعكاس الواقع عليها، لغة فيها مزيج من الغناء والدراما والبكاء والوصف والرصد والتتبع، لغة تمزج فيها الوقائع سرديا، وتجوهر فيها الشخوص وتتعدد الأمكنة.

على ضوء ذلك صدرت المجموعة القصصية ” أضغاث ربيع” للكاتب المغربي عبد الرحيم سليلي، سنة 2019، والحائزة على جائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي، تتألف المجموعة من 13 قصة، وتقع في 158 صفحة من القطع المتوسط. وقد جاء في تقديم هذا العمل الإبداعي ما يلي: هذه المجموعة ” تكشف لنا قدرة القاص ليس في سرد الأحداث وبناء النص فنيا وجماليا…. بل اهتمامه كان بقاع المجتمع وتحولاته المختلفة”2 وهذا ما تمثله النقد الفني في الفترة المعاصرة، باعتبار الإبداع الأدبي له وظيفة دنيوية يجب أن يكشف عنها القارئ من خلال تأمل موضوعات النص القصصي بشكل يؤمن مشروعية القراءة.

تطرح المجموعة القصصية ” أضغاث ربيع” عدة قضايا تشتبك فيها الأحداث وتتداخل، مؤطرة بأسلوب يقوم على التشويق والمتعة الجمالية، حتى أن كاتب هذا العمل الأدبي، يحاول بشكل أو بآخر أن يحدث في نفسية المتلقي ما يمكن تسميته ” بالدهشة السردية” القائمة على تكسير خطية فعل الحكي، كأني به يريد أن يتجاوز قواعد الكتابة السردية المتعارف عليها.

جماليات القصة القصيرة ومنطق السرد في “أضغاث ربيع”

جمالية التكثيف:

يقال في اللغة: كثف يكثف تكثيفا بمعنى؛ يجمع، والتكثيف في السرد هو تقطير للحكي وتصريف العديد من القضايا والدلالات في نصوص قصيرة لا تخلو من صياغة أسلوبية وفنية منذورة في بناءها الداخلي إلى قواعد الصياغة السردية، ولحداثة الفن القصصي الراهن. ويتبدى ذلك جليا في الجزء الأول من المجموعة ” نيران شقيقة” بحيث أن جميع النصوص الواردة فيه تتميز بتقنية التكثيف الدال وهو ما تابعنا أثره في النص الآتي ” صك اتهام”

هو، هو، سيدي…هو الوحش ذاته، اللعين ابن اللعينة.

وماذا حدث بعد ذلك؟

انهال عليّ بكل ما أوتي من قوة…

هل كنت بين المتظاهرين ساعتها؟

كنت أتبول على جثة جندي قتله المتظاهرون سيدي

يبدو انطلاقا من هذا المقطع السردي، أن انشغال كاتب القصة القصيرة بالعديد من الاختيارات الجمالية في الكتابة، منها التكثيف، الحوار، اللغة، التناص…إلخ. كان له أثر واضح في تصريف رؤاه الفكرية والفنية، على اعتبار أن الجمال في الفن ” لا يعني إغماض العين عن السلبيات والتناقضات داخل المجتمع العربي. إن تصوير القبح في الواقع عمل جيد جدا أيضا، وضروري لتغييره، لأن الجمال هو الصدق، وتصوير القبح يعني لفت النظر إليه ونقده، والدعوة إلى محاربته بهدف خلق المجتمع الجميل حقا”.4، وهو ما جسدته بحق هاته المجموعة القصصية “أضغاث ربيع” بتعريتها وكشفها لواقع سياسي واقتصادي، وثقافي متردي، كان مأمولا تغييره في فترة تاريخية معينة سميت ” بالربيع العربي” والذي أتى في سياقات عالمية ومحلية، سادت فيها نوعا من الردة الحقوقية والاجتماعية والأدبية أيضا.

ومهما يكن من أمر فإن سوداوية اللحظة ( الربيع العربي) كانت باعثا موضوعيا للكتابة، ومدخلا أساسيا لانفتاح رواد الحساسية الجديدة على “أسلوب التجريب” فنيا ومعرفيا إنه كما قال ابراهيم الحجري “يكتب نصا مفتوحا على الدوال، مشرعا على الأجناس الأدبية، مشحونا بالآفاق الرؤيوية وهو حينما يفعل ذلك يفعله عن وعي بأن العالم الذي تستبطنه تجربته عالم أوسع من أن يحفه نموذج جنسي، وأكبر من أن ينصرف إلى أحادية الدلالة” 5 وهو ما يتضح في هذه المجموعة القصصية التي ذوبت الحدود بين الأجناس الأدبية بإدماج مقاطع شعرية داخل النص السردي لأن “ثمة مواقف ذات رؤى شعرية أو أنها أقرب إلى اللمحة الشعرية التي تمثل نوعا من الاكتشاف أي أن التعبير عنها لا بد أن يأتي عبر شكل القصة القصيرة”

والملاحظ أن عبد الرحيم سليلي قد أدرك فن السرد القصصي، وهو ما جعله في معظم الأحيان ينسج نسيج قصته الدرامي على الأحداث العادية والمألوفة لكنه كان يستخرج من ذلك وأثناء السرد كنهه الانساني، وسرعان ما يضع ذلك في نسق سردي يمد عمله بروح القصة وخصوصيتها.

بـ- اللغة المفارقة

تنبني المجموعة القصصية ” أضغاث ربيع ” على أفق جمالي ودلالي مركب، مسار مشترك بين أفقين ولأن ” العمل القصصي يعد أكثر الأشكال الأدبية قربا من الحياة، فإن الكاتب عبد الرحيم سليلي ما انفك يزاوج بين الحرص الدائم على الالتزام بمبادئ السرد القصصي، والعمل على تحديثه وفق ما يقتضيه فعل الحكي، وبين إضفاء طابع القابلية والموضوعية على نصوصه بالتركيز على قضايا ذات أبعاد دلاليةـ اجتماعية يبدع في كتاباتها ويرسم مسارات تلقيها عبر تقنية اللغة المفارقة باعتبارها كما قال محمد ولد سالم الأمين ” ليست فقط قولا يدل ظاهره على باطن آخر، ولكنها لعبة لغوية يتعاضد فيها الذهن الثاقب مع الإدراك الفعلي لموضوع المفارقة لذلك فهي لا تأتى إلا بوجود قارئ نبه يستطيع التقاط المعاني وإدراك طرق إجراء الكلام”.

أما المستوى الثاني فهو مستوى لغة الحوار الذي يبرر العلاقة بين الشخوص وطبيعة كل منها، ومن الطبيعي أن تختلف لعبة اللغة في كل مستوى عنه في الآخر، مع احتفاظهما معا بمستوى لغوي واحد، هو مستوى اللغة الفصحى الرصينة المتأنية الذي تجسده جل القصص المتضمنة في المجموعة “أضغاث ربيع”، على اعتبار أن اللغة ” انسجام وتناغم ونظام واللغة الإبداعية نسيج بديع يبهر ويسحر، ولعل الأديب الكبير هو الذي يعرف كيف يتلطف على لغته حتى يجعلها تتوزع على مستويات لكن دون أن يشعر قارئه بالاختلال المستوياتي في نسج لغته وذلك بالإبقاء عليها في مستوى فني عام موحد على نحو ما ”

على سبيل الختم:

هي أمور جديرة بالمتابعة تضعها المجموعة القصصية ” أضغاث ربيع” أمام القارئ كي يتفاعل معها ويحاورها وفق ما يقتضيه فعل السرد، دلاليا وجماليا، إن “أضغاث ربيع” شيدت عالما خاصا بها؛ يمكن القول أنها امتداد لأعماله السابقة ” الشعرية والسردية” التي عالج من خلالها، إشكالات أنطولوجية متعلقة بمسار الإنسان في الحياة، الهوية، الايديولوجية، السياسة…وكل ما يتصل بذلك.

ومهما يكن من تجاذب بين القراء حول هذا العمل الفني، إن على مستوى البناء الداخلي للمجموعة القصصية، أو ما يرتبط بالجانب الفني والجمالي، إلا أن عبد الرحيم سليلي استطاع أن يدمج تجربته الحياتية ويشاركنا بعضا منها في قالب سردي جميل وممتع.

وقيمة هذه المجموعة القصصية تتجلى أساسا في العلاقة التي بلورها الكاتب مع القارئ والتي لعب فيها على تقنية يمكن تسميتها ب “الاستدراج” أي جعل المتلقي رهينة في حيازة العمل القصصي، وفك أسره مرتبط بقراءة النص حتى النهاية.

لائحة المصادر والمراجع:

• محمد بوزكري، حوار مع الناقد عبد الرحمن التمارة حول كتابه الجديد ” الممكن المتخيل في الأدب والنقد” الملحق الثقافي لجريدة العلم، الخميس 9 يناير 2020.

• عبد الرحيم سليلي، أضغاث ربيع، ص:5.

• عبد الرحيم سليلي، أضغاث ربيع” ص:37

• فوزي عمر الحداد، دراسات نقدية في القصة الليبية، منشورات المؤسسة العامة للثقافة، ط1، 2010، ص:13.

• ابراهيم الحجري، شعرية التكثيف، مجلة نزوى، العدد 54، 2008، ص: 285.

• شمس الدين موسى، إعادة اكتشاف الذات عبر القصة القصيرة، مجلة إبداع، ع9-10، سبتمبر 2009، ص: 151.

• محمد سالم ولد محمد الأمين، اللغة المفارقة في رواية “شرف” لصنع الله ابراهيم، مجلة إبداع، أبريل، 1999، ص:51.

• محمد عبد الحكم عبد الباقي، اللغة القصصية ومستوياتها بين المفهوم والممارسة، مجلة أبعاد، ع6، فبراير 2010، ص: 34

(محمد بوزكري، باحث بسلك الدكتوراه – جامعة مولاي اسماعيل- المغرب/ الكلية متعددة التخصصات- الرشيدية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق