ثقافة وفن

تأمل في فكرة إعادة كتابة أشعار الطفولة والبدايات

عماد البليك

ماذا يعني لشاعر ما تأمل قصائد كتبها في فترة الطفولة أو الصبا، إلى فترات الشباب الأولى، هل سوف تعيده إلى معنى الشعر المختزن فيه أم أنها سوف تصنع تصورات راهنة تحاول أن ترى الأمس من منظور اللحظة؟ وربما كان هذا هو التفسير الأقرب للمسألة. ولكن السؤال الذي يندرج من وراء هذه الفرضيات والأسئلة، ما المغزى؟ أو ما الذي نريد أن نوصله بالضبط من خلال إعادة قراءة وتأمل وربما كتابة الأشعار القديمة؟!

هناك تياران لهما رأيان مختلفان حول هذا الموضوع، فثمة من يرى أن الشعر ابن لحظته وبالتالي لا يمكن لنا أن نعيد كتابته، خاصة بعد مرور سنوات طويلة، فأي عمل أو اشتغال على القصيدة ولعب في المسودات يتعلق بالقصائد والأشعار الحديثة أو ابنة زمانها، وليس بنصوص عفا عليها الدهر ويجب أن تحرق، كما يقول بعضهم. فهي لم تعد تحمل كينونة الذات ووعيها الجديد وتقاطعها مع العالم.

والتيار الثاني يأخذ من مغترف ما بعض الحداثة في التصورات الإبداعية، حيث أنه من الممكن أخذ النصوص القديمة وإعادة تأويلها وقراءتها من قبل صاحبها بوجهة جديدة تماشي اللحظة الحالية التي يعيشها.

سنتعامل هنا مع الفرضية الثانية التي تصبّ في التيارات الجديدة الحداثية من إمكانية تفاعل الشاعر مع القصيدة القديمة، والعمل على إعادة تأويلها وربما كتابتها بنص جديد، قد يكون مختلفاً من خلال الشكل والموسيقى وربما بالتالي يهرب من الشكل العمودي للقصيدة في الكتابة الأولى مثلا- إذ أن أغلب الشعراء يبدؤون العلاقة مع الشعر من خلال النص العمودي ومن ثم ينتقلون إلى البراحات الأخرى من القصيدة؛ لكن الاختلاف لن يكون قضية شكلية، إذ معلوم أن الشعر أعمق من الشكل والجرس، فهو تلك الطاقة السحرية والخفية التي تعكس الروح الإنسانية وتسير بمحاذاة ما يتعلق بالوجود والمعنى وحكاية الكائن في هذا العالم. وذلك موضوع جدلي وعميق حول ماهية الشعر، يمكن أن يأخذ في مطاف التأويل للقصيدة الأولى/ القديمة تصورات لانهائية وبعيدة في الرؤية والقراءة والتفكير والاستنتاج.

هذا الموضوع في تفاصيله البعدية، ذو ارتباط كبير بمفهوم الإبداع عموما والكتابة بوجه خاص وربما الفنون أيضا من رسم وتشكيل وسينما، بما يطرح السؤال حول حدود النص واللوحة والفيلم – مثلا- في التعاطي مع الذات المبدعة، وإمكانية إيجاد هذه الفنون والمنتجات الإبداعية داخل تصورات جديدة من خلال النفاذ إلى الوعي الحاضر، الذي هو بلاشك مختلف عما كان يومها في الماضي.

ومن المؤكد أن المبدع الحقيقي كائن قلق ومتغير الرؤية ويرغب في الأثر المتموج باتجاه العالم، حتى لو أن ذلك الأثر في محصلته البعيدة كان يبدو متماسكاً وكلياً، غير أنه ذلك الرسوخ والثبات والتماسك القائم من خلال الفوضى والشك في الجزئيات والتفاصيل، بما يماثل فيزياء الكون وسرمديته في عوالمه ذات الطابع الفوضوي الداخلي والحركة الدائبة التي لا تعرف السكون، في حين يبدو الكل البراني متماسكاً ونظامياً به نواميس صارمة.

فالمبدع أو الشاعر هنا تحديداً هو قلق، يأخذ قلقه وهواجسه المستمرة من طبيعة العلاقة التي تحكمه بالعالم من حوله، إذ أن الذي ينظر إلى الأشياء بوصفها جامدة وغير متغيرة باستمرار في توليد الصور والأشكال والمعاني، لن يكون فناناً ولن يصبح شاعراً.

وإذا كان هناك من يرى أن المبدع أو الشاعر يكتب قصيدة واحدة في حياته، أو هو ينسج مجمل مشروعه الفني أو الإبداعي حول مركز بعينه، فذلك القول فيه بعض من الحقيقة، لكنه لا يمثل كل تجلياتها، لأن الحقيقة التي سوف نستند إليها في التعريف ستصبح هي الأخرى مجازاً أو قصيدة ذات رؤية متغيرة. فأن تكتب النص نفسه مرات ومرات لا يعني أنه النص ذاته، إنما تصورنا حوله في كل لحظة.

ولي أن أتخيل ديوان شعر يحمل قصيدة واحدة كتبت أكثر من مرة، لتبدو قصيدة ثانية وثالثة ورابعة الخ.. من خلال اشتغال الشاعر على المعنى والتأويل والقراءة وإعادتها – وهنا يكون إعادة ابتكار اللغة والخيال وغيرها من تقنيات الكتابة – وقد يحصل أن الفواصل الزمنية بين الكتابات المختلفة، طويلة أو متزامنة أو غير ذلك، أو هي مسافات زمنية قصيرة، أي نحن أمام كافة الصور والاحتمالات الممكنة، حيث نجد أنفسنا أمام جدل وتأملات حول ماذا يمكن للقصيدة أن تكون في لحظة ولادة جديدة؟ هل الإنسان نفسه هو ذات الكائن الذي يشابه ما كان بالأمس، أم أنه يولد لحظياً باستمرار، وهذا لا يعني الشكل الذي قد يتغير مع مراحل العمر من الصبا إلى الشباب إلى الشيخوخة، ولكنه يفكر في أبعد من ذلك، في المضمون الإنساني والقيم والتقاليد وفكرة الإنسان عن العالم في حد ذاته وكيف يراه ويصنع فلسفته باتجاهه.

في بعض المناهج النقدية الحديثة يتم النظر إلى النص في إطار ارتباطاته الزمكانية من تموضعات تتعلق بالتاريخ واللحظة والخيال الاجتماعي والجغرافية وغيرها من الأمور ذات الصلة، بمعنى أن النص/القصيدة هو وليد هذا السياق ودونه لا يمكن فهمه، أي إعطائه الطابع التأريخي، وهناك من يرى الرأي البديل أن النص هو أثر مفتوح لا يحده التأريخ، فيه من العمق الذي يتسم به الشاعر في كونه انعكاس لتراث عميق واستشراف يتكاملان في لحظة ما فيصنعان معا القصيدة. فإذا كان امرؤ القيس – مثلا – يجسد التاريخ العربي في حقبة ما، فهو فمن خلال قصائده يمكن أن نرى التاريخ المعين، لتلك الأزمنة، لكن هل تلك الرؤية ستكون حقيقية؟ هل القصيدة ستكون مفهومة ومفسرة من خلال الحضور في ذلك الزمن الغائب أم من خلال الولوج في الزمن الراهن؟ وهو ما يحصل في واقع الأمر، لأن الإنسان يقرأ ويؤول من خلال حضوره الآني مع النص، وهذا التأويل والتفسير يختلف حتى بعد دقيقة من القراءة الأولى.

فنحن في واقع الأمر حتى في فكر القراءة والتأويل ومفهومية النص/ القصيدة، نجد أنفسنا في تفاعل مستمر لا تهدأ جذوته يحاول أن يصل بنا إلى حقيقة النص الغائبة والغامضة التي لا يمكن – قطعا- لأي أحد أني يحدد كنهها البعيد أو يسبرها، حتى لصانع النص نفسه، الذي سيجد أنه في متاهة المعنى وتدويره باتجاه التفسير وإعادته، ما يجعل القصيدة ديواناً كاملاً.

إن العودة إلى الشعر القديم أو أشعار البدايات يكشف عن مخبوء عميق إذا ما فكّر فيه الشاعر من وجهة نظر جديدة، بحيث يستطيع جلاء الأمس والطفولة الكامنة والمجمدة في لحظتها، وفق قانون الوعي اللحظي الجديد، فهو لن يصنع القصيدة ذاتها ولا الرؤية بعينها، لكنه سوف يصوغ مجالاً جديداً لإمكانية مشاهدة العالم وفق مرآة جديدة – ربما – وهذا ليس حتميا – تكون أقل شروخاً وذات نقاء أكبر، وهذا يدور في الجدل والسؤال المتنازع القديم حول أين يوجد الصفاء والنقاء في ملعب الطفولة أم اليوم الحاضر، بعد أن تتقدم سنوات العمر ويبلغ المرء من العمر عتياً.

ودائماً فإن الطفولة هي الذاكرة الأكثر حضوراً، وقد يختلف البعض مع هذه الفكرة، لكن ذاكرة الطفولة يكون لها حضورها من خلال كونها ذات مجازات متعددة يمكن لها أن تضيء اللحظة/ اليوم بقدر لامتناه من المعاني والاستشهادات والحضور، ففعل الطفل في يومها لا يكون إلا ذلك الفعل المجرد، ربما الآلي المتماهي مع الكون ويعكس عبقرية التكوين البشري الفطري، ومع السنين يصبح الإنسان أكثر تحرراً من الفيزياء الكونية باتجاه ذاته، لكنه يفقد في الوقت نفسه فطرته وأصالته، وهو موضوع – أيضا – جدلي يدور حول هوية الكائن البشري في تقلباته عبر الأزمنة التي يعبر بها من الميلاد إلى الموت.

ومن ناحية عملية أو إجرائية في تشكيل القصيدة وعلاقتها بالعمر، فهي ترتبط هنا كما كل منتج إبداعي بما يعرف بالوعي والحضور، والأول يعني كيفية فهمنا للعالم ومعرفتنا بالأشياء ورؤيتنا لها. أما الحضور فهو قدرة الفنان/الشاعر/ الكاتب على أن يكون قابضاً على النص أو اللوحة أو القصيدة وغيرها من الفنون الإبداعية.. القبض الذي يشير إلى- ليس مفهوم الهيمنة – إنما ما يجاور التحكم الآلي الذي يشبه فعل الطفولة.. بأن يصبح النص صناعة تلقائية وفطرية، لكنها ذات وعي عميق.

وربما لا يكون النص الطفولي الأول أو نص البدايات بذات الوعي الذي يتشكل لاحقاً، إنما يتخذ الصورة السيريالية، إلا أنه يحمل إدراكاً مستبطناً له طابع فطري من خلال الميراث الكوني للكائنات في نقل الخبرات والإدراك. وهنا فالمقصود بالوعي العميق المتحقق لاحقاً، أن فعل الكتابة أو الاقتراب من القصيدة أو كتابتها، يقوم على معطيات الإدراك المهيمن على العالم بتحيز وقيم ومبادئ وإرادة، تفوق التلقائية التي يعمل من خلالها الطفل على التفاعل مع الأشياء من حوله.

بالتالي فإعادة كتابة القصيدة للفترات المبكرة، لا تعني أن تلك القصيدة الأولى عاجزة أو أنها منقوصة في التفاعل مع مدركات الوجود؛ إنما يعني أن الآليات التي نملكها في هذه اللحظة لن تُمكِّنا من الدخول إلى ذلك الزمن المفقود لاستخراجه من جديد، أي وصف ما كان يدور في معتركات الذهن وما يختمر فيه من إدراك وحقائق وتصورات حول العالم، عند ذلك الطفل أو الصبي أو ربما الشاب. وهنا ما يفعله الشاعر في المرحلة الثانية أو الكتابة الجديدة أن يصوغ تصوراً أو تفاعلاً جديداً مع النص، ينخلق أو يوجد من الحضور الجديد.

وإذا كانت أغلب النصوص تأخذ من التجارب في الواقع أو القراءات أو المعاش بشكل عام، فإنها بالتالي بشكل أو بآخر – هي – تأخذ من النصوص الأخرى، من الكتابة في أي زمن كان وعبر كافة العصور، فنحن نقرأ اليوم النصوص المقدسة القديمة كما نقرأ الإلياذة والأوديسة ورامبو وجرير والمتنبي وفدوى طوقان وكل ذلك الإرث إلى قراءة أشعارنا نفسها التي سبق أن كتبناها كمسودات تم هجرها ولم تر للعامة، أو نشرت، وبهذا يصبح التفسير بأن أي نص هو كتابة لنص الطفولة القديمة، طفولة حياتنا نحن؛ طفولة هذه البشرية التي لا يمكن الإمساك الحقيقي ببداياتها.

وإذا ما عدنا من جديد لمفتتح ما كُتب هنا، والسؤال الذي تم طرحه، حول ماذا يعني إعادة الكتابة للقصيدة؟ أو ما الذي نريد أن نوصله بالضبط من خلال إعادة قراءة وتأمل وربما كتابة الأشعار القديمة؟ وربما أيضا الحديثة؟ هل سيكون ذلك الفعل وإرادته نوعاً من التجريب فحسب، أم أنه يصب في حقيقة وعي الشعر وفاعليته في الوجود الإنساني وأدواره التي يمكن أن يتمخض عنها، إذا كان للقصيدة أن تحرر الإنسان من غثاء الأوجاع التي لا نهاية لها في هذا الوجود، وطبيعة الحياة المملة التي يكسرها الشعر بنظامه الإيقاعي أو فكرته التخيلية التي هي توجيه للمبعثر والفوضوي باتجاه صناعة نظام جديد للعالم والأشياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق