الفن التشكيليّثقافة وفن

“وليمة في بيت ليفي” ومحاكمة رسّام

باولو كاليري (فيرونيس)

د. محمد بدوي مصطفى

  تعددت اسماءه وألقابه: بالو كاليري أو باولو فيرونيس وهذا الاسم الأخير يكتب هو أيضا بعدة طرق حسب النقل من الأصل اللاتيني إلى اللغة العربية ولكن بغض النظر عن تعددية الأسماء فإن أعماله تظل خالدة في وجدان البشرية وفي تاريخ الرسم لا سيما كعملاق لا يشق له غبار في أوج حقبه ذهبية هي بلا شك عصر النهضة الإيطالي. لقد أشرقت شمس هذا المبدع في مدينة فيرونا، هذه الغيداء الساحرة والتي خلفت وأنجبت الأجيال

ثم الأجيال من أهل الفن والموسيقى وحدث ولا حرج؛ يا لها من مدينة فعندما يتنقل الإنسان منّا في جنباتها فيجد حينئذ الفن والجمال في كل ركن من أركانها وتقف الحضارة والبهارة ماثلة أمام عينك. يقدر عام والدة فيرونيس بسنة ١٥٢٨ وتاريخ خسوف هذه الشمس في عام ١٥٨٨.

اشتهر فيرونيس بالرسم القصصي أو التأريخيّ  المتعلق بقضايا الدين والمسائل الكنسية وعلم الأساطير فخلقت ريشته لوحات كثيرة تظل حقيقة تحفة نادرة وفريدة في ابداعها وخلقها، مثال لوحة “حفل زفاف في كانا” التي أكمل رسمها في عام ١٥٦٣ ومن ثمّة لوحة وليمة في منزل ليفي والتي نحن بصددها الآن، والذي يرمز فيها لتأريخ مساء العشاء الأخير للسيد المسيح والحواريين لكن بتصوره الفنيّ الخاص الذي ربما يجلب له المصائب! وقد أكمل هذه الأخيرة في عام ١٥٧٣ وذاع صيتها في كل أنحاء إيطاليا لعدة أسباب واشتهرت ريشته من بعد وحاز اعجاب الأمراء وأصحاب الثروة والجاه ومن ثمّة انهالت عليه الطلبات من كل صوب وحدب. فإلى جانب الرسامَين تيتيان وتينوريتو، يُعتبر بالو فيرونيس واحدًا من “الرسامين الثلاثة الكبار الذين سيطروا على طابع اللوحة المسماه “الفينيتية لسينيسينتو” كما وحقبة أواخر عصر النهضة في غضون القرن السادس عشر. لقد  اشُتهر فيرونيس وقتذاك باسم الرّسام الأسمى، وبعد فترة وجيزة من اتباعه لحركة مانييريزمو الفنية، طوّر بمثابرته، شغفه ودأبه المتواصل أسلوبًا طبيعيًا في الرسم متأثرًا بالرسام الشهير تيتيان. ويقول أحد النقاد أن الدوائر القصصية المفصلّة هي الأكثر شهرة في أعماله، إذ ينجزها بأسلوب مثير ومفعم بالمناظر المعمارية الفخيمة التي تتبدى شامخة ولا يعلى عليها.

نجد أن أشهر لوحاته هي ذات الأحجام الكبيرة والتي يجسد فيها فيرونيس شتى الاحتفالات مثال الأعياد والأحداث التوراتية، وبعضها لا يزال تزيّن قاعات الطعام الخاصة في أديرة مدينتيّ فيرونا والبندقيّة ويضفي عليها آيات من الألق والجمال الإلهي الخارق للعادة. وقد قام أيضا برسم أسقف الأديرة والكنائس بمدينة البندقية ولحسن الحظ فقد بقيت كل هذه الأعمال في أماكنها التي رسمت فيها، أصلاً، أو على الأقل بمدينة البندقية وبمتاحفها العملاقة ونجد أن له، بين هذا وذاك، أعمالًا عديدة صغيرة الحجم مثال بورتريهات أو لوحات مصغرة إذن فهو لم ينحصر فقط في رسم الجداريات والأسقف فسحب. وعلى رغم تدربه على ثقافة المين ستريم التي كانت بتلك الفترة  هي (ثقافة المانييريزمو) فلقد استطاع أن يجد نفسه وروحه عبر استخدامه في خلقه لكثافة الألوان بأعماله – على عكس أقرانه – فضلا عن انعكاسات الضوء عليها مما يضفي عليها كثافة “قزحيّة”، رونقا جذابًا وألقا دافقا يشد الإنسان دون أن يشعر إلى العمل وكأن هذا الأخير مغنطيس. كل ذلك جعل النقاد يطلقوا عليه لقب صاحب اللون الفخم والواقعية الباهية. وبعضهم ذهب إلى وصف تلك الأعمال بأنها حلوى غنيّة بالدسم بل أنها مهرجانات من الحرير والساتان، في إشارة إلى أسطحها الرائعة وثراء ألوانها الحيّة والأنيقة.

وبعد أن حام فيرونيس أرجاء إيطاليا راسما ومجسدا لأعمال تأريخية استقرّ به المقام في فينيسيا في عام 1553، فازداد الطلب على أعماله بصورة جليّة، لكن على الرغم من شهرته ونجاحه، فإن أفكاره المنفتحة وتحرّره الفكري وضعاه في نهاية المطاف في مأزق لا يُحسد عليه. فعندما أنجزت لوحة العشاء الأخير تبدّت على شاكلة وليمة فاخرة من الألوان الحمراء والذهبية التي زملتها هنا وهناك أعمدة وأقواس وديكورات في غاية الفخامة. لكن – وهذا هو بيت القصيد – أن اللوحة

لا تظهر السيّد المسيح والحواريين الإثني عشر فحسب، بل أنها تضمن مجموعة من الشخصيات المتباينة الغير مألوفة، كان من بينها بعض الخدم والأقزام والمهرّجون وبعض الجنود في حالة سكر وشملتها إضافات أخرى لم تكن في العرف السائد لتجسيد لوحات كنسية دينية مقدسة إلى ذلك الوقت اللهم إلا قليلا! لذلك فقد جاءت تفاصيلها هناك وهناك غريبة وغير مألوفة واخرجت الأبطال بل الحدث من سياقه التاريخيّ المعروف فضلا عن أنها أضفت إلى ملامحه شيء من طابع وثنيّ يمجد حبّ الحياة في فنيسيا في القرن السادس عشر ويسخر من الكنسية والكاثوليكية إن جاز التعبير.

ومما لا شكّ فيه أن باولو فيرونيس قد تبنى في هذا العمل رؤى متحررة عن الاعتقاد السائد إذذاك، وحسب النظرة العامة إليه فقد رجحت كفّة الشكّ في إيمانه كمسيحي مستقيم على كفّة تمجيد الابداع الفنيّ له كفنان عالميّ؛ فما أن سلّم العمل إلى الدير حتى استُدعي للمثول أمام إحدى محاكم التفتيش للردّ على اتّهام وُجّه إليه يتمثل في الهرطقة والالحاد. والجدير بالذكر أنه في تلك الحقبة كانت محاكم التفتيش في أرجاء أوروبا التي كانت تخضع لسلطة الكنيسة الكاثوليكيّة، في أوج نشاطها.  على كل وقع باولو فيرونيس في شهر يوليو من عام ١٥٧٣ هدفا لنيران تلك المحاكم التفتيشيّة، وكانت التهمة تتمثل في إضافة شخصيات كثيرة لا تمت للحدث بصلة. لقد أقرّ الرسام بصحة الفعل وبرّر موقفه بأن المساحة الواسعة للوحة حتّمت عليه إضافة أكثر من ثلاثين شخصية لِملأ الفراغات كحلية وكتزيين المشهد.  وفي نفس السياق طرحت عليه اللجنة القضائية تساؤلات على شاكلة: هل ترى من المعقول أن تتضمن لوحة مقدسة كالعشاء الأخير تجسيدات لمهرجين وجنود ألمان في حالة سكر وأقزام وغيرها من الأمور السخيفة؟ ملقين إيّاه أن إضافة الجنود الذين ظهروا في هيئة زنادقة – على حد قولهم – هو بمثابة السخرية من الكنيسة كما درج على هذا المنوال عدد من الرسامين. كما اتهموه بحذف صورة مريم المجدلية من المشهد مقابل مثول كلب توسط اللوحة وجلس في مقدمتها. على أيّة حال، دافع فيرونيس عن نفسه بجداره وأشار إلى أن الفنان العظيم مايكل أنجليو قد رسم المسيح ومريم المجدلية والقديس بطرس وغيرهم من الشخصيات المقدسة وهم عراة في كنيسة البابا بروما، وكأنما يقول: أحلال على بلابله الدوح وحرام على الطير من كل جنس!

في الآخر ما كان منه إلا أن توسّل إلى المحقّقين بالرأفة عليه، قائلا: “نحن معشر الرسّامين نستخدم نفس الرخصة تماما كالشعراء والمجانين، ولم أكن أظنّ أنني كنت قد ارتكبت إثماً عظيما”. أُمر فيرونيس فورا بعد انتهاء المحكمة بأن يشرع حالًا في تصحيح اللوحة في مدّة لا تزيد عن الثلاثة أشهر وأملوا عليه أن يرسم مريم المجدلية مكان الكلب وأن يحذف دون رجعة صور زنادقة الألمان المخمورين. وبعد إملاء هذه الشروط عليه واستجابته وانصياعه لأمر المحكمة أُطلق سراحه ليتنفس الصعداء وخرج حرّا طليقا وكتم كاتما سرا تجاه من قضوا بحكمه.

مما لا شك فيه أن أحداث محاكمة باولو فيرونيس مهدت لشهرة اللوحة الواسعة وجعلتها أكثر شعبية من أي وقت مضى. واتخذ الرسام تجاه المحكمة والمحققين فيما بعد موقف التحدي والحزم ولم ينزل عن رغباتهم في تعديل العمل كما أملوا به عليه، فنجده قد ترك الكلب والأقزام والألمان المخمورين في أماكنهم قابعين ولم يغير في الأمر جرّة ريشة واحدة، بيد أن التغيير الوحيد الذي طرأ على العمل يتمثل في أنه غيّر اسم اللوحة من العشاء الأخير إلى وليمة في بيت ليفي. وظلت اللوحة بغرفة الطعام الخاصة بالدير إلى أن أمر نابليون بنقلها إلى مكان آخر. ويمكن مشاهدة هذا العمل الجبّار بعنوانه المعدّل “وليمة في بيت ليفي” في متحف أكاديمية فنيسيا بإيطاليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق