آراء

ساعة لعقلك

بعوض دون أمراض؟

د. علي عفيفي

تكلمنا من قبل على خطورة البعوض، وأنه يتسبب في الإصابة بالعديد من الأمراض كالملاريا والحمى الصفراء وحمى النيل الغربي. وذكرنا أيضاً أن البعوض، رغم خطورته على حياة الإنسان، يلعب دوراً كبيراً في تلقيح الأزهار، بالإضافة إلى موقعه في السلسلة الغذائية، حيث يعتبر غذاء رئيسي للكثير من الكائنات الحية. وبالتالي، قد يؤدي اختفاء البعوض إلى خلل في النظام البيئي. فهل يمكن أن نمنع البعوض من نقل الأمراض دون أن نقضي على البعوض نفسه؟

الإجابة هي نعم بالتأكيد. فيمكن مثلاً استخدام اللقاحات المضادة لتلك الأمراض، ولكن مع الأسف فاللقاحات المتاحة حالياً غير فعالة بصورة كاملة، وهناك عدة لقاحات في مراحل متقدمة من التطوير1. هناك أيضاً أبحاث حالية تستخدم تقنيات الهندسة الوراثية لإنتاج بعوض مقاوم للكائنات الممرضة كطفيل الملاريا، في هذه الحالة سيستمر البعوض في التغذية على دم الإنسان ولكنه لن يصيبه بتلك الأمراض2.

على الجانب الآخر، هناك طرق أخرى تهدف إلى حرمان البعوض من التغذية على دم الإنسان مثل استخدام المواد الطاردة للبعوض. هذه المواد تستخدم بنجاح منذ زمن طويل، ولكن وجد أن بعضها غير آمن بصورة كبيرة. فعلى سبيل المثال، وجد أن المادة المعروفة باسم DEET، والتي تعتبر أكثر المواد فعالية في طرد البعوض، قادرة على إذابة البلاستيك والمطاط3. رغم ذلك، فهذه المادة تدخل في صناعة معظم طاردات البعوض الموجودة بالأسواق. ولذلك بدأ العديد من العلماء في سباق من الأبحاث المتطورة لإنتاج بدائل فعالة ضد البعوض، وآمنة في نفس الوقت على صحة الإنسان. هذه الأبحاث تستخدم التقنيات الحديثة في علمي الأعصاب والبيولوجيا الجزيئية لاكتشاف الأعصاب الحسية التي يستخدمها البعوض في شم المواد الطاردة.

أشارت بعض الأبحاث إلى أن عدد من الأعصاب الشمية الموجودة على قرون استشعار البعوض مسئولة عن التعرف على مادة ال DEET، مما يعني أن البعوض قادر على شم تلك المادة بالفعل وينفر منها4-6. ولكن في بحثين حديثين، وجد أن هذه النتائج تنطبق فقط على البعوض الناقل للحمى الصفراء وحمى النيل الغربي، أما الأعصاب الشمية في بعوض الملاريا فلا تتأثر بمادة ال DEET على الإطلاق، مما يعني أن بعوض الملاريا غير قادر على شم تلك المادة7،8. في المقابل، وجد أن مادة ال DEET تؤثر على بعوض الملاريا بشكل غير مباشر، حيث تتفاعل مع المواد الكيميائية الموجودة على جسم الإنسان وتمنعها من التبخر، وبالتالي تحجب رائحة الإنسان عن البعوض فلا يستطيع أن يصل إليه. هذه النتائج تؤكد أن البحث عن بدائل آمنة لها نفس تأثير مادة ال DEET يجب أن يسير في اتجاهين مختلفين، الأول بيولوجي، وهو استخدام الأعصاب الشمية الموجودة على قرون استشعار البعوض والحساسة لمادة ال DEET للكشف عن مواد طاردة فعالة ضد البعوض الناقل للحمى الصفراء وحمى النيل الغربي. والثاني كيميائي، وهو البحث عن مواد لها القدرة على التفاعل مع رائحة الإنسان وحجبها عن البعوض، وبالتالي ستكون تلك المواد فعالة ضد بعوض الملاريا. على كل حال، يبدو أن الكشف عن مواد آمنة قادرة على حمايتنا من البعوض، والأمراض التي ينقلها، أصبح ممكناً أكثر من أي وقت مضى، سنحتاج فقط لأن ننتظر سنوات قليلة أخرى.

مصادر

• WHO: Malaria (Immunization, Vaccines and Biologicals)

https://www.who.int/immunization/research/development/malaria/en/

• Wang S, Dos-Santos ALA, Huang W, et al. Driving mosquito refractoriness to Plasmodium falciparum with engineered symbiotic bacteria. Science 357: 1399-1402 (2017).

• Debboun M, Frances S, and Strickman D. Insect Repellents Handbook, Second Edition. CRC Press (2014).

• DeGennaro M, McBride CS, Seeholzer L, at al. Orco mutant mosquitoes lose strong preference for humans and are not repelled by volatile DEET. Nature 498, 487–491 (2013).

• Syed Z, and Leal WS. Mosquitoes smell and avoid the insect repellent DEET. PNAS 105, 13598–13603 (2008).

• Bohbot JD, Fu L, Le TC, et al. Multiple activities of insect repellents on odorant receptors in mosquitoes. Medical and Veterinary Entomology. 25, 436–444 (2011).

• Afify A, Betz JF, Riabinina O, Lahondère C, Potter CJ. Commonly used insect repellents hide human odors from Anopheles mosquitoes. Current Biology, 29 (21): 3669-3680 (2019). doi.org/10.1016/j.cub.2019.09.007

• Afify A, Potter CJ. Insect Repellents mediate species-specific olfactory behaviors in mosquitoes. Malaria Journal, 19, 127 (2020). doi.org/10.1186/s12936-020-03206-8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق