سلايدرسياسة

عمليات الإغلاق الشامل مذهلة للبيئة … لن يشفي كوفيد19 كوكبنا

بقلم روبرت موغاه

ترجمة عبد العزيز كوكاس

سماء زرقاء، مياه صافية، حياة برية مزدهرة.. تجددت الطبيعة بفضل عمليات الإغلاق العالمية.. كيف يمكننا جعل هذا التأثير يدوم أطول؟

لقد تعلم العالم الكثير عن التأثير المدمر لكوفيد 19 على صحة الإنسان ورفاهه، كما أنه استيقظ أيضًا على الآثار الإيجابية للوباء على الغلاف الجوي للكوكب والنظم البيئية والتنوع البيولوجي.. منذ أن تم اكتشافه لأول مرة في أواخر عام 2019، أدى تفشي المرض وعمليات الإغلاق التام الناتجة عن إجراءات الحجر الصحي في جميع أنحاء العالم إلى إبطاء العولمة بشكل كبير، وخاصة التجارة والسفر اللذان عززا أكبر انتعاش اقتصادي في التاريخ.. في غضون ذلك، أدى الوباء إلى تكثيف العديد من التفاوتات العميقة التي تميز عالمنا. على الرغم من الألم والمعاناة التي لا تُحصى بسبب فيروس كورونا، يبدو أن هناك جانبا إيجابيا.

أدت الجهود التي قادتها الحكومة، على وجه التحديد، لاحتواء انتشار المرض إلى الحد مؤقتًا من تلوث الهواء وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري- خاصة ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات- ومع ذلك، فإن السؤال هو ما إذا كانت هذه التحسينات ستستمر بعد تخفيف إجراءات الإغلاق.

في غضون بضعة أشهر من انتشار كوفيد 19 في جميع أنحاء آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية بنسبة مذهلة بلغت 17 بالمائة مقارنة بمتوسط ​​المستويات اليومية في عام 2019. وكان السبب الرئيسي وراء ذلك هو الانخفاض المفاجئ في التصنيع، توليد الطاقة والشحن والنقل.. رصدت الأقمار الصناعية التي تديرها وكالة ناسا ومختبر الكوكب Planet Lab انخفاضًا كبيرا في حركة مرور المركبات، مما ساهم أيضًا في انخفاض حاد في ثاني أكسيد النيتروجين الذي يحوم فوق العواصم المترامية الأطراف في العالم.. وإذا كانت هذه الانخفاضات واعدة، فإن معظم علماء المناخ ليسوا متفائلين بأن هذه التغييرات ستستمر على المدى الطويل. أفضل تقدير لهم هو أن انخفاض ثاني أكسيد الكربون قد ينتهي بحوالي 4 إلى 7 في المائة بحلول نهاية عام 2020. ولكن من السابق لأوانه الاحتفاء بهذا الانخفاض في نسبة التلوث: سيتم القضاء على التحسينات الأخيرة إذا استمر النشاط الصناعي واستخدام الطاقة دون تغيير في عام 2021.

تسبب وباء كورونا في تعطيل شامل للقطاع الصناعي وسلسلة الإمدادات تقريبًا – لكن صناعة الطيران كانت أكبر القطاعات المتضررة.. يعتبر تفشي المرض أسوأ أزمة تضرب قطاع الطيران على الإطلاق.. حيث أدت قيود السفر بين البلدان وداخلها إلى انخفاض وتيرة الرحلات الجوية بنسبة 70 في المائة تقريبًا في ماي 2020 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، مما أدى إلى إفلاس مجموعة من شركات الطيران ووضع معظم الباقي على سكة أجهزة الدعم والإنقاذ من الحكومات والبنوك المركزية. تضاعفت تكلفة الشحن الجوي ثلاث مرات مع توقف الشحن بين البلدان. ليس من المستغرب أن تتقلص البصمة الكربونية للطيران بنسبة 60 في المائة. (بالمناسبة، أدى التباطؤ الحاد في مجال الطيران أيضًا إلى تقليل دقة التنبؤات الجوية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انخفاض عدد القياسات اليومية لدرجة حرارة الهواء والرطوبة وسرعة الرياح الواردة من الطائرات من قبل الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي من حوالي 900 ألف يوميًا. إلى 300 ألف فقط).

ساهم الوباء أيضًا في انخفاض كبير في حركة مرور السيارات والشاحنات والحافلات عندما أغلقت المدن في جميع أنحاء العالم. في غضون أسابيع، أصبحت الحركة في كل الأيام شبيهة بعطلات نهاية الأسبوع وتبخرت ساعات الذروة. في أوروبا، شهدت مدن مثل ميلانو وباريس وروما ومدريد ولندن انخفاضًا في حركة المرور بنسبة تتراوح بين 72 و97 بالمائة.. في الولايات المتحدة، شهدت كل منطقة حضرية انخفاضًا في حركة المرور بنسبة 50 في المائة على الأقل، مع احتمال تسجيل أقل قدر لحركة السير منذ السبعينيات.

شهدت المدن الهندية المزدحمة مثل بنغالورو وتشيناي ودلهي وكلكوتا وبومباي انخفاضًا في حركة المرور، مما يساعد في تفسير سبب انخفاض مستويات ثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات بنحو 50 في المائة أو أكثر. وفي الصين، انخفض التلوث بغاز ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 48 في المائة بعد إغلاق العديد من مدنها. وشهدت ووهان انخفاضًا بنسبة 63 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين في الأشهر التي أعقبت إغلاق المدينة التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة.

ليس هناك ما يضمن استمرار انخفاض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بعد تخفيف الإغلاق وبداية إجراءات رفع الحجر الصحي. في الواقع، تشير الدلائل إلى التلوث الصناعي وانبعاثات السفر الجوي التي أخذت تزحف مرة أخرى في العديد من البلدان. تتزايد حركة مرور السيارات في العديد من المدن بعد أن خففت الحكومات القيود.. نظرًا لأن العديد من سكان المدن قلقون بشكل مفهوم من النقل العام، فإن خطر حدوث زيادة في التنقل بالسيارة أمر حقيقي، خاصة في المراكز الحضرية الكبيرة. يعتمد الكثير على ما ستفعله الحكومات الوطنية والولائية والبلدية بعد ذلك. يحاول بعض رؤساء البلديات ومجالس المدن والمخططين بنشاط تعديل مساحاتهم الحضرية لصالح المشاة/الراجلين وأنماط النقل الصديقة للبيئة. إنهم يجدون دعمًا كبيرًا من سكانهم: في دراسة استقصائية دولية حديثة، يتوقع 3 من كل 4 أشخاص في البلدان التي شملها الاستطلاع أن تجعل حكوماتهم حماية البيئة أولوية عند التخطيط للتعافي بعد الجائحة.

يكثف فيروس كورونا الدعم في بعض أجزاء العالم، بشكل أكثر إيجابية، لمزيد من الاستثمار في الحد من الانبعاثات وإعادة البناء بشكل أفضل من ذي قبل.. قبل كوفيد 19، كان العمل المناخي قد برز بالفعل على جدول الأعمال، مدفوعًا جزئيًا بحركات احتجاجية واسعة النطاق مثل Friday for Future  “الجمعة للمستقبل” و”تمرد الانقراض” Extinction Rebellion ، وبينما تواجه الحكومات الوطنية وحكومات الولايات والمدن عجزًا شديدًا، هناك العديد من الأشخاص الذين يترددون في العودة إلى “الوضع الطبيعي القديم”. يدرك بعض السياسيين أن كوفيد 19 قد خلق مساحة للدفع إلى الأمام بخطط اقتصاد أكثر اخضرارًا. وفطن الاتحاد الأوروبي إلى الأمر وقدم خطة تحفيز خضراء بقيمة 825 مليار دولار للوصول إلى أهداف إزالة الكربون بسرعة أكبر.

يدرك قادة المدن المستنيرون أيضًا أن المدن الأكثر خضرة هي مدن أكثر صحة. يساعد هذا في تفسير التضييق على السيارات والانتشار السريع لممرات الدراجات وشوارع المشاة ومبادرات مشاركة الركوب في مدن مثل أثينا وبرشلونة وبرلين وبروكسل ومينيابوليس ونيويورك وباريس وروما وسان فرانسيسكو وسياتل. حتى أن الأمم المتحدة أنشأت يومًا عالميًا للدراجات لنشر الوعي حول كيف يمكن للدراجات أن تساعد في تعزيز مستقبل أكثر اخضرارًا لما بعد الوباء. ولكن هناك أيضًا مخاطر من أن  فيروس كورونا سوف يؤخر العمل لمعالجة أزمة المناخ في العالم. من بين أمور أخرى، فقد أدى إلى إبطاء المفاوضات الدولية مثل مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ، وحدث التعهد السنوي بالحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون درجتين مائويتين والتقدم الدبلوماسي بشأن الاتفاقات المصممة لحماية التنوع البيولوجي والمحيطات. وبالمثل، فإن الوباء يصرف انتباه الناس عن الكوارث البيئية المستمرة، بما في ذلك حرائق الغابات المتفشية وإزالة غابات الأمازون على نطاق صناعي.

يمكن أن تؤدي الضائقة الاقتصادية الناتجة عن كوفيد 19 أيضًا إلى إضعاف السياسات والاستثمارات المناخية الوطنية حيث تلجأ البلدان إلى الوقود الأحفوري وخفض الإعانات الخضراء، والتخلي عن خطط الطاقة المتجددة. هناك أيضًا خطر حدوث زيادة في التلوث، بما في ذلك زيادة اللدائن الدقيقة التي تدخل الممرات المائية بسبب إنتاج القفازات التي تستخدم لمرة واحدة والأقنعة الجراحية وغيرها من المنتجات غير القابلة لإعادة التدوير.

في الوقت الذي ساعدت في توليد مكاسب مناخية وبيئية، فإن عمليات الإغلاق التام وحالة الطوارئ ليست الحل الشامل لمعالجة تغير المناخ. فقد أدت إجراءات الحجر الصحي الصارمة إلى إبطاء الانبعاثات. سيؤدي هذا بدوره إلى تقليل الوفيات والأمراض المرتبطة بتلوث الهواء الخارجي، والذي يتسبب في أكثر من 4.2 مليون حالة وفاة كل عام. لكن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المعوقة لعمليات الإغلاق التقييدية تضر بشكل كبير بسبل عيش الناس، لا سيما في المجتمعات الفقيرة والأكثر ضعفًا.

النقطة الأساسية هي أن البشر لديهم احتياجات غير محدودة، لكن الكوكب لديه قدرة محدودة على تلبيتها.. السؤال الأكثر أهمية على المدى القصير هو ما إذا كانت الحكومات والشركات والمجتمعات ستتخذ القرارات الصحيحة لضمان مسار تنازلي للانبعاثات على مدى العقد المقبل.

على الرغم من أنها فكرة مغرية، إلا أن كوفيد 19 لن يشفي الأرض.. في النصف الأول من عام 2020، غزت الانترنت صور الخنازير البرية وهي تجوب شوارع برشلونة بإسبانيا، وقطعان الماعز وهي تستولي على البلدات الويلزية، والإطلالات الواضحة على جبال الهيمالايا من ولاية البنجاب في الهند والقنوات الزبرجدية في البندقية بإيطاليا.. لمحت الإشارات المفعمة بالأمل Hopeful memes إلى أن كوفيد 19 سيشفي الكوكب، وأن قدرة الطبيعة الهائلة على التجدد قد تم تنشيطها، وأن البشر هم الفيروس.. صحيح أن تلوث الهواء والمياه والضوضاء وكذلك انبعاثات غازات الاحتباس الحراري قد انخفضت مؤقتًا في النصف الأول من هذا العام، لكن لا توجد فرصة لاستمرار ذلك في حقبة ما بعد الجائحة إذا لم يتم اتخاذ تدابير جذرية لإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي وتغيير عادات الاستهلاك.. الطريقة الوحيدة لعلاج الكوكب حقًا وإنقاذ أنفسنا، هي اغتنام هذه الفرصة لبناء اقتصادات صديقة للبيئة بشكل جذري، والاستثمار في الطاقة المتجددة والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والتحول بشكل دائم إلى حلول التنقل الخضراء.

روبرت موغاه عالم سياسي وخبير كندي في مجال التحضر ومنع الجريمة والحد من الأسلحة والهجرة، مدير مجموعة SecDev وهي شركة استشارية كندية للمخاطر، وأحد مؤسسي معهد Igarapé، ومؤلف كتاب “مائة خريطة للبقاء على قيد الحياة في المائة عام القادمة” رفقة إيان غولدين.

عن مجلة “فورين بوليسي” عدد اغسطس 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق