ثقافة وفن

نبيل الملوكي لـ “المدائن بوست”

الفن الإنسانيّ الأصيل خير سفير لتراث وحضارة أيّة أمة

في هذا الحوار الثقافي التراثي الفني مع رجل من خامة الكبار، إنسانيا وثقافيا، سوف نغوص مع نبيل الملوكي، أحد سفراء الأصالة والفن والتراث المغربي والإنساني، الرئيس المؤسس للمؤسسة التراثية الفنية التي تضم المتحفين التُحفتين Le MACMA و The Orientalist Museum of Marrakech  و الرواق الأصيل Matisse Art Gallery،في عوالم السرد التاريخي لحكاية الإنسان بلغة الريشة و النحت والصورة المؤرِّخة لقصة يومي الإنسان المغربي، حضاريا ومعيشيا وكذا على مستوى البنية الاجتماعية والسوسيوثقافية التي حكمت وطبعت حِقَب تاريخية مفصلية من تاريخ المغرب، علاوةً على عاداته وتقاليده، علاقاته بالآخر القادم من عوالم أخرى مختلفة، بخلفية الاكتشاف أو الاحتلال .. هي القصة الإنسانية إذن، سوف نرويها بلسان رجل وَهَب نفسه وحياته لرعاية الثقافة التشكيلية والفن التراثي بجميع مدارسه وتوجهاته الفكرية، على مرجعية السعي الحثيث والموصول لخلق وترسيخ قِيَم التعايش الإنساني والحضاري بين المغرب كحضارة وتاريخ وثقافة من جهة وباقي مكونات الحضارة الإنسانية في مختلف أقطار وبلدان العالم.

حاوره: عبد العالي الطاهري

> لا أحد يجادل في حجم الأضرار التي خلفتها جائحة كورونا على العديد من القطاعات الاقتصادية الكبرى بالمغرب، وفي مقدمتها القطاع السياحي. ما هو تقييمكم لهذا الوضع وتبعاته، باعتباركم تمثلون أحد أهم مكونات المشهد السياحي الوطني) السياحة الثقافية والفنية)؟

< أولاً وقبل الإجابة على سؤالكم، اسمحوا لي أن أعبر لكم عن امتناني وشكري الكبيرين على مبادرتكم الإعلامية الوازنة والنوعية، من خلال اهتمامكم بقطاع نوعي وهام يمثل أحد أهم الدعامات داخل البنية السياحية المغربية، يتعلق الأمر بالسياحة الثقافية والتراثية والفنية.

وجوابا على سؤالكم، وجبت الإشارة إلى أن القطاع السياحي كان من القطاعات التي تعرضت ليس فقط لأزمة بل لانهيار شبه تام، فقدت معه العديد من العائلات المغربية مصدر دخلها اليومي، خاصة في المدن التي تشكل السياحة بها عَصَب الاقتصاد المحلي والجهوي.

ولأن عملنا يرتبط بشكل وثيق بالحركية السياحية، وأقصد هنا نسبة السياح الأجانب وكذا المغاربة القادمين إلى مدينة مراكش، من موقعها وباعتبارها عاصمة السياحة الوطنية وواحدة من عواصم السياحة العالمية. فمثلا ارتفاع نسبة الملء وعدد ليالي المبيت بالمؤسسات الفندقية المصنفة، يعني بشكل مباشر ارتفاع عدد زُوار المتاحف والأروقة الفنية، وهو ما يمثل خلق انتعاشة كمية ونوعية على مستوى إيقاع وحركية السياحة الثقافية والتراثية، مع ما يعني ذلك من تعريف بالموروث الحضاري الإنساني المغربي وارتباطه الوثيق بباقي مكونات الحضارات الإنسانية في مختلف بقاع العالم، في جو من التلاقح والتعايش والتكامل الفكري والثقافي الكوني.

وبالعودة للجزء المتعلق بالآثار والتداعيات السلبية، بل والكارثية في بعض الأحيان، لجائحة كوفيد19 على القطاع السياحي والمستثمرين والعاملين فيه، وجبت الإشارة إلى أن العديد من المؤسسات السياحية، الفندقية منها والتراثية الفنية، قد تأثَّرت بشكل واضح وكبير، خاصة بعد أن أغلقت أبوابها، مع ما يعني ذلك من توقف مداخيلها وأدائها لتكاليف وأعباء مالية، وعلى رأسها أجور العاملين لديها علاوةً على الضرائب ومصاريف أخرى. وهنا أُحيي المؤسسات الفندقية والسياحية التي استمرت في أداء أجور العاملين لديها رغم إغلاق أبوابها، وهي مبادرة إنسانية قبل أن تكون واجباً مهنياً تُحسَبُ للمشرفين على هذه المؤسسات السياحية، رغم أن أغلبها إن لم نقل كلها لم تستفد من أي صيغة للدعم في ظل ظروف الجائحة.

وفي ذات السياق، أعتبرُ أن التزام المستثمرين وأرباب المؤسسات السياحية بشكل خاص والاقتصادية بشكل عام، بأداء أجور المستخدَمين والعاملين بمؤسساتهم، هو واجب أخلاقي تفرضه ثقافة التضامن التي لطالما ميَّزت ويتميز بها المجتمع المغربي قبل أن يكون واجبا مهنيا قد تفرضه تعاقدات الشغل.

وتبقى الآثار الناجمة عن الوضعية الوبائية لفيروس كوفيد 19 ،قد أبانت عن العديد من المبادرات الداعمة لتشجيع السياحة ،حتى مع ضعف الإقبال، وأخصُّ بالذكر هنا العديد من دور الضيافة و الرياضات، خاصة التي يشرف عليها  أجانب ،حيث بادروا إلى تخفيض الأسعار إلى أكثر من نصف التسعيرة المعتمدة في الوضع الطبيعي والاعتيادي، وهو ما شجَّع العديد من السياح المغاربة  على ارتياد هذه المؤسسات السياحية بمدينة مراكش والمناطق المجاورة، الشيء الذي مكَّن هذه الأخيرة من تحقيق عنصر الاستمرارية  ومن ثمَّة الخروج من هذه الجائحة بأخف الأضرار وأقل الخسائر.

> على غرار العديد من القطاعات الاقتصادية التي استفادت من الدعم الذي خصصته الدولة لمواجهة آثار هذه الوضعية الوبائية، هل استفاد القطاع الذي تمثلونه) السياحة الثقافية والتراثية (، من أية صيغة تحفيزية للخروج ولو نسبيا من هذه الوضعية؟

< للأسف لم نستفد من أية صيغة أو آلية داعمة لقطاعنا، خاصة أن الأمر يتعلق بمجال جد حساس أو بصيغة أخرى هو قطاع جد هش أمام الأزمات الاقتصادية، حيث يرتبط بشكل عضوي ودائم، وكما أسلفت، بالحركية السياحية، ما يعني أننا من أكبر المتضررين جراء هذه الوضعية السوسيواقتصادية المتأزمة، وندعو الباري تعالى أن يرفع عنا هذا البلاء والابتلاء ويشملنا برحمته الدائمة والواسعة.

وتأكيدا على حجم الأضرار التي لحقت بنا، أؤكد لكم أنه تمَّ إغلاق متحفَي le MACMA وThe Orientalist Museum of Marrakech منذ أواخر شهر مارس، أي مباشرة بعد

بداية الحالة الوبائية لفيروس كورونا بالمغرب، ما يعني أننا نعيش على وقع وإيقاع الأزمة وتداعياتها السلبية الكارثية منذ حوالي الستة أشهر وأكثر، والحمد لله وبفضل منه، لا زلنا نؤدي أجور جميع مستخدمينا كاملة، مع رفضي المُسبق أن يضعوا ملفاتهم للاستفادة من تعويضات صندوق جائحة كورونا الذي أبدعه وأنشأه صاحب الجلالة نصره الله، في مبادرة وطنية إنسانية ساهمت وبشكل كبير في التخفيف من أعباء شرائح عديدة من الأسر المغربية اقتصاديا واجتماعيا. فقد اعتبرتُ ولا أزال أن هناك فئات اجتماعية في حاجة أكبر للدعم لمواجهة هذه الأوضاع الاستثنائية التي يمر منها وطننا العزيز والعالم أجمع.

> ما هي رؤيتكم بخصوص مسألة الرُقي بالسياحة الثقافية والفنية والتراثية بالمغرب؟

< سؤال هام ومحوري، وفي هذا الإطار أؤكد على أن الرُقي بقطاع السياحة الفنية والتراثية المغربية، هو مسؤولية مشتركة بين مختلف مُتدخلي وشركاء المشهد الثقافي والفني، وأخصُّ بالذكر وزارة الثقافة وكذا هيئات المجتمع المدني المُمثِّلة للفاعلين والعاملين في القطاع، ومن جهة أخرى وزارة السياحة وباقي هيئات هذا المجال، من خلال الخروج بتوصيات ورؤى مشتركة وموحدة، خدمةً للسياحة الوطنية في شتى أبعادها وتصنيفاتها، من سياحة المؤتمرات وسياحة الطبيعة إلى السياحة الفنية وصولاً إلى السياحة الثقافية والتراثية.

و أستغل هذه الفرصة للتأكيد على أمر جد هام، بل هي دعوة إلى جميع كبار المستثمرين و رجال الأعمال المغاربة ،إلي تبني مبادرة ثقافية وطنية، تتأسَّسُ على فكرة افتتاح متحف أو على الأقل رواق في المدينة التي يوجد ويستثمر بها كل رجل أعمال، ولِمَا لا تخصيص جزء من  البناية التي تحتضن المقر الرئيسي للمؤسسة الاقتصادية ،تخصيصه كرواق لعرض لوحات فنية لكبار الفنانين التشكيليين المغاربة والعالميين، أولاً تشجيعاً للثقافة المغربية و ثانيا المساهمة الفعلية في تحقيق المزيد من الإشعاع والانطلاق نحو آفاق أكبر وأرحب للفن والتراب المغربيين. وهي الرؤية التي تتبناها العديد من الحكومات الأوروبية و في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا، و قد حققت جميع الأهداف والغايات المرجوة منها، اقتصاديا وفنيا، وبدرجة أكبر وأهم ثقافيا وحضاريا، من خلال اقتناء جملة من الأعمال الفنية والمقتنيات التراثية، من لوحات لكبار الفنانين العالميين الذين يمثلون كُبرى مدارس الفنون التشكيلية وكذا منحوتات فنانين مخضرمين يمثلون فترات فنية مختلفة على مدار التاريخ الإنساني الممتد عراقةً وحضارةً.

> الكلمة لكم الأستاذ الملوكي؟

< أولاً أجدد شكري وتقديري لكم ومن خلالكم لمؤسستكم الإعلامية على هذه المبادرة الحاملة لهموم الدفاع عن الشأن الثقافي والتراثي المغربي. وأؤكد لكم ومن خلالكم للرأي العام الوطني  والدولي، أننا لطالما آمنا وسنظل على قناعتنا الراسخة، بأنَّ أكبر سفير لأية أمة أو وطن  هو الفن والثقافة، وهو الأمر نفسه بالنسبة لوطننا الغالي المغرب، الذي و كما تعلمون يتمتع بغِنى ثقافي وتراثي وبموروثه الإنساني والحضاري فوق الغني والمتعدد، بعادات وتقاليد  مختلف مناطقه وجهاته، الأمر الذي يجعلنا جميعا أمام مسؤولياتنا الوطنية والأخلاقية فيما يخص ضرورة الاستمرار في المزيد من العمل الجماعي التشاركي الجاد والمسؤول، حماية لموروثنا الإنساني من جهة وتعريفا به على المستوى العالمي من جهة  ثانية، مع التأكيد على أن وطننا  يتوفر على رأسمال بشري مؤهل علميا ومعرفيا وخبرات قادرة على الرُقي بالقطاع وتطويره، في ظل مبادئ وقيم التعايش الإنساني التي يتبناها المغرب كأسلوب عيش ومنهجية حياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق