ثقافة وفن

شكلتها حركية الأدب وقدمتها السينما المصرية

السوداني ... صورة نمطية ... الدونية والإيغال في التشويه بمغالطة حيوبوليتيكية

مصطفى يوسف

تحفل متلازمة الأدب/ السينما المصرية، بتعمد تشكيل وتأطير صورة نمطية مغرقة في التسطيح والتحمل ببنيات مفارقة للواقع والحقيقة عن آخر متوهم، هو في الأصل متشكل بافتراضات تاريخية كجزء من صميم النسيج الاجتماعي المصري، تتم إزاحته عنوة عن هذه الدائرة، عصا تتوكأ عليها العقلية المتقوقعة على ذاتها، للنيل من وسط، تنتزعه هو الآخر من اللحمة المكونة لحضارة وادي النيل، ذلك إن أردنا إعادة العجلة إلى الدوران الخلفي.

كملمح ومعطى عام لحركية الأدب ومن ثم السينما التي تأخذ عنه مادتها الخام، يحضر إلينا النوبي/ السوداني، في صورة ضعيف الشخصية، غريب الأطوار، متواضع في القدرات العقلية لدرجة التخلف الذهني، قليل الفهم والإدراك، إنسان يعيش خارج حدود الزمان والمكان، فاته قطار الحياة، ولم يلحق إلا بالعربة الأخيرة منه، ساذج، تسمه بعدم الإلمام باللغة العربية، وعدم القدرة على نطق بعض الحروف، خاصة العين، تلصق به تهمة التقوقع في مهن محدودة، لايتعداها إلى غيرها، بواب فقط، وتكشف سيمياء الصورة المتشكلة من هذه الحركية انقطاع هذا الإنسان كظاهرة معلقة في الهواء، منبت الجذور، بلا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، ولا أسرة يعيش فيها، وهي دلالات غاية في الخطورة ، تكتسب أبعادها لما ترسخه في ذهن المتلقي، الذي يتعاطى هذه الترهات دون القدرة على فلترتها وإعادة تموضعها، وهذا يتماس مباشرة مع مضامين مشروع واسع يتجاوز الدائرة المصرية إلى أعم.

لم يحدث أن اهتمت هذه الحركية بمشاعر هذا الإنسان ولا أحاسيسه ولا آلامه ولا أفراحه، ولا فيما يفكر، لأن خاصية التفكير منزوعة عنه، لذا تعلقه كدمية، لا فائدة منها إلا ما يملأ المساحة الزمنية وحيز الكتابة، لأهداف آنية وتوظيف لحظي، لهذا تتجاهل أي امتدادات لهذا الكائن الموسوم باستمرار بالقبح شكلاً ومضموناً، إمعاناً في الدونية، وهذا ما تحاول ترسيخه في ذاكرة المتلقي وقد نجحت.

أسهمت هذه الحركية في خلق حالة من الغضب والتململ، الذي لم يجد متنفساً في الماصي، لضيق المواعين الإعلامية وكتم رجع الصدى، نسبة لتحكم حارس البوابة الإعلامية في غربلة ما يسمح به للمرور عبرها، إلا بما يساهم في تكثيف تفاصيل هذه الصورة المغيتة والمؤلمة، ولذا يعتقد أن هذه النمطية تنتج عن استراتيجية معمول بها، وليست مجرد حالة مزاج. كما ساهمت في تمليك الجراءة لخطاب آخر وصف السوداني، بأبشع الصفات، ومن ثم أفلح في وضع العراقيل والمصاعب أمامه.

النماذج كثيرة ومتعددة، ومن باب المثال لا الحصر، في قصته (اللون الآخر)، يقدم إحسان عبدالقدوس، بطل قصته الطالب السوداني بكلية الزراعة، حسن عباس الفكي، الذي أحبته زميلته ميرفت، لاختلاف لونه، هذا هو مبرره، وقدمته لأسرتها للتعارف بهدف الزواج منه لاحقاً، والتي أبدت اعتراضها عليه، بل ثارت بعد أن اخبرتهم بنية الزواج منه، وهذا طبيعي، لكن ماهوغير الطبيعي، حالة النفور والتقزز التي واجهته بها الأسرة، وكأنه كائن يهبط من الفضاء، والسارد الذي شدد على أن حسن لم يستطع الخروج من عباءة العادات والتقاليد ليزور ميرفت يومياً ليذاكر لها، بل نص الراوي على أنهم (أفراد الأسرة) لم يستطيعوا إخراج حسن من عقليته القديمة، أي عقلية قديمة؟ واعتبر هذه منغصة في الشخصية، حسب فهمه، وتحليله الذي بناه على خبرات ضعيفة، بلا مقياس، ثم يمظهر مجتمع الخرطوم على انه مختلف في كل شيء، النساء، الرجال، العقلية، وبعد الزواج تصطدم ميرفت – رغم نشوتها بما وجدت- بالعادات والتقاليد، ثم تكون النهاية، بالطلاق، رغم الحب، والسؤال المعلق، هل تعود ميرفت للخرطوم أم لا؟

لا تهمني دلالات السؤال الذي طُرح وانفتاحه على تأويلات عميقة، تتجاوز حتى إمكانيات الكاتب، تختزل محمولات حقب تاريخية بأكملها، وتعيد أسئلة، الإجابة عليها، تعني التوغل في حقول ألغام، خاصة إذا قريء مع سؤال الأب عندما اعترض على هذه الزيجة، ماذا ستبني ميرفت مع هذا الشاب في المستقبل؟ ورد السارد، بكل بساطة، أن اختيار اللون مسألة ذوق!!، وكأن (حسن)، سلعة تشترى، لكن المهم هو سيميائية الصورة التي سرب من خلالها الكاتب حركة مجتمع بأكمله، وبأرها بتسطيح غبي، وهو هنا لا يعبر عن حالة فهم خاصة أو شاذة، إنما ينطلق من عقل جمعي، تشكل وفق منظومة أخطاء، منها التعليمي وذاك المتعلق بالمكون الثقافي.

رسمت القصة صورة موغلة في التشويه عن عادات السودان- الذي يصر الخطاب المصري دائماً على أنه جزء من مصر- من كافة النواحي، غالطت الواقع، وارتكزت على مقولبات تعاطاها الفكر دون اخضاعها لا للمنطق ولا للحقيقة، حسن الذي تغير، واهماله لزوجتها، بمجرد ان وطأت قدمه مطار الخرطوم، وتفاصيل أكثر غرابة ودهشة عن السحنات وألوان البشرة، والإباحية في ممارسة الجنس.. إلخ…، بأسلوب أقل مايمكن أن يقال عنه إنه ساذج، يصدر الحكم قياساً على نموذج العادات المصرية، بل الأدهى واللا مقبول، إصرار حسن على ختان زوجته، من خلال حوار، لم يذهب إليه حتى صمويل بيكيت، مؤسس مسرح العبث.

وهو ذات العبث الذي أحالنا إليه نجيب محفوظ في روايته (كفاح طيبة)، برسمه شخصية (زولو)، عبر الحوار، بما فيه من  رمزية ودلالات، قزم ، أسود، قبيح، يمكن أن يُقتنى، مثل أي شيء يشتريه المتسوق من السوق، إنسان أقرب إلى الحيوان لولا أنه يتحدث لغة غير مفهومة، وصورة قومه الذين يعيشون في أقاصي غابات النوبة، حيث يرقد النيل المعبود، شعب وافر العدد فيهم نساء ورجال وأطفال ولهم ملك وسهام مسمومة يسددونها نحو الحيوان المفترس والإنسان المغير، يأنسون إلى الناس سريعا ويخلصون المودة لمن يصادقهم، ويتبعونه كالكلب الأمين.

يصدر هذا عن فهم مغلوط للمفردات الجيوبوليتكية، ضخمت منه وزادت طينته بلة، الكيفية التي تصمم بها المناهج الدراسية، التي خلقت هذه الشخصنة والتعالي الكاذب وغير المبرر، والتوهم من وجود آخر، ومحاولة تقزيمه والنيل منه، والانغماس في المحلية بما تعنيه من إنغلاق وقصور ثقافي، يلخصه سؤال محمود عباس العقاد عمن الشاعر الذي قال بيت الشعر هذا: أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا.

إن المحافظة في الزمن على تقديم هذه الصورة بهذه الكيفية، ومايجري وسيجري أمر ليس ببعيد عن مخرجات الحركية السياسية، ضمن مشروع يفتح نحو آفاق أبعد، تمس جوهر الهوية، وترمي الإنسان المقصود، بالإقصاء عن حضنه العروبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق