ثقافة وفن

تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن والتاسع عشر

قراءة تأصيلة للمؤلف التحفة(1/2)

عبد العالي الطاهري

والعالم يعيش ظرفاً استثنائياً بجميع المقاييس، مع الانتشار المهول لفيروس كرونا، حتى صنفته منظمة الصحة العالمية جائحة أصابت البشرية والمعمور، يأتي طرحنا لمُؤلَّف يعتبر كتاباً مرجعياً وازناً، في بُعديه التاريخي والاجتماعي٬ يتعلق الأمر بالمؤلَّف التحفة «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب» لمُؤلِّفه الدكتور محمد الأمين البزاز.

فقد صنفه كبار الباحثين والمهتمين بالشأنين التاريخي والسوسيولوجي، على المستويين المغربي والعربي، على كونه جزء هام ومرجعي من ذخيرة الأبحاث والدراسات التاريخية المغربية الأكاديمية القيمة حول تاريخ المغرب الاجتماعي وتاريخ أزماته الاجتماعية تحديداً.

إلى ذلك نطرح هذه الورقة الموجزة، توصيفاً وتعريفاً وقراءةً، حول مُؤَلَّف «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب» خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للدكتور محمد الأمين البزاز رحمه الله. ولعله من أوائل الباحثين والمؤرخين المغاربة الذين انفتحوا على هذا الورش بحثاً وتنقيباً وتأليفاً، وممن كان لهم كبير الفضل أيضاً في إغناء خزانة البلاد التاريخية بأعمال علمية على درجة عالية من الأهمية والقيمة المضافة علمياً ومعرفياً. وقد ارتبط اسم محمد الأمين البزاز، رحمه الله، بتاريخ الأوبئة والمجاعات، نظراً لِما اشتغل عليه لسنوات حول ما عاشته البلاد من أزمات طبيعية دورية. فقد تميز بتأسيس مدرسة جديدة في علم التاريخ، عبر تبني منهجية بحث وتنقيب وكتابة وسَبْق بأدوات علمية حديثة من جهة، وبإسهامات قيِّمة وأعمال علمية تعد مرجعاً أساسياً لكل باحث يلج تاريخ مغرب ما قبل الاستعمار من جهة ثانية.

والفقيد محمد الأمين البزاز الذي توفي قبل ثمان سنوات، عمل أستاذاً لتاريخ المغرب المعاصر منذ ثمانينيات القرن الماضي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وهو من الباحثين المتميزين الذين أثثوا ورش تاريخ المغرب الاجتماعي من خلال ما رصده وأبرزه من جوانب كانت مغمورة فيه خاصة قضية الأوبئة والمجاعات. وكانت جهوده البحثية قد تُوجت بمؤلَّفين تاريخيين، أشرف عليهما الأستاذ جرمان عياش الذي أعطى الكثير بدوره لتاريخ المغرب المعاصر إنتاجاً وتنقيباً وتفكيراً وتأطيراً لعقود من الزمن. وهذان المؤلَّفان هما “المجلس الصحي من 1792 إلى 1829” وقد نال به دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، أما الثاني فقد تمحور حول مجاعات وأوبئة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالمغرب، وكان موضوع أطروحة جامعية قيِّمة نال بها الفقيد شهادة دكتوراه دولة، نوقشت بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط في يونيو 1990.

وإضافة لِما أسهم به من مقالات علمية حول تاريخ المغرب الاجتماعي في مجلة دار النيابة التي كانت تصدر من طنجة ومجلة كلية الآداب بالرباط، إضافة لِما نشر بمجلة هيسبريس تامودا ومجلة المناهل..، عمل محمد الأمين البزاز رفقة عبد العزيز التمسماني خلوق رحمه الل، على تعريب كتاب “دراسات في تاريخ المغرب” و”أصول حرب الريف” لأستاذهما جرمان عياش.

ولعل أهم عمل طبع مسار محمد الأمين البزاز وجعله بوقع كبير ووازن في حقل البحث التاريخي بالمغرب وبموقع ضمن جماعة المؤرخين والباحثين المغاربة، هو مؤلَّف “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب ” في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقد صدر في طبعة أولى بداية تسعينيات القرن الماضي عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وهو عمل علمي يُعد بحق مرجعاً بقيمة مضافة هامة يصعب القفز عليها في هذا المجال، وكما قال تعالى “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ”.

في تقديمه لمؤلف « تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب « يذكر جرمان عياش أن معرفته بصاحبه، سمحت له باكتشاف خصال جعلت منه مؤرخاً مرموقاً، لِما تميز به من نهج بحثي جمع بين اطلاع وتأني في التنقيب عن الوثائق وفهمها بشكل دقيق، و كذا من حرص في إدراج الأحداث في إطارها الزمني مع اهتمام بتقصي الأسباب وتحليل انعكاساتها، مشيراً لِما كان له من فضل في تأسيس مجلة “دار النيابة” رفقة زميله عبد العزيز التمسماني خلوق، وهي المجلة التي كانت تنفد أعدادها بمجرد خروجها إلى السوق لِما كانت عليه من تجديد في ملفاتها وما كانت تحتويه من مادة تاريخية علمية جاذبة.

وحول مؤلَّف محمد الأمين البزاز باعتباره أطروحة جامعية، أورد جرمان عياش أنه نتاج جهد كبير، انكب فيه الباحث لإبراز ما عاشته البلاد وما تعاقب عليها من أزمات خلال هذه الفترة مستحضراً أصولها وبداياتها وتأثيراتها ونهاياتها، مؤكداً أن الأوبئة والمجاعات كانت قضايا مغمورة في تاريخ المغرب ولفترة طويلة، علماً أنها عنصراً محورياً لفهم تاريخه، وأن محمد الأمين البزاز أبرز ما كانت عليه البلاد من جوائح وما كانت عليه الدولة في هذا الاطار من دور في التخفيف من وقعها خلافاً لِما ورد لدى مؤلِّفين أجانب.

ويشير محمد الأمين البزاز في مقدمة مؤلَّفه، أن الإخباريين المغاربة كانوا أكثر اهتماماً بما هو وقائعي سياسي، وأكثر عناية بمراكز البلاد دون هوامشها وبفترات ازدهار دون التي كان فيها المغرب يعيش أزمات، باستثناء نَتْف هنا وهناك مرواً عليها مرور الكرام، الشيء الذي يجعل منها قضايا مجتمع جديرة ببحث ودراسة واهتمام من قِبل باحثين ومؤرخين، علماً أن الأوبئة والمجاعات وغيرها من الآفات الاجتماعية هي ظواهر ملأت سجل تاريخ المغرب، مشَكِّلةً محطات بارزة، بالنظر لِما خلفته وترتب عنها من خراب بليغ ونزيف بشري كان على درجة من الأثر والقسوة، بدليل ما ورد حولها في مصادر تاريخية مغربية لمعاصرين.

وقد توزع مؤلَّف « تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب « خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على أبوابٍ ثلاثة، تمحور الأول منها حول المغرب بين مجاعة وطاعون وحروب أهلية في الفترة ما بين 1721 و1826، إضافة لمدخل خاص بهذا الباب، قسَّمه محمد الأمين البزاز لثلاثة فصول، تعرَّض فيها لكوارث فترة المولى إسماعيل وما تلاحق على عهد خلفائه متزامناً مع حروب أهلية، ثم لِما طبع زمن المولى محمد بن عبد الله من مجاعة كانت بأثر معبر وجلي في تقليص مداخيل المخزن. فضلاً عما جاء به حول طاعونين جارفين الأول في الفترة ما بين1798 -1800 والثاني ما بين 1818- 1820 وما حصل من مجاعة قاسية سنتي 1825 و1826، والتي شكَّلت جميعها نزيفاً ديمغرافياً كبيراً أثَّر على البلاد والعباد.

أما الباب الثاني فقد ركز المؤلِّف من خلاله على رصد تسرب الأوربيين للمغرب وما عرفه من كوليرا ومجاعة، حيث تقاسمته فصول تناول فيها قطيعة توازن اجتماعي واقتصادي من خلال إبرازه لِما حصل من تسرب أجنبي ومن آثار على البلاد، فضلاً عما تحدث عنه من كوارث طبيعية ضمن دورات ضربت البلاد منذ بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى أواسط التسعينيات منه. ليخصص الباب الأخير من عمله العلمي هذا لردود فعل السكان وتدخل المخزن في تقديم وتنظيم المساعدة للمنكوبين من جهة، وِلِما كان هناك إثر ما حصل من خوف وهواجس من رأي للفقهاء حول ما وقع من أوبئة وحجر صحي من جهة ثانية.

بوكليب، الريح الأصفر أو الكوليرا: مظاهر وتجليات التاريخ الوبائي بمغرب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر

لقد عرف تاريخ المغرب مواجهات طاحنة مع الكثير من المجاعات والأوبئة خصوصا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث فتكت بالآلاف من المغاربة، ما كان له بالغ الأثر على نفسيتهم. فمن منا لم يسمع بكلمات ربما يجهل معناها في حيه أو قريته أو مدينته.. كـ (التوفيس، أو بوكليب أو الريح الأصفر أو الجُذام أو غيرها من الأمراض التي أوجد لها المغاربة تسميات خاصة بهم؟ ما يعني أن هذه الأمراض تركت آثاراً نفسية بالغة بيننا وفينا كمغاربة ربما نحن فقط نسمع بها.

لكن لا ينبغي أن ننسى بأن أجدادنا عانوا الأمرَّين مع هذه الأمراض، وتسببت لهم، علاوةً على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، في أزمات نفسية حادة ومزمنة في بعض الأحيان، خصوصاً أنها فتكت بالآلاف منهم إلى درجة أن بعضها أباد قرى عن بكرة أبيها، خصوصا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي الفترة الأشد قسوة على المغاربة بشهادة جل المؤرخين وعلى رأسهم الدكتور محمد الأمين البزاز، الذي يرى أن هذه الفترة “كانت أشبه بكابوس عَمَّر طويلاً وقضَّ مضجع المغرب والمغاربة، حيث باع المغاربة أبناءهم لإخماد نار الجوع، وكان أول عهد للعديد منهم بالسطو والتسول والبغاء، واضطر آخرون لافتراس الكلاب والقطط والخنازير ».

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق