ثقافة وفن

قصة قصيرة

ساعة رحيلي لم تحن بعد

الحسن بلعربي

أصبح الصمت يعم المكان، لم يعد يُسمع سوى خطوات الخادمات بين ذهاب وإياب وهن ينتقلن بين غرف النزلاء. منذ أسبوعين وهو حبيس في غرفته. هذا الصمت يخيفه، وقد يخفي حدثا جللا.

دخلت خادمة وهي تحمل صينية الفطور.

– صباح الخير رفائيل، هل نمت جيدا؟

بدت قلقة وصوتها يرتجف. لاحظ احمرار عينيها الواسعتين. ربما كانت تبكي قبل دخولها إلى غرفته!

– ماريا، هل تخفين عني أمرا ما؟

– لا أبدا، كل شيء على ما يرام!

صوتها أصبح مبحوحا والدموع تلمع في مقلتيها.

لم يصدقها بالطبع، وبادرها:

– لكني سمعت ليلة أمس نحيب إيزابيلا، هل توفي خوليو؟

طال صمتها محاولة ألا يرى الدموع على خديها؛ لكنها لم تستطع تحمل الكتمان، فانفجرت:

– مات خوليو البارحة، وهذا الصباح خمسة آخرون فارقوا الحياة أيضا: خواني، أنطونيو، فرانسيسكو، أنخليس وإيميليو.

لم يكن مستعدا لتلك الصراحة المفرطة ولا لذلك الواقع المروع. ارتعد فنجان الشاي بين يديه، وحاول أن يتخلص من تلك الدقائق الأليمة، لكن الثواني كانت قد تجمدت ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه المتسارعة…. كان قد سمع وصول العديد من سيارات الإسعاف إلى المبنى؛ لكنه لم يكن يظن أن الأمور قد وصلت إلى ذلك الحد…

بالرغم من توسل ابنته إليه لكي ينتقل للعيش معها، فإنه فضّل السكن في دار المسنين بعد أن توفيت زوجته منذ ستة أشهر. لم يكن يحب إزعاج الآخرين، ثم إنه لم يكن يشعر بالغربة وسط أقرانه. كانت ابنته تزوره مرتين في الأسبوع، قبل أن تمنع عنهم الزيارات بعد تفشي الوباء اللعين.

منذ أن سقطت أولى ضحايا فيروس “الكورونا” وهو يتابع الأخبار التي لم تكن تنبئ بالخير أبدا، وعلم أن الفيروس الجبان يستبد بالضعفاء أمثاله؛ وما أكثرهم. تلقى مكالمة هاتفية من ابنته تستفسر عن حاله، فجمع قواه ليوهمها بأن الأمور تسير بشكل عاديّ..

عند الظهيرة دخلت خادمة لم يسبق أن رآها من قبل وقد جلبت له الغذاء. خرجت بعد أن رتبت له الصحون على طاولة الطعام ولم تنبس بكلمة واحدة.

ظل رفائيل طيلة المساء في شرفة غرفته التي تطل على الحديقة، ولم ير أحدا. كانت تأتيه أصوات صفارات الإسعاف ورجال الشرطة من كل الجهات. الموت أصبح أقرب إليه من حبل الوريد. صحيح أنه عمّر طويلا؛ لكنه لا يريد أن يموت وحيدا في هذه الظروف. عاش حياة كريمة، ولا يريد أن يموت بذلك الشكل. قد سمع أنهم يدفنون الأموات بدون أي شعائر جنائزية، وبدون وداع الأهل والأقارب لهم. قرر أنه ما دام على قيد الحياة فسيسمح لنفسه أن يكون جبانا، ولو لآخر مرة في حياته.

عندما زحف الظلام أخذ هاتفه وركب رقم هاتف ابنته: ألو، هل لي أن أراك عند الباب الخلفي بعد ساعة من الآن؟ لقد اشتقت لرؤية أحفادي. تسلل إلى الخارج بعدما ترك رسالة في غرفته تقول: ساعة رحيلي لم تحن بعد، فعلى هذه الارض ما يستحق الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق