سياسة

قراءات

مناظرة تاريخية (2)

محمد المنتصر حديد السراج

نواصل حديث ياكوف هرتزوج سفير (إسرائيل) في كندا في بدء مناظرته التاريخية مع الفيلسوف المؤرخ أرنولد توينبى في 1961، يقول هرتزوج: يوجد الآن في إسرائيل مائتا ألف عربي يتمتعون بالمساواة في جميع الحقوق جنبا الى جنب مع مواطنيهم اليهود. وأنا أمثل هؤلاء المواطنين على نفس النحو الذي أمثل فيه المواطنين اليهود. فجميعهم مواطنون إسرائيليون. ولا شك أنه يوجد عدد كبير من اللاجئين في المعسكرات وفي نفس الوقت قد استوعب جزء كبير منهم في اقتصاد البلاد المجاورة. ولكن حتى أولئك الذين في معسكرات اللاجئين بينهم كثيرون يعملون رغم ما يقاسونه من عناء، وقد ازداد عددهم خلال الثلاث عشرة سنة المنصرمة. وعلى كل حال فثمة فرق بين وجود طفيلي وبين إفناء كامل. وهم يقاسون العناء لأن الحكومات العربية التي تسببت في آلامهم ترفض أن تخفف عنهم هذه الآلام بالتعاون في تسوية مشاكل اللاجئين العرب. والعناء الذي يقاسونه هو نفس العناء الذي بدأ في 1947 ومصدره هو نفس المصدر.

سيدي الأستاذ: هناك علاقة بين الحادثين اللذين نشير اليهما وهي أنه في الحالين تعرض الشعب اليهودي للعدوان. وأبيد ثلثه في الحالة الأولى أما في الثانية فقد قاومنا. قاومنا دفاعا عن النفس، ونجحنا بإرادة الله الرحيمة. أما وجه العلاقة الثاني فهو أنه نتيجة لما قاسيناه من مذابح بشرية تدعمت إرادتنا وسنفعل كل ما في مقدورنا حتى لا تحيق هذه المأساة بشعبنا مرة أخرى.

ولكن كيف يمكن أن يذكر هنا الحادثان في وقت واحد وبصوت واحد.. حادث إبادة ثلث شعبنا ومشكلة اللاجئين التي خلفتها الحرب التى شنها العرب أنفسهم، هل نعدل المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التى تقول: إذا أنت هوجمت فلك أن تدافع عن نفسك. ولتذكر أنه مهما عانيت أثناء هذه العملية أنه إذا كان من هاجمك قد عانى فإن التاريخ سوف يستنكر عملك.

إنك تتحدث أيها الأستاذ بكل احترام عن غاندي ومفاهيمه، وتربطه عبر التاريخ مع الحاخام يواكيم بن ذكى أحد كبار أساتذتنا في القانون وقت تدمير المعبد الثاني. و في وسعنا أن نتحدث فيما بعد عن الحاخام يواكيم بن ذكى ورسالته وعلاقته بالمدارس الفكرية الأخرى. ولكنى أود أن أقول الآن إن غاندي في معارضته الدفاع الإيجابي عن الذات النشط لم يندد مطلقا بأولئك الذين ينهجون هذا النهج.

فماذا كنا نفعل؟ هل كنا نسمح بتكرار ما أنزلته بنا النازية؟ وهل كنا نسمح بأن نذبح؟

إن المقياس الأخلاقي في رأيي في هذه الحالة غامض ولا يمكن تمييزه والنزعة الخلقية إذا هى لم تحدد على وجه التعيين فإنها لا تقوى بل هى تضعف. ويجوز للمرء أن يقول إنها نزعة خلقية حيادية وقد قال رينان:(إن الحقيقة هى فيما هناك من أوجه خلاف طفيفة). ولكن هنا لا توجد حتى خلافات طفيفة بل هناك قرينتان تختلفان كلية. هناك حق وباطل.

سيدي الأستاذ: إني شاكر ومقدر لكم حضوركم الليلة وأرجو أن توضحوا لي و للحاضرين ما كنت تعنيه بحديثكم الذى ذكرته صحف مونتريال.

كان كل ما تقدم هو حديث هرتزوج في بدء المناظرة، وعقب عليه الفيلسوف توينبى.

بروفيسور توينبى:

من عادة الملاكمين أن يتصافحوا قبل العراك. ولعل هذا مثل طيب للسفراء والأساتذة كذلك. وأخشى أن أقول إن ما سنعرضه ليس مسليا كما يعرضه المتلاكمون. ومع ذلك فهذه مناسبة ذات أهمية وخطورة بالغتين. وكما قال السفير، هناك أمر أو أمران نود نحن الإثنين مناقشتهما في حضوركم. أما الأمر الأول والمهم فهو تلك الموازاة التي عقدتها في كتاب نشرته عام 1954، على ما أذكر، بين ما فعله النازي بيهود أوروبا وما فعله الإسرائيليون بعرب فلسطين. وهو موضوع أثير، على نحو ما ذكر، في أحد الأسئلة التي ألقيت على في اجتماع عقد بدار هليل في أحد الأيام وقد بذلت جهدي للرد عليها. وقد أجبت على ذلك السؤال بكلمة نعم وأثبت ذلك كتابة ولا زلت عند رأيي. وأرى الآن السفير قد سبقني بأن ذكر لكم حين عقدت هذه المقارنة في كتابي وكررتها في ذلك اليوم لم أكن أعقد مقارنة عددية. وذلك أنه من الواضح أن لا مجال للمقارنة بين أرقام تبلغ الملايين وأرقام لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة أرقام في معظم الحالات. والمجموعة الثانية من الأرقام التى أتحدث عنها تتعلق بالمدنيين العرب الذين ذبحوا خلف الخطوط خلال الحرب التى دارت بين الدول العربية والقوات الإسرائيلية في 1948. وهذه بالطبع أرقام وكل زيادة في الرقم معناها زيادة في الآلام. ولكن من المستحيل أن يكون المرء شريرا أو مجرما أكثر من مائة في المائة فهو في الحالين قاتل وشرير.

ولأوضح هذه النقاط بصراحة، إذا أنا قتلت رجلا فأنا قاتل، وليس من الضروري لأن أصبح قاتلا أن يبلغ ضحاياي الألف أو المليون. وأحب أن أسأل عما إذا كان بينكم في هذه القاعة مصريون، لأني أعلم أن في مونتريال عدد من المصريين أغلب الظن أنه لا يوجد منهم أحد. حسنا ولكن لنفترض أن بعضا من المصريين الذين هنا في مونتريال حضروا هنا الآن وقالوا لي (كيف تستطيع كإنجليزي أن تدافع عن مقتل السكان المدنيين في مدينة بورسعيد المصرية في خريف عام 1956 نتيجة إلقاء القنابل من الجو، وهي خسائر بلغت باعتراف الحكومة البريطانية نفسها عددا تبلغ أرقامه أربعة.

وقد أوفدت هذه الحكومة شخصا حقق في الأمر ولم يستطع جعل الأرقام أقل من أربعة. ولنفرض أنى أجيب:(و لكن هذا ليس قتلا. إننا لم نقتل إلا عددا أرقامه أربعة ويجب كى يصبح الإنسان قاتلا أن يبلغ عدد القتلى مليون. فهاهم الألمان قد بلغ ضحاياهم بضعة ملايين من الناس، وهم لذلك قتلة. ولكن نحن، البريطانيين، فإننا لسنا بقتلة). ماذا تظنون برد كهذا؟ ماذا تقول مصر وماذا يقول العالم؟ وإني أعتقد أن هذا ينطبق على الحالات جميعا. وبالنسبة للمذابح. ولا مناص من استخدام هذا اللفظ.. التي أشير إليها، فإني حينما أعقد المقارنة، لا أشير الى القتال الذي كان بين القوات المحاربة للدول العربية وقوات إسرائيل.

فالموقف كان، كما تعلمون أن الدول العربية من خارج فلسطين شنت حربا على إسرائيل، وأنا لا أدافع عن هذا. وفي ذلك الوقت كان ما يطلق عليه اليوم أرض إسرائيل بلادا يسكنها العرب وظلوا يسكنوها منذ قرون عديدة، كما يسكنها الإسرائيليون الذين وفدوا إليها منذ عام 1917 أي منذ أن استولى البريطانيون على القدس في 1917. وعلى ذلك فالذين أعنيهم هم السكان العرب الفلسطينيون المحليون.

والآن ننتقل الى النقطة الأخلاقية. إني أتفق تماما مع السفير في أن هذه النقطة الأساسية. النقطة التي تتصل بالماضي كما تتصل بالمستقبل. لقد ذكرت أمرا يثير في نفسي شجونا كثيرة، وهو عدوان بريطانيا عام 1956.. لأوضح لكم كيف أستطيع أن أنظر الى الأفعال التي اقترفتها بلادي كما أنظر الى تلك التي اقترفها الآخرون ولكنى أرى. إذا قبلتم ما قلته عن موضوع الأعداد. أن بعض المذابح التي اقترفتها القوات المسلحة الإسرائيلية في فلسطين يمكن مقارنتها. في المجال الأخلاقي. بما اقترفه الألمان.. (ضجيج في القاعة).. إننا نكره ما اقترفه الألمان لأنه كان مدبرا من قبل ونفذ بقسوة بالغة وبهدف. وأخشى أن أقول إن كل هذه النقاط تنطبق على المذابح (التي قد لا تقارن من ناحية العدد ولكنها تقارن من ناحية الكيف بما فعله الألمان) وهذه المذابح اقترفتها بعض القوات الإسرائيلية المسلحة مثل عصابة الشترن والارجون، ولا أعلم الى أى حد اشترك الهاجاناه كذلك في هذا الأمر.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق