ثقافة وفن

تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر

قراءة تأصيلة للمؤّلف التحفة (2/2)

عبد العالي الطاهري

في دواعي البحث في تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب

لاحظ الباحث في سياق اشتغاله بالبحث في الحقل التاريخي أن ما يشغل الباحثين أو غالبيتهم هي القضايا السياسية والوقائع الحربية في تاريخ المغرب، معللين ذلك بأنها تفسر مجمل التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، وانتقد عليهم عدم الانتباه إلى الأزمات الديمغرافية التي كانت تنتج في الغالب عن  الأوبئة والمجاعات، مع أن المعطيات التي تخص هذه الظواهر ملأت الوثائق التاريخية وسجل الأحداث في المغرب، ولاحظ المفارقة الكبيرة في البحث العلمي بين الغرب الذي أعطى اهتماما كبيرا لهذه الحوادث واستفاد منها، وبين ندرة العناية بهذه الجوانب في الحقل الأكاديمي العربي، وأدرج مثال مدرسة الحوليات الفرنسية وكيف قطعت أشواطا بعيدة في مجال البحث في هذا المجال، وأن ذلك ما دعاه كمؤرخ أن يهتم بهذه الظاهرة، ويسلط الأضواء التاريخية على مختلف الوقائع الخاصة بهذه الظواهر، ليس فقط لدراسة الماضي، ولكن لأخذ العبر والدروس من هذه التحديات الصحية وآثارها الديمغرافية والصحية والاجتماعية والاقتصادية.

ومع أن البحث في هذا المجال يتطلب تقاطع تخصصات كثيرة نفسية وصحية وسوسيولوجية واقتصادية وربما حتى سياسية، فقد اختار الباحث المغامرة، وخوض هذه التجربة، وتسليط  الضوء من زاوية تاريخية على هذه الأوبئة والمجاعات التي تعرض لها المغرب خلال قرنين من الزمان (القرن الثامن عشر والتاسع عشر) وذلك لاعتبارين اثنين: الأول لأن القرنين السادس عشر والسابع عشر خضعا من قبل للدراسة، والثاني لكون القرن الثامن عشر والتاسع عشر عرف زخما كبيرا من هذه الأوبئة والمجاعات، والثالث لأن دراسة الأوبئة في هذين القرنين من وجهة نظر الباحث، توفر أرضية صلبة لمقارنة الهوة الصارخة بين المغرب وأوروبا، وسبب تقدمها وتأخر المغرب، إذ في الفترة التي عرف فيها المغرب هذه الأوبئة والمجاعات المتكاثرة، تعافت أوروبا منها واستثمرت قوتها الديمغرافية في إحداث ثورة فلاحية وصناعية وعلمية، بل استثمرتها في تحويل قدراتها إلى مطامح توسع استعماري تسلطت على دول العالم الثالث.

الأوبئة والمجاعات في المغرب: الآثار النفسية ذريعة ظهور المهدوية أو تدعيم الاستقرار السياسي

تناول الدكتور محمد الأمين البزاز في الباب الأول من كتابه « تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب» والحروب الأهلية في المغرب ما بين سنة 1722 إلى سنة 1826، تعرض فيه للكوارث الطبيعية التي بدأت منذ السنوات الأخيرة لحكم المولى إسماعيل، وكيف تلاحقت في عهد خلفائه متزامنة مع الحروب الأهلية، وبيَّن فيها كيف خلقت من الدمار ما لا تذر معه خسائر الحروب، حيث أبرز المؤلف نتائجها على الصعيد الديمغرافي والاقتصادي، معللا في ضوئها ظهور بعض الحركات المهدوية التي استمدت مبررها وحججها من الرواسب النفسية التي خلفتها الكوارث في الذهنية الجماعية. كما بيَّن في المقابل كيف استثمر السلطان مولاي محمد بن عبد الله هذه الحالة النفسية لإعادة الاستقرار والهدوء للبلاد. 

كما تعرض في الفصل الثاني من هذا الباب للمجاعة التي اعترضت عهد هذا السلطان في سنوات 1776 و1782، مبينا دورها في تقليص مداخيل المخزن وتسبب ذلك في بروز عدة اضطرابات مما يعطي فكرة عامة عن نتائج القحط والجوع التي تجمعت لتحجب معالم قوة الحكم المركزي. 

الأوبئة في مخيال المجتمع المغربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر..بين  الغضب الإلهي والاختلال في فعل الإنسان يؤرخ الباحث لردود فعل السكان من الأوبئة، ويلاحظ الثقل الديني في تفسيرهم لهذه الأوبئة، إذ يبدأ التفسير باعتبار الأوبئة غضبا إلهياً وعقاباً من السماء، وينتهي إلى الربط بين هذا الوباء وبين الفعل الإنساني، فالغضب الإلهي لا ينزل إلاَّ إذا كان هناك فساد أو اختلال من كسب الإنسان وعمل لديه، وقد أشار الدكتور محمد الأمين البزاز إلى أن هذا التمثل لم يكن محصوراً على السكان أو الفقهاء، بل كان السلاطين والحكام يتبنَّوْنَه أيضا.

على أن ربط الأوبئة والكوارث في تمثُلات السكان لم يكن فقط بفساد الأخلاق وبروز البدعة في العقيدة، وإنما أيضاً بسلوك السلطة وظلمها، وبتعاملها مع النصارى وسماحها للتسرب الأوروبي وما نتج عنه من تفقير للسكان، في حين لاحظ الباحث وجود عدد من الأدبيات القريبة من السلطة التي كانت تبُثُّ خطاباً يعزو الأوبئة إلى معاصي الرعية وخروجها عن مقتضى الدين.

الجوع والأوبئة.. تكثيف الادخار للأغنياء

والتضامن الاجتماعي مع الفقراء

ومما أتاحه الاطلاع الواسع على الوثائق، ما سجله الباحث من تعدد ردود فعل السكان، فلا يكتفون بتبني الرؤية الدينية في توصيف الوباء بكونه غضباً إلهياً بسبب المعاصي التي يرتكبها العباد والفساد والاختلال الموجود في المجتمع أو السلطة، وإنما يتجه سلوكهم إلى الواقع، وإلى محاولة مواجهة هذا الوباء بالتفكير في طرق سد الجوع، وذلك بتكثيف عملية الادخار، وبناء ما يسمى بالمطمورات (حفر مطمورة ومُغطاة داخل الأرض)،بهدف تخزين الحبوب والأغذية والإبقاء عليها أطول مدة ممكنة لتلافي الوقوع في الجوع، كما يسجل الباحث تعدد وسائل التخزين التي كان يلجأ إليها السكان بسحب عوائدهم وبحسب مقر وجودهم في القرى أو المدن. 

ويسجل الدكتور محمد الأمين البزاز ملاحظة مهمة في هذا السياق، فالذين كانوا يُقبِلون على التخزين هم الأغنياء لأنهم كانوا يملكون الإمكانات لفعل ذلك، لكن ذلك لا يعني أن الفقراء كانوا يموتون جوعاً، وإنما كان السكان يلجؤون إلى فضيلة التضامن الاجتماعي لمواجهة هذه الكوارث، إما عبر تكثيف عمليات الوقف الإسلامي، أو الصدقات التي كان يوجهها الأغنياء لمتوسليهم المعروفين، وأيضا من خلال الأعمال الخيرية التي كان الأغنياء يقومون بها. 

و يشير الباحث أن هذه الأعمال الخيرية لم تكن محصورة فقط عند الحضريين بل كانت مشهورة حتى في الأوساط القروية، كما لم يغفل الباحث الدور الذي كانت الزوايا تقوم به في مواساة الفقراء وسد جوعتهم، والإعانات التي كان المخزن يقدمها للفقراء، لكنه أشار إلى محدوديتها وعدم قدرتها على احتواء الخصاص الكبير الذي كان يظهر على مطالب السكان المتضررين من هذه الكوارث والأوبئة، مما يُلجئ الفقراء إلى اقتلاع النبات وتجفيفه وتطهيره من المواد السامة وطحنه والتماسه طحينا لإعداد الخبز، وكان الكثير من الناس يتعرضون للموت بسبب تناولهم لطحين هذه النباتات العسيرة على الهضم.

والمثير في دراسة الدكتور البزاز، هو رصد مختلف أنواع السلوك الإنساني في التعامل مع الكوارث، لاسيما السلوك الهمجي الذي كانت تضطر إليه بعض فئات السكان التي تتضور جوعا من الكوارث، فتضطر إلى أكل الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب والجيف وحتى أكل الآدمي، فيما كان يلجأ البعض إلى الهجرة نحو المجهول، ويضطر البعض الآخر لوأد الأولاد للاستراحة من كلفتهم المادية، أو بيعهم وبيع النساء معهم وما يترتب عن ذلك من إشكالات فقهية خطيرة، فضلاً عن بروز ظاهرة البغاء والردة على الدين والسطو المسلح على أملاك الغير وغيرها من ردود الفعل التي كان يضطر إليها الجوعى والمنكوبين من الأوبئة.

ومما تابعه الباحث في بحثه رصد سلوك المخزن في التعامل مع المجاعات والأوبئة، فلم يكن المخزن يقتصر على توفير الطعام ومساعدة المحتاجين، بل كان يتجه بقوة للضرب بحديد على المحتكرين ومُدخري الطعام الذين كان يعتبرهم السبب الأساسي لغلاء المعيشة، وما سجله بعض المؤرخين في سلوك بعض السلاطين أنهم كانوا يعمدون إلى إعطاء المال لشراء الأطعمة من النصارى وبيعها بنفس القيمة التي اشتُريت بها لفائدة السكان المتضررين من الأوبئة والمجاعات. كما كان يقوم بإقراض القبائل المال من أجل تحمل مسؤولية إطعام الناس، وكان يتحمل إيقاف جبي الضرائب سنوات متعددة حتى يخرج المغرب من الكارثة بسلام.

وبقدر أهمية الحديث عن مؤلَّف تاريخي يهم أوبئة ومجاعات مغرب القرن الثامن عشر والتاسع عشر، بقدر سؤال الباحث والمهتم حول سبب بقاء تاريخ بلادنا الاجتماعي محدوداً إن لم نقل مُغيَّباً في اهتمامات مؤرخينا وباحثينا حتى ثمانينيات القرن الماضي، علماً أن ما يُعرف بتاريخ الذهنيات وما كان عليه من قضايا ذات علاقة منذ نشأته، تأثث منذ الحرب العالمية الأولى لدى مؤرخين أوروبيين كما الفرنسيين

“لوسيان فافر” و”مارك بلوخ” والبلجيكي”هنري بيران ،فضلاً عن جغرافيين وسوسيولوجيين، شكلوا جماعة أوحت بحَوْلِيات تاريخ اقتصادي واجتماعي أو ب”مدرسة حَوليات” 1929، أقرَّت بحقل آخر للتاريخ غير الذي كان محصوراً فيه من قبل، ولعلَّه تاريخ أفعال واعية وإرادية ونشر أفكار وسلوك بشري وسِيَر أحداث..، وِفق ما جاء عند “أندري بورغيار” أحد المتخصصين في تاريخ العلوم الاجتماعية، مضيفاً أن هذا هو ما جعل مؤسسي “الحَوليات” يدفعون باتجاه انفتاح المؤرخين على البُنى الاجتماعية والاقتصادية، وسعيهم من أجل تناول تاريخ المجتمعات في أغوار أعماقه وبشكل دقيق ومفصل.

وقام رواد “الحَوليات” الفرنسية بدور وسبق في وضع الأسس العلمية لدراسة الأوبئة، فحول ما نُعِتَ بالتاريخ الطبيعي للأوبئة، وردت فرضية “تاريخ مستقل” أو “تاريخ بيولوجي” صِرف للأمراض المعدية، أي أنه في حالة تفشي أي وباء بعنف في فترة من الفترات ثم ضَعُفَ بعد ذلك، فهذا لا يعني أن الناس تغلبوا عليه إنما حدث ذلك نتيجة حلول جرثومة أخرى محله. وكما يوجد تاريخ طبيعي للمناخ وَرَد أنه من العبث نفي وجود إمكانية تاريخ طبيعي للأوبئة، وأن إعادة تركيب ظاهرة وبائية هي تحليل لطريقة مجابهة تنظيم مجتمع ما ونماذجه الثقافية لعوائق وسط طبيعي،وهي أيضاً إبراز لرهان اجتماعي ولأشكال علاقات بالجسم تعبر عنها كل فترة تاريخية من خلال السلوك البيولوجي. وعليه، لم يكن تاريخ الذهنيات إلا وجهاً من التاريخ الاجتماعي الذي كان متعارضاً مع ما هو تاريخ سياسي وقائعي.

ومن هنا تأتي أهمية الإشارة إلى أن مقابل من برز في هذا المجال من باحثين ومؤرخين أوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية كما بالنسبة لـ”جون بيير بيتر”و”باتريس بورلولي” و”كريستيان جيوري”…، نجد محمد الأمين البزاز بالمغرب من خلال عمله المتميز « تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب…»، الذي تناول فيه ما تعرضت له البلاد من جوائح كانت على درجة كبيرة من الشدة والقسوة، وما عانى منه المغاربة خلال هذه الفترة من فتكٍ ونزيفٍ كان بأثرٍ كبيرٍ على معيشهم ومستقرهم.

وقد انتهى محمد الأمين البزاز في مؤلفه “تاريخ الأوبئة والمجاعات..”، إلى جملة إشارات لفائدة مسالك الأبحاث والدراسات الاجتماعية حول ما هناك من تخلف عانى منه المغرب خلال فترة ما قبل الاستعمار، معتبراً إياه صيرورة تاريخية معقدة، حيث تداخُل الأسباب وتشابكها، لدرجة يصعب معها عزل عامل من العوامل أو سبب من الأسباب واعتباره مسؤولاً، مشيراً إلى أن ما عاشته البلاد من أوبئة ومجاعات وجفاف.. ومن خلالها من أزمات اجتماعية، كانت من خوانق درب التنمية التي لم تسمح بظروف إقلاع مناسبة لمغرب الأمس..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق