ثقافة وفن

أبنوسة ونخلة

أمطارُ صندلٍ، في حقل أنغام

العاقب محمد حسن

أسامة الطيب

لم يكن “العاقب محمد حسن” يعلم، وهو بعد يحبو في جزيرة توتي التي ولد فيها عند العام 1935م، أنه يجوس بيديه الناعمتين على آثار جدّه “العبد الصالح” الذي  إلتقي نبي الله “الخضر” في جزيرة “توتي” بوصفها مكان الصخرة ومجمع البحرين النيل الأزرق والأبيض، كما تقول بعض الدراسات “الدينوتاريخية”، وربما هذا ما فتّق عيون الألحان في قلبه الكبير، و أوقفه يغني لصخرته الخاصة، لا يترك لِحوت مواهبه فرصةً يتخذُ سبيله في البحر سربا، و”توتي” تأتيه من كل جانبٍ بلحن شجي، من بين سلال الفواكه، ومقاطف الجرجير الطازج، و الجوافة الشهية، وأصوات الباعة عند الضفة، والصبية يخلقون عالمهم في النهر، وعند سجادة الزرع الحفية، فتبدأ عنده فكرة الخلق لأغنيةٍ جديدة، يقف عند “هذه الصخرة” يغني (يا حبيبي ظمئت روحي وحنّت للتلاقي، وهفا قلبي إلى الماضي وناداني اشتياقي ، ونظم ألاقي من حنيني ما ألاقي ،فأسقني وأملأ من النور لياليا البواقي، أنت تدري ما بقلبي من عذاب وشجونِ، يا ضنيناً حرم اللقيا على غير ضنينِ ، هاتي لي كأسي تروي ظمأ الروحِ الحزين ، طال شوقي وحنيني أه من طول حنيني).

وحين انتقل للعيش في مدينة أم درمان بدأ أنه يتقفىّ دروب “معاوية نور” السالكة، والفاتنة، والساحرة، والمتجاوزة، وُلدا في “توتي” وعاشا طفولتيهما في “أمدرمان” ، فجُمع لهما عطر الحياة الفارهة في “فتيل” النجابة نسيج وحدها ، وقفزا فوق تراتبية المتوقع، إلى مستحيل النتائج المُلهِمة، والمُلهَمة، يقرأ معه من نفس الصفحة (والنيل ينساب في مشيته هادئا كأنه صفحة المرآة المجلوة وعلى يميني في النهر بضع سفن بخارية وأمامي الخرطوم بحري وجزيرة توتي وعلى شمالي مدينة أمدرمان ، يخيم عليها الصمت ويكسوها ثوبا رقيقا ، ويخيل إلي أن ذلك الشجر الحاني بعضه على بعض والذي يظلل شارع الشاطئ ، وذلك النهر الهادئ بما فيه من قنطرة وأمامه من مدينة وجزيرة وما فوقه من سماء تحسبها لشدة زرقتها وانكفائها على حدود النيل أن السماء نيل وأن النيل سماء ، وأن الكل صورة يمكن أخذها ووضعها في إطار للتأمل فيها واستلهام الوحي منها ! وخطرت سفينة من تلك السفن المرصوصة ، فحسبت لأول وهلة أنها لاشك طامسة أثر ذلك الجمال ، عابثة بذلك الهدوء الصامت متلفة لتلك الصورة الرائعة ، ولكنها لم تصنع شيئا من ذلك) يخطو خاطره الفنان على سيرة “أم درمان” الفنّانة، وأم الفنانين، تراه هادئاً وهو يمور، كبركانٍ تناوشته الألحان من كل صوبٍ، فبدأت خيوط دخانه الحارق شيباً في الفودين ، وسمرةً على حواشي العيون توسعهما، وتكحلهما بسهر العشق وحمى الغناء الرعّاشة ، و”أم درمان” لا تترك لداخلها سبباً للغناء الا وتمنحه إياه، ولا باعثاً على لحنٍ إلا وأمسكته بأطراف خيوطه، ولا موضعاً للهيام إلا أسكنته في حدقاته، فيبيت الفتى خالياً، خفيفاً، ويصحو عاشقاً فنّاناً، في الطريق الشاقّي الترام، مع “الخليل” ،و”علي المك” ، وكوكبة المبدعين أليفة الوجدان  (ياحبيبي نحنا اتلاقينا مرة في خيالي وفي شعوري الف مرة، ألف مرة عاد سلامك والليالي تقول كلامك والبعاد يشعل غرامك عايز اشوفك مرة تاني مرة الف مرة، من بعيد بتعيش معاي في فؤادي وفي عيوني وفي دمايا، وحبي ليك من البداية قصة حلوة بلا نهاية، قصة حلوة وقالو مرة عايز اعيشها تاني مرة الف مرة اعيشها تاني مرة الف مرة، ياحبيبي امنياتي انت يااحلى الأماني، الليالي تغني لو تغني لو نتلاقى تاني اشدو ليك يزيد حنانك يزيد حنانك من حناني، وتقول معاي كل يوم كل يوم نتلاقى تاني كل يوم نتلاقى تاني نتلاقى تاني ياحبيبي ألف مرة، يا حبيبي نحنا اتلاقينا مرة في خيالي وفي شعوري ألف مرة).

كان “العاقب”، فنان الفنانين ، أنيق الألحان لما يمثله من مدرسةٍ فنيةٍ جديدة، وقد أنتج العديد من الأغنيات متنوعة الموسيقى والأفكار اللحنية خلال مسيرةٍ حافلةٍ لأكثر من خمسٍ وعشرين عاماً، هي قوام مسيرته الفنية، إلى أن بلغ الدرجة الأولى الممتازة في تصنيف المطربين السودانيين الذي وضعته الإذاعة السودانية، خاصة وإنه إضافة لرصيده الفنيّ من الغناء البديع لحّن لكثير من الفنانين العديد من الأغنيات التي لاقت رواجاً ونجاحاً كبيراً، منها أغنية “المصيرك تنجرح” للفنان “الطيب عبدالله” و”حنيني إليك” للفنان محمد ميرغني، و”ياحليلك يا أسمر” للفنان نجم الدين الفاضل، وغيرهم، وقد عرف عنه أيضاً، بأنه كتب بعض أشعار أغنياته، مثل أغنية “فراق” ، وقدّم برامج إذاعية عن فن الموسيقى ، وكل ذلك في محبةٍ مبذولة، وإبداع لا محيط له، وفرادة في الأداء، أسكنته الثريا، تراه هاشاً باشاً كأنه يوزّع الهوى على جمهوره، وهو يغنيّ لهم، ويخيط أثواباً من الحنين فوق مشاعرهم، لا يفضح أشواقهم، بل يراكم الشجى فوقها فيبين الدفء، ويخرجون من عنده تسترهم الاشجان، وتطلق سراحهم القيود، ويبسم لهم الوجع، وهو بعدُ يبذل أرواح كلماته ترفرف فوقهم، تحيي موات آمالهم، وتسكب عليها من مياه شجاها دنياواتٍ أُخر ، “فترى الناس صرعى في عراصهم كفتية الكهف ما يدرون ما لبثوا” (غنيّ يا قمري، غنيّ واسمعني في حبيب عمري، وصفك المغري، غنيّ يا قمري وأشدو بالنجوى، غنيّ للدنيا للغرام غنوة ،غنيّ قول لينا عن أمانينا، قول أغانينا والنغم يسري، طِير مع النسمة وامشي ناديهو، غنيّ للبسمة والجمال فيهو ،قول لي ياروحي أنت في روحي).

و” العاقب” كان مفتاحاً لمغاليق المجتمع  – شأنه شأن أمّة الأدب –  يمسكون بالمجداف، وبألسنة الموج، يضعون أيديهم على أفواه الغمام المستبدّ بالهطول، يشقّون القلوب، ويغرسون فيها نبتة ضوء، ويتعهدونها بسماد المعارف والشعور، فترى الناس تمشي، مضيئةَ الخارج، وضيئةَ الداخل، يتمشّون في حقول الأنغام، من فوقهم يهطل الصندل ومن تحتهم ينبت الصفاء الكبير، بعيداً، بعيداً عن قبائل السياسة، التي تجهد أن تدخُل هذه الساحات المورقة بالحس، بدبابات العدم، يستبدلون الأنغام، بالألغام ، و الصندل، بالفسفور الأبيض، والمِحن السوداء.

لا تكاد تنظر في عيني “العاقب” مرتين من فرط النور يشعّ من أنغامه (ظلموني الحبايب ، وقالوا لي أنسى، من بعد المحنّة، العشتها همسة همسة، بعد ما قلبي حبّ، وعشت مع الأحبّة، تكفي عيوني نظرة، وتكفي قليبي لمسة) ولا يكاد ينظر هو في عيني الكون أمامه، من صدق حيائه، ووافر حساسيته، وعميق محبته، فقط تفصح ريشةُ يده على العود وسيم النغم، وتضرب رِجلهُ على الأرض إيقاعها، فتُرْهِف الأرض أسماعها ، وينتظم المكان، وتبلغ الذروة “طوابي أم درمان” ، تقبِّلها نسمة قريبة، وحين يشدو بالغناء، تفتح “بوابة عبد القيوم”، طريقها، وأسفار عشقها المقيم، تسجّل بأحرفٍ من أبجدية العارفين (تائه ما عليكا، و لي مين اشتكيكا.؟انا الاحترته فيكا وهجرانك محال، يا حليلك يا اسمر، ابيت لعيونى تظهر، مانعنى الوصال، مانعنى الوصال، يا ناسي الليالي، يا مانع وصالي، صورتك شاغله بالي، ومعاي فى الخيال، يا حليلك يا اسمر، ابيت لعيونى تظهر، مانعني الوصال).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق