سلايدر

أن يصادق العربيّ اليهوديّ…! (4)

البحث عن الابنة المفقودة "نادية"

د. محمد بدوي مصطفى

مشاغل الدنيا:

باكو كعادته يشغل نفسه بأمور كثيرة، منها ما هو هام ومنها فتافيت وقشور، ومن النادر أن ينصرم شهر أو عام من عمره دون أن يشغل نفسه بهذا الأمر، على ما يسببه له من الكدر، التنغيص والمرارة، بيد أنه في سيرته الذاتية ظل دائما رجلًا كريمًا حكيما وسوياً، رغم صعاب الدنيا وأن الأهل لم يتركوا له هنا وهناك وقتًا كافيا يهتم فيه لأمور أهل بيته أو لنقل لأموره الخاصة به. كان باكو مع ذلك على خلاف الأكثرية من أبناء العرب أو المهاجرين، عرف عنه تواضعه، تفاؤله وسعادته. ذات يوم من أيام خريف بلدته الممطر وعندما آذنت شمس جنوب ألمانيا للمغيب غادر القهوة التي يجتمع فيها بين الفنية والأخرى مع بعض الأصدقاء، في ركن من أركان السوق الشرقيّ، دون أن ينبس لأحد منهم عن طيته، مرتدياً معطفه الأزرق، متوكأ على مطريته السوداء، يخطو على مهل بخطواته الثقيلة التي تتثاقل على أنفاسه دائما عندما ينكب أمر من أمور الدنيا في ذاكرته. نادية، بنتي أين هي؟ يتأرجح في مشيته بخطوات ثقيلة ولا تكاد تدل عيناه السابحتان في الأفق، المختفيتان تقريبًا وراء جفنيه الغليظتين على أنه يحسن ابتصار النهج الضيق الذي يسير عليه، وكان قلبه ساعتئذ يخفق بدون مقدمات بذكرى تلك البنية التي سُلبت منه ذات يوم في لمح بالبصر، دون أن يدري ما كانت تخفيه الأم في نفسها البائسة من سوء. كانت ضربات قلبه تضرب وتضطرم بتوقيع ثقيل والقلب يخفق حتى ولو كان صاحبه فارسًا في رعيان الشباب، ومن عجب أن باكو قد عاش عمره أو لنقل زهرة شبابه أشعث أغبر وعلى ألسنة نيران الدنيا الفانية، حتى خال له لطول تمرغه في لظاها أنها الحياة الطبيعية وأنه لا يوجد حيوات غيرها في هذه المستديرة! طريد من بلده، لاجئ، مندس، اعتاد العمل تحت جنح الظلام، وهو منبوذ في حياة يعيشها الكل وفريسة في عالمها السفلي، رغم ذلك، لم يستسلم باكو أبدًا لنوبات الخوف التي كانت تجتاحه وتصرع فكره صرعًا وهو مقتعد، شريدًا وحيدًا إلا آيات الذكر، في عالمه السفلي هذا!

البعيد عن العين بعيد عن القلب:

حاولت أن أرجع بباكو إلى كل هذه الذكريات التي انطوت في صفحات الزمن الغابر. وددت أن أدرك عن شغله الشاغل بعد أن تحققت رؤيته بالعودة إلى أرض الميعاد: ألمانيا. أرسل لي رسالة يعتذر فيها، بأنه حضر في هذا الصباح من العمل الشاق وأخلد نفسه للراحة وجلس إلى طاولة الطعام بعد أن فاق من سباته العميق وأعدت زوجته العربية الأكل. إن اليوم الأول الذي التقيت فيه مطلقتي البولندية كان حقيقة من أجمل أيّام حياتي، أحسست أنني طائر في سماء الحب والغرام، كيف لا، وأنا عشتها: نظرة، فبسمة فابتسامة فموعد فلقاء! حقيقة حادثة مدهشة كما في كتب سير الحب وأخبار الغرام، وكأنها فصلت علينا نحن الإثنين. لا زلت أذكر أنني في ذاك اليوم عندما رأيتها أسرت في نفسي قولة لن يمحوها الدهر فقلت لنفسخ أحدثها: لن أدع هذه الفرصة بأن تروح هباءً منثورًا… لن يفلت مني هذا الغزال اليوم.

عندما يتحدث باكو عن الصيد يذكر في بعض المرات مصطلحات عدّة، منها صيد الأسماك ويؤثر لي أن الغزلان والأسماك تلتقي في أمر واحد، أنها سريعة الهروب وحتى ولو قبضت عليها وتركتها من بعد تعيش معك فاعلم أنها يوما ما ستجفل كالمهر الجامح، نعم هذا في طبيعتها وطبيعة الأشياء عموماً. على كل حال يتذكر باكو أنه في ذاك اليوم ألقى بسنارته واصطاد سمكته التي طالما حلم بها “بلطيّة لا شرقية ولا غربية … تسرّ الناظرين”. وتعلق في تلك اللحظة غارق بغارق. فهي أيضاً كانت بدون أوراق. أو كما يقول المثل الشعبي: “إلتمَّ المفعوص على خائب الرجا”.

ويهيم باكو في الذكريات قائلا، وشاء الله أن كتب لنا الزواج ورجعت هي إلى ألمانيا عندما كنت أسكن ذات يوم مع بعض الأصدقاء المغاربة ولم تتاح لي الفرصة أن أهيأ لها السكن الذي يمكن أن يكون عشًّا للزوجية. وواصلت العمل في المزرعة وبعدها تركتها وعملت بشركة كارتون ومنها ذهبت إلى مصنع أحذية، فتنقلت في دأبي المستمر نحو الاستقرار من هنا إلى هناك لوجود المكان المناسب ولقمة العيش المناسبة لكي أمهد لنا الإثنين حياة كريمة. كنا نخطط ونتحدث الساعات الطوال بالهاتف، رغم شحّ مواردي وعدم مقدرتي بعض المرات في دفع فاتورة الهاتف. على كل بقيت أعمل في مصنع الأحذية، مكان عملي الأخير هذا قرابة خمسة عشرة سنة. لن أنسى، أنه في أول حياة الغرام التي جمعتنا كانت تأتي بالقطار من ألمانيا لتزورني في إيطاليا وكانت تحافظ على استمرارية العلاقة الحميمة، وفي بعض المرات كنت أحسّ خوفها علينا، وكانت تردد لي المثل الذي يقول: البعيد عن العين بعيد عن القلب، وكأنها تعاتبني، وكنت أنا أؤكد لها حبي وأمانتي تجاه هذه العلاقة وأنني أدعو الله أن يديمها وأن يرزقنا بالذرية الصالحة. كانت تأتي وتمكث معي حوالي أربعة إلى خمسة أيام في كل زيارة. وبعدها استقر بها الحال تماما معي في إيطاليا. وكنا من قبل قد عقدنا العزم بأن نستقر في مدينة بلوزانو لأننا الإثنين نتحدث الألمانية ولكن جاءت مشيئة الله غير ما كنا نتوقعه وكما يقول الشاعر: تأتي الرياح بما لا يشتهي السَّفِنُ (أي القطبان) والكثيرون يعتقدون أنها السُّفُنُ!

البولندية بنت البلد:

قبل أن تولد نادية كانت أمها تماما مثل المرأة العربية، بنت البلد بحق وحقيقة، عندما كنت أقول لها، اعملي هذا أو هذا، اطبخي الكسكس، المعقودة، البريك، سلطة الزعلوق، الجلبانة بالبطاطا، كانت تعمل كلما أريد، تدلعني، تدغدغ مزاجي وتجلعني أحس أنني هارون الرشيد في عرشه السامق. كنت حقيقة ذاك الهارون الرشيد، أو ربما أنني كنت بديع الزمان أو كنت قيسها الذي لا تحيد عنه سنتمترا واحدًا وإلا وهي تسأل إلى أين يا قبطان السفنية. كل من رآها قال عنها أنها عربية مزاجًا وطبعًا بل من أصول عربية، بنت الحومة بكل ما تحمل هذه الكلمة من مضامين، دؤوبة، بشوشة أمام الأصدقاء، صدوقة أمام أهلي عندما يتصلون بنا ويتحدثون إليها، باختصار كانت هي الزوجة التي تتمناها كل أم لابنها ومن جهة أخرى، رفيقة الحياة التي أرى في أعين ممن يزورني من الأصدقاء أنهم يحسدونني عليها، وكل منهم تترجم نظراته الآتي: يا ليت لنا حورية مثلها، شقراء، عفراء،…).

جاءت ذات يوم وكان لديها موعدًا مع الطبيب. أتت تحمل باقة ورود حمراء، تختلج خطاها بعبق الورود التي في جعبتها، هادئة، مغتبطة، متفتحة الأسارير. فقلت في نفسي، ماذا حدث. أخبرنتي أنها حامل، وأن الله سوف يرزقنا طفلا. كم كانت فرحتي كبيرة وأملي واسع في أن ينشأ الطفل في بيئة آمنة، رغم كل الصعاب التي نعانيها في المعيشة اليومية وفي الصراع أمام الغربة ولطماتها الصارمة من كل الجوانب. كان ذاك اليوم في جماله لا يوصف، فدلعتها ولم أتركها تحرك شيئًا في الغرفة، قلت لها، أنها أميرتي وسوف أسعى ما مكنني الله أن أجعلها أسعد امرأة في العالم. وبدأت مرحلة جديدة في حياتنا. اتصلت على ساشا وأخبرته بالخبر اليقين وكم سعد لسعادتنا ووعدنا بزيارة في القريب العاجل، كما وعدني بشراء أغراض لي من السوق التي كنت اختلف إليها دائما، لشراء أغراض البلاد، من بهارات وأكلات وأمور أخرى.

مرّت أشهر الحمل كأيام شهر العسل، في نقاء، صفاء وخلود لم نرد أن نفيق نحن الإثنين منها البتّة. وجاء يوم الولادة وساعة الصفر حيث ولدت ابنتنا نادية. خرجت البنيّة مزيجا بين الشرقيّة والأوروبية، أميرة صغيرة بلون أشعة الشمس وبوهج نورها الوضاء. أحسست في تلك اللحظة أنني أب، وأنني من الآن فصاعدًا مسؤول عن شخصين في حياتي، فلابد أن أبذل قصارى جهدي في أن أرضيهما وأوفر لهما الحياة الكريمة.

عندما تنمردت بنت البلد:

تغيرت طباع أم نادية، اخلاقها، تعاملها وحديثها معي ومع محيطي مائة وثمانون درجة، كأنها إنسانة أخرى، لا تعرفني ولا أعرفها، تبدل حالنا وتغير أمرنا، وسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. بدأت المشاكل تدبّ في صحن الأسرة، من صباح الرحمن إلى أن يسدل الليل أستاره. انقلبت حياتنا إلى جحيم بعد أن كانت دعائمها الهناء والمسرة والأمن. صرنا نتفادى أن ننظر لبعضنا البعض، أن تقابل نظراتنا بعضها بعض، أن نجلس لنتحدث سويًا على طاولة الإفطار أو الغداء أو العشاء. ضعف جسدي من كثرة القلق وقلة الأكل والشرب، وفقدت في حياتي طعم اللذة رغم وجود بنتي، هبة الله عليّ.

هربت أم نادية ببنتي ولم أعرف لهما مكان. ساءت حالي وتبدلت أحوالي وصرت عبدًا بين ما تمليه عليّ متطلبات الإقامة في إيطاليا وما يبثه في نفسي ذكرى بنتي الحبيبة. انتظرت لغاية أن حصلت على الجنسية وهانذا الآن قرابة السنتين في ألمانيا. أعمل وأدأب وأسأل عنها في كل مكان وفي كل لمحة ونفس. خففت حياتي مع زوجتي الجديدة ومع أولادي وطأة الفراق. هل يستطيع أب أن يقعد السنين الطوال دون أن يرى فلذه كبده؟! مخاوفي كثيرة، هل تعيش کأبناء العم غوته، مسيحية أو ربما وثنية، هل لها حياة خاصة بعد البلوغ، على غير حياتنا العربية الشرقية التي تلزم البنت بالحشمة والأدب والطهر؟ لا أعتقد أن أمّها سوف تحثها على أن تعيش كما أمليت عليها أنا قبل الولادة وكيف أرى حياة ابنتي وهي ترفل في سنوات طفولتها وشبابها. رن ذات صباح جرس جوالي مرّة أخرى بنفس الرقم وكان على الخط ساشا. أعلمني أنه سمع خبرًا سعيدًا، عن مكان بنتي نادية، لكن ليس بالدقة المتناهية، فلابد علينا أن نذهب إلى منطقة بحر الشمال في شمال ألمانيا ونطرق أبواب دوائر الحكومة للتقصي عنها. وأسرّ لي ساشا أن أتجلد، فابنتي نادية ليست هي نادية التي كانت من قبل، في صبية الآن وحتماًا تغيرت، تبدلت وتحولت إلى شخصية ثانية، فلابد أن أضع كل ذلك في الحسبان. في صباح اليوم الثاني التقينا بمحطة القطار في مدينة وسافرنا سويا لا نلوي على شيء إلا ونبحث عن الابنة المفقودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق