سياسة

بين ثورتين

وليد دبلوك

تراني انظر بعينين لا تتفقان سويا برغم وقوع كلتاهما على ذات المنظور

فعين ترى المشهد بشيء من القتامة والرؤية الضبابية وشيء من الياس والاحباط، من واقع الحال الذي يلتبس الراهن السياسي والاقتصادي والاجتماعي من اخفاقات وضيق يضيق مرة تلو الاخرى حتى يخالني ان لن يبقى من بدن المواطن شيء إلا ان يقطر زيته كما يقولون، وحكايات رحلات المعاناة من افواه الناس تقطر الدمع من العين أسي واسفا ولسان حالهم يتساءل متى تزول شدتنا فما عدنا نحتمل.. سؤال يواجهني كلما التقيت نفرا من الناس ولا املك لهم إجابة مقنعة فما أحب ان اكذب ولكني ازرع في النفس شيء من الامل عسى ولعل يخفف من لوعة دواخلهم المشحونة حزنا وقهرا وألما..

والعين الاخرى تنظر لما خلف الصفوف المتراصة لإيمانها المطلق بالقاعدة الفيزيائية ان لكل فعل سبب ظاهر او خفي يؤدى الى انعكاس أثره كردة فعل بشكل من الاشكال، فما استطال صف او ضاق حال او انعدم مطلوب إلا ووراءه سبب او اسباب، ولست هنا بصدد تناول الاسباب في كنهها او ذاتها فمنها ما هو معلوم ومنها ما هو مبني على المجهول للعامة معلوم لخاصة الخواص.. ولكني اتناول الامر كظاهرة مطلقة بالمقارنة بين ما بعد الثورة السودانية وما بعد الثورات في دول اخرى وليست ثورات الربيع العربي من بينها لأنها اجهضت او حورت او شكلت بغير شكلها الاساس فسقطت بعد ان نجحت، بعكس الثورة السودانية التي تعد نموذجا للثورة المكتملة الاركان حتى (اللحظة) برغم ما تعرضت له من اياد عابثة تسعى الى إلحاقها برصيفاتها العربية ولكنها استعصت على الاختراق الفعلي وان بدت على السطح بعض تشققات..

المقارنة التي عقدتها ما بين الثورة السودانية والثورة الفرنسية المشهورة كمثال اخذته للاستدلال تتشابه في كثير من الجوانب التي اعقبت نجاح الثورة ، ولم تصل الدولة الفرنسية الى الاستقرار النسبي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا إلا بعد مضي زمن طويل من نجاح الثورة الفرنسية ، اذ يمكن اعتبار الثورة الفرنسية امتدت لعقد كامل من الزمان 1789 وحتى 1799 ، في خلال تلك الفترة شهدت فرنسا عدة اهتزازات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة شكلت في نهاية المرحلة الجمهورية الفرنسية التي القت بتأثيرها على محيطها الاقليمي والدولي ، وحتى الحركات اللاحقة للثورة الفرنسية اخذت منها القدوة ومنها حركة باسم حرية مساواة إخاء وهو شعار مشابه لحد كبير لشعار الثورة السودانية حرية سلام وعدالة ..

ونفس الاضطراب الاقتصادي حدث عقب الثورة الفرنسية الامر الذي دعا الى اتخاذ اجراءات اقتصادية للسيطرة على الامر بلغت حد التدخل لضبط وتسعير السلع وما الى ذلك.. ولعل مكمن الاختلاف بين الثورتين هو سرعة تنفيذ الاحكام وإنفاذ القوانيين بدءا من إعدام لويس السادس عشر وزوجته وعدد من رجالات البلط الملكي ومصادرة ممتلكات طبقة النبلاء الامر الذي ازاح عنصر التآمر من قبل من اطاحت بهم الثورة..

وعودة للحالة السودانية فإن ما تواجهه الان لا يقل عن الحرب بما تعنيه الكلمة وان اختلف نوع السلاح والغاية هي النيل منها..

الذي تمر به الثورة الان هو مجموعة اهتزازات وهزات تعلو حدتها وتنخفض في تتابع غير منقطع، ويمر الان عام ونصف العام ولاتزال جذوة الثورة متقدة في النفوس والحس والوعي الثوري متماسك ويعي جيدا لحجم الضغط والضربات التي تتعرض لها الثورة، وكلما مضى من الزمن شيء كان خيرا لان ذلك يكسبها بعض صلابة ومنعة..

قد يترنح جسد الثورة من فرط التحديات والمناورات ولكنه حتما عصي على السقوط ويمكن ان تتغير وجوه في مسرح الاحداث او تتسع رقعة اللعبة لاستيعاب لعيبة جدد ولكن لن يتوقف اللعب..

السودان الان في حالة ميلاد جديد مغاير لما حدث عقب ثورتي اكتوبر وابريل ومرد هذا التمايز او الاختلاف هو بروز الوعي الثوري كعنصر اساسي واولي في المعادلة عنصر يمتاز بدرجة عالية من الإدراك والحس الثوري مطعما بالغيرة والحمية الشديدة على الثورة رافضا التنازل عنها مطلقا، وهو الذي شكل ولايزال حائط الصد الاول والمنيع لكل محاولات الارتداد للخلف او تحوير الثورة لشكل آخر..

وبالتأكيد ان التجربة هي خير معلم، ولا شك ان من سيدخل مسرح الحدث السياسي سواء كان في مجلس السيادة او مجلس الوزراء سيدرك انه ما جاء الى موقعه إلا بسبب إخفاق سلفه وهو محفز جيد نحو التجويد الجزئي وفقا لموقعه سيؤثر بالإيجاب قطعا على المشهد الكلي..

كما ان اقتراب تشابك حلقات الحل للمعضلات الحالية من رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب ومسالة التطبيع ومسالة وصول بعثة الامم المتحدة حتما سيؤدي الى تغيير كبير في الصورة الكاملة وما زيارة مدعي المحكمة الجنائية الدولية وفريقها إلا دليل على ان السودان في طريقه الصحيح..

ان الارتجاجات والاهتزازات العنيفة التي تحدث الان ماهي إلا دليل على اقتراب العافية بعون الله …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق