سياسة

رهاب الجرذان البريء (2)

أ. د. عبد الله التوم

تحدثنا في الحلقة الأولى المنشورة في العدد السابق (٣٣) عن رهاب الجرذان والذي نشأ بناءً على نظريات خاطئة ربطت بين الجرذان والأوبئة الفتاكة بالإنسان. لقد أدى هذا الرهاب أيضاً الى تهويل توالد الجرذان وخلق منها بعبعاً مهدداً للبشرية. دعونا نتناول خرافات الجرذيين من العلماء والصحفيين والكتاب اولاً، ثم نتحول الى فوائد الجرذان في بعض المجالات.

تحتفظ منافسات جنز العالمية ان أطول عمر مسجل لجرذ هو سبعة أعوام وأربعة أشهر. تبعا لذلك، فقد تحدث الجرذيون عن متوسط حياة طويلة بين ٣-٤ سنوات دون التنبه ان الجرذ الحائز على مرتبة أطول معمر قد تربى تحت رعاية هاوي للجرذان وفي محيط آمن. توصلت الأبحاث الموثوقة ان متوسط عمر الجرذ لا يتعدى ١٨ شهراً. زعمت بعض المصادر ان وزن الجرذ قد يصل الى رطلين وان طول جسمه قد يصل الى ١١ بوصة بالإضافة الى الذنب والذي يتساوى مع طول الجسم. هذا هراء فمتوسط وزن الجرذ لا يتعدى الرطل الواحد ولا يتعدى متوسط طول جسمه الخمس بوصات.

دار لغط كثير حول تكاثر الجرذان ولا تخلو بعض التقديرات من مبالغات واضحة. يقول أحد المصادر ان انثى الجرذ الواحدة قد تنتج ٢٠٠٠ حفيداً في العام. هذا يعني ان عدد الجرذان في الأرض قد يقارب الترليون في اقل من عشر أعوام وهذا هو ما لا يقبله العقل الفاحص. تهول بعض المصادر عدد المرات التي تلد فيها انثى الجرذ في السنة ولكن تقول المصادر الموثوقة ان انثى الجرذ لا تلد أكثر من أربع مرات في حياتها. لهذا فتكاثر الجرذان مكبل بالمخاطر التي تقود الى تدني معدل حياتها.

اما تقديرات اعداد الجرذان في العالم وبالأخص الغربي، فقد تأثرت أيضاً برهاب الجرذان. يقول مصدر ما ان هناك جرذ على بعد ١٠٠ متر من أي مواطن يقطن في مدن أوروبا وامريكا الشمالية. هذا مضحك أذ كيف تقترب الجرذان من سكان ناطحات السحاب في مدينة شيكاغو وكيف نفسر ان كثيراً من سكان الغرب لم يروا جرذاً واحداً في حياتهم ولا يستطيعون التمييز بين الجرذ والفأر.

زعم بعض المتخصصين ان هناك مليونان من الجزدان في مدينة باريس، والتي يبلغ عدد سكانها ٢.٢ مليون. أما مدينة لندن ذات ال ٨.٧ مليوناً، فهم يعيشون مع ٧.٥ مليون جرذ. هذه مغالاة وليس هناك دليل ان عدد الجرذان في العالم يقارب عدد سكانه الذي يقدر ب ٨ بليون نسمة. ولكن بالإمكان الحصول على تقدير أقرب الى الحقيقة من إحصائيات مدينة بالتيمور الامريكية. لقد قدرت سلطات بلدية المدينة ان هناك ٦٠ جرذ مقابل ١٠٠٠ نسمة. هذا يعني ان عدد الجرذان لا يتعدى ال ٦٪ من سكان بالتيمور وقد نعمم ذلك ونعتمد ذات النسبة لسكان العالم. 

تقول بعض الأوساط ان الجرذان تلتهم ٢٠٪ من غذاء الدول المتقدمة وقدرت التكلفة المادية في الولايات المتحدة الامريكية ببليون دولار في العام الواحد. والغريب أن دولة نيوزيلاندا، برغم صغرها فقد قدرت خسارتها للجرذان باثنين بليون دولار في العام. نلفت نظر القارئ الى ان ٣٠-٥٠٪ من المواد الغذائية في الغرب لا تصل الى طاولة الطعام وتنتهي في حفائر القمامة، أي قرابة الاثنين بليون طناً من المنتجات الصالحة للأكل. علي أي، فقد أدى التخوف من الخسارة المزعومة والتي تحدثها الجرذان الى محاولة ابادتها.

لعل اول محاولة لإبادة الجرذان قد حدثت في الصين الشعبية ابان حكم ماو تسي تونك وحملة إبادة الآفات الأربعة والتي صاحبت خطة القفزة الكبيرة الى الامام، في عام ١٩٥٨. استنفر ماو شعبه للقضاء على عدوهم الأول، ألا وهو الآفات الاربعة المتمثلة في الجرذان والعصافير والذباب والبعوض. بالطبع لم تنجح الحملة بل وادي قتل العصافير الى زيادة الآفات الزراعية والتي تقتات عليها الطيور.

اما نيوزيلاندا، فقد استعدت الجرذان لسبب آخر ولكنه شبيه بالحملة الصينية. زعمت السلطات ان الجرذان وحيوانات الأبوسم والقاقم تؤدي الى خسارة ٢.٣$ بليون في السنة. ليس هذه فحسب، بل ان هذه الآفات تهدد تكاثر طائر الكيوي والذي يعتبر من أقيم ثرواتهم السياحية. لذلك، قررت الحكومة القيام بحملة إبادة الآفات الثلاث بحيث تصبح دولتهم خالية منها بحلول عام ٢٠٥٠. ولكن تعثر مشروع إبادة الجرذان رغم الوسائل الحديثة التي صاحبت المشروع والأموال الهائلة التي وفرتها الحكومة. ويبدو ان ذكاء الجرذان وموهبتهم في تفادي كل شيء جديد يجدونه في مساراتهم، مكنهم من عدم الوقوع في معظم الفخاخ التي نصبت للقضاء عليهم. لقد تنبه بعض العلماء لذكاء الجرذان فاستخدموها لخدمة الانسان كما سأوضح في القفرات القادمة.

لا اود ان أهدر وقت القارئ في مهارات الجرذان وقوة اسنانها والتي تخترق الحديد والاسمنت والبلاستك المقوي والحجارة. نعم أن الجرذان تخترق هذه المواد وتبني انفاقها تحت الأرض او فوقها وتقيم مستعمرات قد تبلغ طول قنوات احداها أكثر من كيلومتر. بيد ان الله، أو الطبيعة إن شئت أن تقول، وهب الجرذان خاصتين هامتين وهما الذكاء وحاسة الشم النافذة.

ان ذكاء الجرذان مكنها من تفادي المخاطر التي تهدد حياتها مثل فخاخ القوارض ولكن هذه الخاصية جعلتها قابلة للتدريب وفاقت في هذا المجال أذكي الكلاب، بما فيها التي نصفها بالبوليسية. هذا، وقد تخطت الجرذان أذكي الكلاب في استغلال حاسة الشم ايضاً واحصر نفسي هنا في الحيز الذي يفيد البشرية. هذا هو ما توصل اليه الباحث الهولندي ويجنز من مدينة أنتوب والذي كان يحب الجرذان ويحتفظ بهم في منزله. تعاون ويجنز مع منظمة العون الإنساني الهولندية، أبوبو، وعرض عليهم فكرته الخلاقة والتي تدور حول حاسة شم الجرذان القوية وذكاءها الخارق وقابليتها للتدريب. قال ان وزن الجرذ يقل كثيراً من الاثنين كيلوغرام وهذا لا يكفي لتفجير الألغام الأرضية. وتستطيع الجرذان بحاسة شمها القوية ان تكتشف اللغم حتى ولو كان على عمق ٣٠ سنتمتراً تحت الأعشاب. وكما اتضح لاحقاً، يمكن للجرذ الواحد ان يساعد في نزع الألغام المزروعة في ٢٠٠ متر مربع في أقل من ٢٠ دقيقة. الجدير بالذكر، ان أحدث تقنيات نزغ الألغام لا يمكن الفرد من تنظيف أكثر من ٥٠ مترا مربعا في اليوم الكامل. وهكذا سارعت منظمة أبوبو وجرذانها واستطاعت نزع ١٣،٢٩٢ لغما في موزمبيق وبذلك استعادت أراضي قدرت بمساحة ١١مليون متر مربع ومما ادي الى اعلان موزمبيق دولة خالية من الألغام في عام ٢٠١٥. قاد هذه النجاح المذهل الى تكرار التجربة الجرذانية في دول اخري تشمل أنقولا، كمبوديا، تايلاند، فيتنام ولاوس.

تقادمت خدمة الجرذان للبشرية في مجال آخر وهو علاج مرض السل. ويعاني ١٠ مليون فرد من هذا المرض ويموت منهم ١.٧ مليون نسمة سنوياً، معظمهم في الدول الفقيرة. بدأت الأبحاث بتدريب الكلاب لتشخيص مرض السل ولكن الجرذان فازت في المنافسة. ان أحدث آليات تشخيص وباء السل هو الجهاز المسمى بجين إكسبيرت. هذا الجهاز يتطلب الحفظ في محيط ذي درجة حرارة متساوية وهو أيضاً عالي التكلفة ويعمل بالكهرباء وهذه الاحتياجات لا تتوفر في الدول الفقيرة والتي يتوطن فيها داء السل. أما الجرذان، فالوحد منهم يستطيع تشخيص السل بتكلفة تقل من عشر تكلفة الجهاز الحديث. أضافة الى ذلك، فان الجرذان تستطيع تشخيص السل الخفي عند الذين يعانون من مرض فقدان المناعة والذي يعجز جهاز الجين إكسبيرت في كشفة. ولكن كيف استطاعت الجرذان النجاح في هذا المجال؟ والاجابة أيضاً هي حاسة الشم بالإضافة الى قابليتها للتدريب.

خلال السبع سنوات الأولي من استغلال الجرذان في محاربة السل، تمكنت البعثة من الكشف على ٢٤٢،٣٤١ عينة. وشملت هذه العينات ٩٠٠٠ حالة فشلت الاجهزة الحديثة في كشفها. أدى هذا النجاح الباهر لانتشار معامل علاج السل الجرذانية وأصبح لها فروع الآن في تانزانيا، المغرب، كينيا، موزمبيق واثيوبيا.

واختم هذا المقال برفع قبعتي اجلالا لمنجمي الحضارة الصينية القديمة فقد أتو بما يسمونه عام الجرذ، ومن الصدفة أن هذا العام ٢٠٢٠ هو عام الجرذ عند الشعب الصيني. وحسب معتقداتهم فإن من يولد في عام الجرذ، فنصيبه النجاح والرخاء والثراء، وخصاله الحنكة والحكمة والذكاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق