ثقافة وفن

في جدلية الصراع الأزلي بين «حوار الأديان» و«حوار الحضارات» (2)

عبدالعالي الطاهري

ولا يُحَبِّذُ أي من المتحاورين التنازل عنه، وإعلاء ما يتم الاتفاق حوله، وما يمثل قواسم مشتركة بين الجميع. وما يزيد الطين بلة أن العديد من الحوارات تُترَك لرجال الدين وعلمائه، وهؤلاء ينصَبُّ اهتمامهم الأساسي على الدفاع عن المعتقدات والمسالك المذهبية، وتبرئتها مما يلصق بها من اتهامات، وما يُلقى عليها من صور نمطية مغلوطة، ولا يعني هذا إبعاد المعتقد الديني عن الحوار برمته، إنما تخصيص مسارات له، تساعد المجرى الرئيسي للحوار والذي يجب أن ينصرف إلى القضايا الثقافية والمصالح المتبادلة في المجالات كافة.

2 – التوظيف السياسي لفكرة “حوار الحضارات” من قِبل الدول الكبرى، فالسياسة تشكل جوهر الصراع الحضاري المزعوم، بل إن إمعان النظر في طبيعة الصراع الدولي الراهن، أو السابق، وربما اللاحق، يكتشف للوهلة الأولى، ففي حقيقة الأمر، « الحضارات لا تتصادم، وإنما تتصادم القوى السياسية والاقتصادية النافذة في حضارة من الحضارات مع قريناتها في حضارات وثقافات أخرى ». والصراعات السياسية في حد ذاتها باتت من السِّمات والصفات والطبائع المستمرة لدى الكيانات البشرية، عائلات أو قبائل أو دُوَلاً أو إمبراطوريات، لكنها المحاولات الزائفة التي تُلبس هذا النوع من الصراعات لُبوساً حضارياً، وتحاول أن تمده على اتساعه، وتمنحه عمقاً، عبر ربطه بالحضارات، هي التي تشكل خطراً على الحوار الحضاري، وتجعل منه مجرد تكتيك في استراتيجية كبرى، أو تفصيلاً جزئياً في تصور سياسي شامل ينطوي على رغبة عارمة في الهيمنة والاستحواذ من قبل الدول الكبرى على نظيرتها الصغرى.

3 – حصر الحوار في نطاق النخب، بشتى أنواعها، وعدم الالتفات إلى الجمهور العريض، المعني بهذا الحوار، والذي يمكن أن يساهم في إنجاحه، لو وُضعت خطة متكاملة الأركان، يشارك الجميع في صياغتها، من أجل إشراك الناس جميعاً، في مشارق الأرض ومغاربها، في الحوار عبر مختلف أدوات الاتصال الجماهيري، التي شهدت ثورة كبيرة وطفرة نوعية في السنوات الأخيرة.

4 – غَلَبة اللغة والتوجهات الاستعلائية، التي تنطلق من أن هناك أطرافاً أقوى وأكثر تحضراً من الأخرى المتحاوَر معها، ومثل هذا التصور يقود إلى إذكاء الصراع وتأجيجه، وليس إلى قيام حوار إيجابي يقود إلى التعاون. فالصراع يحدث عندما تختال إحدى الثقافات على الأخريات، وتعتبر نفسها الثقافة العظمى، ودونها الصُغريات، والعلاقة بينهما هي علاقة ميتافيزيقية، علاقة بين الواحد والكثير، علاقة ذات صلة بالوجود، علاقة بين الإله والمخلوقات، بل إنها علاقة أخلاقية بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، إنها ثقافة واحدة، في سعيها إلى القوة، تتجاوز كل الثقافات الأخرى، وتتفوق عليها.

وفي ظل السعي لتجاوز هذه العيوب والأعطاب، هناك من يتوقع أن تصل الحضارات البشرية كافة في وقت، طال أم قصر، إلى نوع من التماثل في التطبيقات التقنية، وبالتالي تتماثل طرق المعيشة. لكن هذا التماثل في مجال التقنيات لا يعني أبداً خلق أنماط إنسانية، بل ستظل هناك حضارات متمايزة جداً، وذلك بحكم اختلاف البشر، وهو اختلاف طبيعي، لا جدال فيه، وسوف يكون لفظ الحضارة على المدى البعيد، سواء احتفظ بطبيعته الفردية أو الجماعية، أو بهما معاً، لفظاً لا يتوقف أمامه المؤرخون، أو يترددون بشأنه في الوصول إلى رأي صريح حازم قاطع.

وظَنِّي الراسخ، أن هذا الرأي القاطع لن يخرج عن الإيمان بثلاثة أمور أساسية، الأول هو أن الحضارات الإنسانية لا تفنى كلية، ولا تنتهي أبداً إلى العدم، بل هي تندمج، أو ما تبقى منها، في الحضارة التي تليها. والثاني هو أن أي حضارة، مهما علا شأنها، مصيرها التراجع، لتفسح الطريق أمام غيرها ليتقدم، وهذه سُنَّة حياتية لا فِكاك منها، مهما طال الزمن بتَسيُّد حضارة ما. أما الثالث فهو أنه لا يوجد ما يمنع منعاً حتمياً أن تعود حضارة أَفُلَ نجمها إلى سابق توهجها وعطائها.

لا غنى عن الحوار

وتلك الآراء الثلاثة تفرض أن يظل الحوار مفتوحاً بين الحضارات، أياً كان وضعها، ومهما كان حجم عطائها، فلا أحد يمتلك كل شيء وكل معنى، ولا أحد محروماً من أي شيء وأي معنى، ومن هنا فإن الجميع يحتاج بعضهم إلى بعض، وبالقراءة الاقتصادية فإن كل طرف حضاري لديه ميزة نسبية في أمور معينة، ومن ثَمَّ يصبح من الرشد أن يتبادل الناس المزايا، وكل ما يفيد البشرية في بحثها الدائب والدائم عن التَّرَقي في المعيشة، وتحسين شروط الحياة وفرصها.

وهذا الفهم، الذي يجب أن يشتَدَّ ساعده ويترَسَّخ، لا يصح أن يُترك فقط للمؤسسات الرسمية، سياسية، دينية أم ثقافية، لكن من الضروري أن يمتد إلى الأفراد العاديين المتحضرين، في مختلف أرجاء المعمورة، ممن يؤمنون بأن الحوار هو الطريق الأمثل للتعامل بين البشر، وبالتالي السبيل الأفضل لإقامة علاقات إيجابية بين الوحدات التي ينتظم فيها الناس أكانت مؤسسات، دُوَلاً أم حضارات جامعة.

إن ثورة الاتصالات الرهيبة، التي حولت العالم بأسره إلى قرية صغيرة، تُقدم آلية قوية لقيام تحاور بين المتحضرين، بعيداً من المسارب الرسمية، التي تُسَيِّس الحوار وترهنه بالمصالح الدولية والتصورات الاستراتيجية لكل دولة، أو تكتل إقليمي ما، والحوار بين المتحضرين يجب أن يشمل الأفراد والتجمعات الشعبية على حد سواء، فمؤسسات المجتمع المدني التي يشتد ساعدها ويترسخ وجودها في مختلف التفاعلات والعلاقات الحياتية وتتعزز روابطها على المستوى العالمي، عليها دور كبير في إطلاق حوار المتحضرين، جنباً إلى جنب مع الجهود الفردية، التي يبذلها أناس ضمائرهم يقظة، قلوبهم موجوعة ونفوسهم قلِقَة، مع حالة التوحش التي يعيشها العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق