ثقافة وفن

حوار السلطة والمتعة والمعرفة في قصة “المكتبة” لأحمد بوزفور

السعيد الخيز (كاتب وروائي مغربي)

نحاول في هذه المقالة النظر في قصة المكتبة للقاص المغربي أحمد بوزفور من خلال تتبع مثلث يتكون من: السلطة والرغبة والمعرفة، وهو مثلث مستقى من فلسفة ميشيل فوكو خصوصا من كتابه “الجنسانيات التائهة” إنها قراءة تتجاوز المستوى اللساني والنصي وتبحث في المضمر التداولي.

١. السلطة- المتعة والسلطة-المعرفة:

يقول ميشل فوكو أن السلطة “تبسط وجودها في شكل قانوني” وهي تتخذ في قصة المكتبة عدة تمظهرات: المناصب، العمالة، البلدية، المحكمة، الكوميسارية، الشكرات، وعلاقة السلطة بالمتعة متبادلة فالمتعة تنتشر على السلطة والسلطة هي التي تسمح بالمتعة، إن السلطة في هذه القصة تتحكم بالعلاقات الجنسية من خلال استغلال الطالبات وتقديمهن قربانا لبعض الشخصيات.

أما علاقتها بالمعرفة فهي متوترة، وتتميز بعدة خصائص حددها فوكو: العلاقة السلبية، منطق الرقابة، دورة المحظور. وتتمثل داخل النص في عدم السماح للبطل باستعمال المكتبة، الرشوة وتوزيع الهدايا والعمولات وطرد السارد من المكتبة. يقول فوكو في تفسير هذه العلاقة:” مثلما أن علاقات السلطة تنتهي بتكوين نسيج سميك يخترق الأجهزة والمؤسسات دون أن يتموضع فيها بدقة كذلك يخترق تناثر نقاط المقاومة التراتبات الاجتماعية والوحدات الفردية”. اذن فكل ضغط يجد مقاومة والمقاومون في هذا النص هم: الأساتذة النزهاء، المعيدين الشرفاء، عشاق القراءة، السارد الذي يصارع الأخطبوط من أجل لقمة العيش.

٢. المتعة- المعرفة:

تتجلى أشكال المتع في الحب كعاطفة انسانية سامية والدعارة كسلوك اجتماعي مرفوض أخلاقيا، وهذا ما يسنيه فوكو بهسترة جسد المرأة. وعلاقة المتعة بالمعرفة جاءت في جملة داخل النص تقول: “في كل يوم كتاب أكتبه بجسدي” يقول اليوناني اوتيدين: لا يمكن للإنسان أن يتشكل كذات أخلاقية في استعمال المتع دون أن يتشكل في نفس الوقت كذات عارفة.” والمعرفة في هذا النص تتوزع على فضاءات ومجالات كثيرة منها: الثراث العربي، المكتبة، الكتاب، الثانوية، الأستاذية، الدين، الشعوذة، التاريخ والتصوف.

١. السارد والحقيقة

السارد سيبحث عن الحقيقة و” الحقيقة لا تنتمي إلى نظام السلطة، ولكنها في قرابة أصلية مع الحرية” ميشيل فوكو، هذا ما يريد بوزفور أن يوصله لنا من خلال جعل السارد في بؤرة الصراع، وتقريبه من نقطة المعرف’ أكثر، وإبعاده عن محور السلطة والمتعة.

إن قصص بوزفور دوما تتصف بالتحول والتناقض والتضاد في كل شيء فلا شيء ثابت حتى القيم التي تحملها العوامل.

عندما بدأ السارد النضال ليحرر نفسه ساسوه، من الفعل هنا من السياسة ومن الابعاد باللهجة الدارجة، واللغة التواصلية التي يستعملها يوزفور متعددة بين الفصحى والدارجة لغة عالمة ولغة شعبية في نفس الوقت.

والتحولات واضحة فيما يلي:

– ما في الكتاب يتغير، لا يقرأ مرتين لكنه قرئ أكثر من مرة.

– الأصدقاء يتغيرون.

– الأماكن تتغير فالمكتبة لها مفهوم سلبي وايجابي في نفس الوقت.

– القيم التي يحملها السارد تتغير

– من النضال إلى الاستسلام.

١. فلماذا الاستسلام؟

هذا الاستسلام يسميه ميشيل فوكو:” الاستمرار التقليدي لحالات الأمر الواقع” حيث نجد في القصى:” كلكم طالب صيد حتى عمرو بن عبيد، حتى عمرو بن عبيد” والخليفة لم يعد ينظر إلى الزاهد بل ينظر إلى ظهره، وانصرف. الأخطبوط الذي يصارعه البطل وحده في غياب الجميع كان أقوى منه، لا يمكن أن يناضل وحده على أرض الواقع، ولو كان مسلحا بالمعرفة. وهذا ما يفسره ميشيل فوكو بقوله:” في الدولة المعتدلة تخضع أهواء الكثرة الفاسدة لأهواء وذكاء قلة فاضلة” والعكس هو ما حدث في المجتمع الذي تصوره القصة، فقد خضع لقوى الفساد المستشري في كل تراتباته، إنه انهيار خطير في منظومة القيم.

٢. ما الحل؟

إن السارد بعودته إلى الكتاب يظهر إصرار الكاتب على البحث عن العلاقة الأساسية بالحقيقة. إن النص زاخر بخلفيات فلسفية تؤطر كل قصص مجموعة “نافذة على الداخل” وكما يقول اليوناني أبولي:” لا أحد وهو شاب يجب أن يتأخر عن التفلسف ولا وهو شيخ أن يكف عن الفلسفة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق