بدويات

توني موريسون … عملاقة الأدب وأيقونة الحريّة (2/2)

تراجيديا الزمن الغابر في ولايات أمريكية لم تتحد بعد

د. محمد بدوي مصطفى

الأصول الأفريقية ومنبع العزّة والابداع:

لقد عبرت موريسون عن الاعتزاز البالغ بأصولها الأفريقية طوال رحلتها الخلاقة مع الكتابة. وهذه الأصول التي تتحدث عنها موريسون لم تنعكس فقط في سحنتها وملامحها البيّنة لكن نراها أخذت مكانا سامقا وكبيرًا في ديوان في نصوصها الإبداعية التي مكنتها من الفوز بأرفع الجوائز الأدبية، حيث وصفها سكرتير عام الجائزة الأمريكية كما يلي: “أعمالها معبّرة، عميقة، جسورة تغوص في أعماق تجربة الأمريكي الأسود وفي حياته ووعيه، نسجت من خلال ذلك كله تجربة جمالية أمريكية جد متفردة”. لقد نالت جائزة نوبل للآداب في عام ١٩٩٣ وحصدت أخريات منها بولتيزر وميدالية المساهمة المتميزة في الآداب الأمريكية في عام ١٩٩٦، ذلك عن مجمل أعمالها مثال: أکثر العيون زرقة، نشيد سليمان، صولا، وطفل القطران). والجدير بالذكر أن “أكثر العيون زرقة” هي بالأصل قصيرة كتبتها عن طفلة سوداء تمنت لو كان لها عيونا زرقاء لتكون مقبولة في مجتمع عانى أفراده من العنصرية لسنوات طوال. ولقد تحولت هذه القصة إلى رواية من ثمة إلى فيلم يحمل نفس الاسم وتم تصويره في عام 1998 وشارك في بطولته أوبرا وينفري وداني جلوفر.

ولقد اشتهرت موريسون من قبل وعلى نطاق واسع عبر روايتها محبوبة التي ترجمت أيضا إلى العربية. لقد قضت سنين عددا تبحث عن الفكرة الجديرة بفتح أبواب القصة القصيرة إلى رواية واسعة المدى، وكانت الانطلاقة عن قصة حقيقية عاشتها سيدة سوداء (مارجيت جارنر) التي قتلت ابنتها كي لا تعيدها إلى العبودية. بيد أنها نجحت من خلالها في إعادة خلق الماضي وتمكنت من صهر جرّة الذكريات موحية بأقلام وأحبار واقعية كان لها عظيم الأثر في بناء شخصيتها ككاتبة روائية وكأننا نلمس في بعض الخيوط حسّ وواقعية تولستوي، كاتبها المفضل منذ نعومة أظافرها، يصاحبه حسّ وخيال عميق فجّرت ينابيعه الأساطير والأحاجي التي تشعبت بها في طفولتها البضّة على يدّ والدها وجدتها.

حياة العنصرية في الطفولة:

لقد شهدت أسرة موريسون لا سيما والداها العنصرية الجامحة في ولايات الجنوب بأمريكا بشكل مباشر؛ حيث شهد في طفولته حالات اعدام مواطنين من السود لذلك كانت تلازمه نزعه سلبية وتحفظ وحذر تجاه الرجل الأبيض فلم يطمئن قلبه أبدًا له وكانت الكاتبة في تلك الفترة في أولى سنيّ عمرها، وشهدت الأسرة حدثًا مروعًا حينما أشعل مالك العقار الذي يسكنون به النار عليهم، وحدث ذلك خلال فترة الكساد الكبير (1929-1933) وكان السبب الذي دعاه أن يأتي هذا الفعل أن والد موريسون لم يكن قادرًا على دفع إيجار المنزل. وقد كانت تلك الأحداث جزءًا لا يتجزأ من حياة الكتابة وقصتها الأسريّة. ومن الأسباب الهامة التي فجرت نوافيرًا من الابداع التراجيديّ بدواخلها – إن صحّ القول –  كانت هي القصص والحكايات الكثيرة التي يسردها لها والدها من عمق الموروث الأفريقي والأمريكيّ على حد سواء، وحتى جدتها أرديلا ويلس كانت بارعة في حياكة القصص والأحاجي الخيالية التي تملأ مخيلة الأطفال بالأفكار وتفجر بدواخلهم ملكات الابداع والخيال الفياض الذي يخرجهم من الواقع المرير إلى آفاق بعيدة حالمة كلها سلامة وأمان. لقد كتبت موريسون عن جدتها: “لقد أخبرتنا بقصص لإبقائنا نعمل في مهام شاقة، وللتخفيف من الكدمات، ولنأخذ عقولنا بعيداً عن الألم، ولكسر العالم الكئيب نحو عالم آخر ساحر”. وبعيدًا عن كل هذه الخلفية كانت توني موريسون تعشق القراءة منذ نعومة أظافرها، وكانت تلهتم كل يقع بين يديها من قصص أو روايات، فالتهمت أعمال جين أوستن، وريتشارد رايت، ومارك توين، وغيرهم الكثير، وتحولت إلى الكاثوليكية عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، وانضمت في سنّ المراهقة إلى فريق المناظرات الأدبية والفكرية في مدرستها، ولكسب شيء من المال، كانت تقوم بنظافة بيوت بعض الأسر من البيض، كما وعملت سكرتيرة للمكتبة العامة في مدينتها. وعندما بلغت سن الرشد وأعتاب الدراسة الجامعية قررت الالتحاق بجامعة هاوارد، وقد عمل والدها في وظيفتين من أجل أن يوفر لها رسوم الجامعة الباهظة. التحقت بكلية العلوم الإنسانية وتخرجت فيها في عام ١٩٥٣ والتحقت بعدها بجامعة كورنيل حيث أتمت دراسة الماجستير في الأدب الإنجليزي وكتبت أطروحتها عن ويليام فوكنر وفيرجينيا وولف.

سحر القلم وقوة الرسالة عبر الأحبار:

تخرجت موريسون بدرجة الشرف في جامعة كورنيل ومن ثمّة بدأت مسيرتها التدريسية في علم الآداب لا تلوي على شيء. لقد حصلت في بداية المطاف على وظيفة في هيئة التدريس بجامعة تكساس الجنوبية، ثم عادت أدراجها إلى أيقونة الجامعات هاوارد؛ حيث قامت بتدريس الناشط الحقوقي الأسود والذائع السيط ستوكلي كارمايكل وفي تلك السنين يمكن أن نقول إنها كانت مصدر إلهام بالنسبة له ولدأبه الحقوقيّ المنقطع النظير فيما بعد. التقت هناك أيضا بهارولد موريسون، المهندس المعماري وارتبطا مع بعض بقصة عشق جميلة قبل أن يقترنا في بيت زوجية واحد في عام 1958. كانت ثمرة هذه الزيجة طفلين (فورد وسليد)، ولم يدم هذا العشق كما كان ينبغي له فجاءت أطياف الطلاق، في عام 1964.

في منتصف الحقبة الستينية والتي حملت في طياتها بعض من التغييرات الإيجابية الملموسة على مستوى كسر بعض قيود التفرقة العنصرية في أمريكا، على سبيل المثال في المركبات وفي الأماكن العامة، بدأت وقتئذ بعض الأمور تتخمر في رأس موريسون فشرعت تكتب وتحقق في روايتها الأولى، “العيون الأكثر زرقة”، التي جسدت فيها حياة فتاة مراهقة سوداء، ظلت حبيسة ومهووسة بمعايير جمال بنى الأمريكان البيض قواعده الملزمة للجميع، وكان هذا المرض النفسي أو لنقل عقدة النقص داءً فتك بملايين الفتيات وأيضًا الفتيان في تلك الحقبة ومن منّا لا يذكر الأيقونة مايكل جاكسون وكيف دفعته عقدة النقص بداخله أن يبدل من ملامحه ولون بشرته وسبيبة شعره حتى يشابه مقاييس الجمال الأبيض الملزمة والتي وضعها البيض كقاعدة للكل بدون فرز. على كل كانت تلك المراهقة تتوسل إلى الله أن تتحوّل عيناها إلى اللون الأزرق. تقول موريسون في هذا الصدد: “أردتُ أن أقرأ كتاباً لم يكتبه أحد؛ لذلك ربما كتبته كي أقرأه”، وكانت تأمل في كتابة رواية خالية من “النظرة البيضاء”، حدّ أنّها كانت تشعر بالضيق من عمل أكثر الكتّاب السود شهرة، مثل رالف إليسون، وفريدريك دوغلاس، ووقعت أسيرة تلك النظرة؛ وذكرت ذات يوم في هذا الصدد وفي مشاهد فيلم وثائقي عُمل عنها: “لقد أمضيت حياتي كلّها في محاولة للتأكد من أنّ النظرة البيضاء لم تكن هي المهيمنة في أيّ من كتبي”.

للأسف، لم تجد رواية “العيون الأكثر زرقة” والتي رأت النور في عام ١٩٧٠ الشهرة التي كانت ترجوها لها الكاتبة إذ جاء تفاعل الجمهور متواضعا وخجلًا للغاية تجاهها، رغم أنّ النقد الذي كتب عنها جاء في مجمله إيجابياً ومحفزًا. وهاكم مثال لما كتبته نيويورك تايمز إذذاك: “كاتبة ذات قوة كبيرة وحنان غامر”. لم يكن المردود الذي يتأتي من بيع الكتب بكافٍ في تلك الحقبة حتى يُمكّن الكاتبة من ارتياد حياة رغدة وميسرة لها ولابنيها لذلك عملت كمحررة في دار “راندوم هاوس” للنشر، وكانت في هذه الدار شعلة تضئ لكل الكتاب والكاتبات من الأمريكان ذوي الأصول الأفريقية، تحفزهم على النضال بالقلم، تدفعهم للزود عن حقوقهم، تعلمهم جمال خلقتهم وأصولهم، وكان من أولئك الكتاب أنجيلا ديفز وكانت تفعل كل ذلك من أجل تحرير النفس السوداء التي كسرتها سني بل قرون العبودية والتفرقة فتذكر في هذا السياق في مقابلة أجريت معها في عام ١٩٩٤ الآتي:  الطريقة التي يتحدث بها السود ليست في استخدام القواعد غير القياسية بقدر ما هي التلاعب بالاستعارة”. في عام ١٩٧٤ نشرت “الكتاب الأسود” وهو يمثل مختارات من حيوات الأمريكان من أصل أفريقي، والذي أثر إلى حدّ كبير في صورة الأنثروبولوجيا والثقافة السوداء، التي بدأت في اجتياح الكيان الأبيض معرفة بنفسها قادرة على سد الثغرات في كل المجالات التي كانت حتى تلك اللحظات ملكًا للبيض. يجب أن نذكر في هذا السياق أن موريسون ناضلت من أجل نشر وتسويق السيرة الذاتية “الأعظم” للملاكم العالمي محمد على كلاي، على خلفية رفضه المثير للجدل للخدمة العسكرية في حرب أمريكا في فيتنام والتي جلبت له العديد من الصعاب التي لا يتسع المجال لذكرها في سياق هذا المقال.

للصبر حدود:

رغم عملها الشاق والمضني في دار النشر من أجل أن تعيل أسرتها كانت موريسون تكتب كلما سنحت لها السانحة، دؤوبة، مثابرة، مجاهدة ومناضلة من الطراز الأول بل في الصفوف الأولى للزود عن حقوق كل من سلب حقّه من أبناء جلدتها وغيرهم دون فرز. كانت تكتب كلّما شاء لها الوقت؛ في الفجر، أو في منتصف رحلاتها على قوارع الطرق وعلى أرصفة المدن وخطوط السير، تتذكّر أنجيلا ديفيز، أنّ موريسون كانت تخربش فقرات على ورقة كانت تضعها على عجلة القيادة في سيارتها، بينما تكون عالقة في حركة المرور. سرقت موريسون وقتَ كتابة كافيا لتتمكن من نشر روايتين أخريين في السبعينيات: سولا (1973)، التي تتبعت فيها حياة رجل أسود في ولاية أوهايو من خلال أعين اثنين من أفضل الأصدقاء، و”أغنية سليمان” (1977)، وهي ملحمة تمتدّ عقوداً من الزمن، وتؤرّخ لحياة رجل أسود. لقد استطاعت موريسون أضاءة أفراح الحياة الأمريكية السوداء وآلامها من خلال أعمالها الحيوية والمذهلة والتي مهدت الطريق للعديد من الكتاب الأمريكان ليسلكوا بعدها الدروب دون لأي ناشدين الوصول إلى ضالاتهم المنشودة: تحقيق الحلم الأمريكي الذي طال انتظارهم له … العدالة للجميع … لا للتفرقة … لا للعنصرية … شعب واحد وقلب واحد!

الاحترافية:

  إن نجاح كتاب اختراق جدار الصمت والذي حاز بجائزة “الجمعية الوطنية لنقاد الكتاب” قد أقنعها بأنّها يمكن أن تلزم نفسها ككاتبة متفرغة.

وفي عام 1981، وبعد إطلاق روايتها الرابعة “طفل القطران”، أصبحت أول امرأة سوداء تظهر على غلاف مجلة “نيوزويك”، بعد زورا نيل هيرستون، عام 1954. نُشر عملها الشهير (Beloved) “محبوبة” العام 1987، وتستند الرواية إلى قصة حقيقية صادفتها موريسون أثناء نشرها “الكتاب الأسود”، لعبد هارب يقتل ابنته الرضيعة بعد أن استعبدها البيض، أثارت الرواية ضجة كبيرة، وبقيت ضمن قائمة أكثر الكتب مبيعاً، لمدة 25 أسبوعاً، وتمت إضافتها إلى قوائم قراءة الأدب في المدارس على امتداد أنحاء البلاد، كما فازت الرواية بجائزة “بوليتزر” عن أفضل عمل أدبي، وعنها قالت موريسون لصحيفة “نيويورك تايمز”، العام 1994: “شعرت أنني ممثلة لعالم بأسره من النساء اللائي كن صامتات، أو اللائي لم يتلقين مطلقاً إنصافاً من العالم الأدبي الراسخ”.

الحسيّة والخوف من الحظر:

بينما غدت موريسون على جانب من الاحترام والتقدير، إلا أنّها أصبحت خائفة من “أعمالها الحسّية”، أو ذات المحتوى الجنسي الصريح؛ لذا تمّت إزالة كتبها، مراراً وتكراراً، من المناهج الدراسية، كما تمّ حظر روايتها “الفردوس” في سجون تكساس خشية أن تتسبّب في أعمال شغب. ظهرت موريسون على غلاف مجلة “تايم”، العام 1998، بعد إطلاق كتاب “الفردوس”، وتحدّثت في مقال منشور في ذلك العدد عن روايتها الجديدة: “العالم في ذلك الوقت لم يكن يتوقع الكثير من فتاة سوداء صغيرة، لكنّ أبي وأمي فعلا بالتأكيد”. بعد الألفية الجديدة، أصدرت موريسون أربع روايات أخرى لقيت إشادة كبيرة وقبولاً منقطع النظير، وظلَّت تُدرّس في جامعة برينستون، حتى تقاعدها من هذا المنصب، العام 2006، وفي العام 2008؛ قدمت أول تأييد رئاسي لها على الإطلاق، دعماً لباراك أوباما، وبعد أربعة أعوام، ردّ الرئيس جميلها بمنحها “وسام الحرية” الرئاسي. قال الرئيس أوباما في الحفل: “أتذكّر قراءة “أغنية سليمان” عندما كنت طفلاً، ليس فقط لأحاول معرفة كيفية الكتابة، ولكن أيضاً كيف أكون وكيف أفكر، إنّ نثر توني موريسون يجلب لنا هذا النوع من المُثل الأخلاقية والعاطفية التي لم يحاول الوصول إليها سوى القليل من الكتاب”.

خاتمة:

ويجب في سياق ذكرى هذه المبدعة العالمية أن نذكر بحديث صحفي لها بعد فوز أوباما حيث صرحت ملئ شدقها وبكل وضوح: “شعرت لأول مرة بأنني أمريكية، وأن رموز الحكم الأمريكي والمارينز والإعلام صارت تعني بالنسبة لي شيئا، إنه حلم قديم وقد تحقق متأخرا لـ70 عامًا على الأقل”. واسترسلت قائلة: “لكن لا يزال جزء مني تغلي فيه الثورة”، لذلك لم يكن من الغريب أن تكون موريسون من بين أكثر المبدعات قربا من الرئيس أوباما الذي توجها، كما سلف ذكره، بأكثر من وسام.

يمكن بهذه العبارة أعلاه أن نسوق القول ونؤكد أن موريسون عبر مسيرتها الخالدة والمثالية في سلمية كفاحها ودأبها الحقوقيّ قد وسعت الشريعة الأديبة للأمة الأمريكية لتكون بمثابة ضميرها النابض لا سيما عند أوقات الشدّة التي لازالت تتتالى على هذا الشعب، خاصة في السنوات الأربع الغابرات من حكم الرئيس رقم ٤٥. إن موريسون يا سادتي ودون أدنى شك وبجملة أعمالها قد خطت اسمها على صفحات التاريخ بمداد من نور ووضعت بذلك اللبنات الأولى لحراسة تاريخ المهمشين والعناية به، ذلك من خلال الخلق والابداع الأدبيّ الذي يفيض جمالًا وألقًا فضلًا عن تضمين صور بعض الشخصيات الأمريكية من أصل أفريقي، وصورًا أخرى عزيزة عليها، ومن ثمة مراجعة التاريخ في منعطفاته المأساوية على مرّ تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية التي لم يتثَّنَ لها أن تتحد بعد، وتكون بذلك أكثر الكاتبات والكتاب نجاحًا وتأثيرًا في تاريخ الأدب الأمريكيّ على الإطلاق. رحمها الله رحمة واسعة بقدر ما أعطت، فلقد جادت وما فتئت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق