سلايدر

ستيفن هوكينغ … عالم استثنائيّ

نوبل للفيزياء وتحطيم الأرقام القياسية من على كرسي متحرك ...!

د. محمد بدوي مصطفى

جائزة نوبل لعظماء العلماء!

جلست ذات يوم مع أسرتي أطالع بعض الدعايات لأفلام تاريخية أو لنقل متعلقة بشخصيات فريدة استطاعت أن تغير مجرى التاريخ البشريّ جذريًا؛ منهم على سبيل المثال لا الحصر أولئك الذين برعوا في مجال العلم وكانت لهم فيه أيادٍ سابغة مثال ألبرت أينشتاين وغيره من كبار العلماء الأفذاذ الذين تجمعوا في إطار الدول الغربية، وهم الأغلبية الغالبة؛ لقد استطاعوا بجهودهم الثرّة ومثابرتهم التي لا تعرف الملل ودأبهم المتواصل أن ينالوا أعظم جائزة ينالها العلماء في العالم: جائزة نوبل في العلوم، بكل أشكالها وألوانها، مثال الفيزياء، الكيمياء أو الأحياء.

فيلم بعنوان: نظرية كل شيء!

يحكي هذا الفيلم قصة وكأنها من وحي الخيال، عجيبة، غريبة وساحرة في آن واحد. تجلس أمام شاشة التلفاز وتهيم في وحيها، يأخذك الإبطال في متاهات لم تعرفها من قبل البتّة، يسوقوك إلى دروب الإعاقة المتشعبة الأليمة والمحزنة التي يجهلها أغلبنا ومن ثمّة إلى مغاور العلم ومسائله العميقة والشائكة في أعرق جامعات العالم على الإطلاق. تسرد خيوط القصة أن ستيفن هوكينغ في عام ١٩٦٣ كان طالبًا في كلية الفيزياء في جامعة كامبريدج، وجرى حاله الروتينيّ كحال الطّلاب الكثر في صحن الجامعة وفي ترهات الداخليات التي تجمع من أشكال الخلق متباينها فواكهه مختلف أشكالها على حد القول. كان يشارك صديقًا له الغرفة يدعى براين وكان هذا الصديق معروف بأنه “شقيّ ومدردح” – كما يقولون بلغة اليوم – يحب المزاح ويعشق الحسان وكان عالما بشؤونهنّ الكثيرة على عكس هوكينغ، الذي سلق على حياة بسيطة متواضعة وليس له علم أو خبرة أيّة كانت بمزاج حواء، تقلباتها ومراماتها، وكان كما نقول بلغة اليوم “درويش” بحق وحقيقة. ذات يوم وفي خضم التبادل الطبيعي في حياة الطلاب بين اللهو والجد، اللعب والعمل كلّف الأستاذ المسؤول عن إحدى مواد الفيزياء طلابه ومن بينهم صديقنا هوكينغ بالنظر في قضية شائكة ومعضلة وقف عندها عدد من أهل العلم ليسوا بالقليل. لم يستطع يومئذ أحد من الطلاب التصدي لهذه المشكلة العلمية عدا هوكينغ رغم إنه لم يجد الوقت الكافي للتفرغ لحلّها ولكنه وجلس في طريقه من الجامعة إلى البيت على كنبة إحدى القطارات واستطاع أن يحل اللغز على جدول مواعيد القطار. وعرف عنه أصدقاؤه واساتيذه منذ ذلك اليوم ذكاء فذ وتنبؤا له بمستقبل واعد.

وراء كل رجل عظيم امرأة … مدام جين:

دُعي ستيفن ذات يوم من أحد الزملاء بالجامعة إلى حفل راقص وشاءت الأقدار أن يتعرف على حسناء بديعة في ألقها وبساطتها، ذوّاقة للأدب والعلوم الإنسانية، غيره تماما، يعني من ورشة أخرى، غير التي يعيش فيها هوكينغ. في ذلك اليوم استطاع أن يتغلب على خجله ورقصا سويًا رقصة الحبّ الجامح، ولمس كلاهما في قلب الثاني شيء مثل الانتشاء أو ضرب من الغبطة الطفولية وكأنهما لا يزالان في سنّ المراهقة وكانت تلك بداية لقصة حبّ فريدة في نوعها، ترصعت بالصبر والجلد واستقامت بنكران الذات. ألمّت بهذا الحبّ في بداياته الخجلة صدمة تزلزلت من جرائه أركان قلبين زلزلة؛ ذات يوم سقط هوكينغ في باحة الكلية سقطة غريبة، ألتفّ حلوه كل من حام بساحة الجامعة، ولم يعرف زملاؤه يومئذ أهو الصرع أم شيء آخر لا يدركون له كنهًا. على كل ساروا لا يلوون على شيء، وحملوه إلى الطبيب المختص وعند الفحص وبعد أن خرجت نتائج التحاليل عُرف أنه مرض عصبيّ حركيّ نادر للغاية يجعل من ضمور عضلاته المطرد حقيقة لا مفر منها، وتنبأ الأطباء بموته خلال عامين. حبس هوكينغ هذه النتائج في دخيلته وحجبها عن محبوبته وعزل نفسه بعد ذاك اليوم وجلس في غرفته الأيام الطوال يناجي الحيطان، في وحدة ووحشة إلا من كتاب وشباك يكتب عليه كل ما يطرأ عليه من نظريات أو مسائل رياضية أو فيزيائية. واستمر هوكينغ في عزلته تلك، وطفق يبتعد يومًا تلو الآخر عن صديقه براين وعمن عشق قلبه: جين، الحبيبة المنتظرة، ولم يأت لها برد ناجع يفسر لها صدّه إيّاها. لم يبطر جين في أن تبادر هي دون لأي أو كلل في ملاحقته وأصرت ذات يوم أن يلعب معها لعبة الكروكيت، عندما اكتشفت وأدركت تماما حاله وأن صحته وقواه الجسدية تتدهور بلا انقطاع. أثرّت هذه الأحداث في حياة هوكينغ وتأثرت دواخله بها أيما تأثر وقرر أن يبتعد تماما عن جين وأن يبرز لها البطاقة الحمراء في أن تغادر ملعب حياته البائس من تلك اللحظة فصاعدًا. لكن رغم كل هذا الصد والبعد والنأي المرير الذي أقرّه هوكينغ لم ترد محبوبته جين مفارقته البتّة، فأصرت على الزواج منه على الرغم من أن والده حاول ثنيها عن قرارها خشية أن تصير حياتها جحيما وتتدمر هي الأخرى بسبب ما يحمله المستقبل من مفاجآت للأسف ليست سارة لمحبوبها أو لهما الاثنان في حالة الاقتران.

ولكن بالرغم من كل الأمواج العارمة التي وقفت سدًا منيعًا أمام هذه الزيجة فقد كتب الله لها أن تكون وأتت بعد بضع سنوات عجاف أكلها بطفلين رائعين واستطاع هوكينغ رغم كل العقبات والصعاب أن يكمل أطروحة الدكتوراه بالجامعة وعُين محاضر بها، وأثار حينئذ انتباه الكثيرين من الطلاب والعلماء بأروقة الجامعة لما كان يأتي به من أفكار جهنمية وحلول لنظريات قديمة وقفت في نصف مسارها أمام أبواب مؤصدة. وبينما كان نجمه يتألق يومًا تلو الآخر، تطور من ناحية أخرى المرض وضمور الجسم بشكل مخيف فصارت حاله الجسدية ومسار يومه يدعو للرأفة والشفقة على حد سواء، مما سبب له عقدة نفسية غائرة صارت تقف أمامه في كل القرارات التي كان عليه أن يتخذها ولكن لولا صمود زوجه المصون جين لما سمع العالم لهذا العالم الفذ من صوت ولا سمعت الدنيا لما وقف عليه من علم وفهم وإدراك لشؤون الكون وما وراء الطبيعة ولما نعمنا بكثير من الأشياء في حياتنا اليومية لولاه. مع مرور الأيام صار الحديث والكلام إلى الناس وحتى في البيت صعبًا والمشي صعبًا والذهاب إلى الجامعة صعبًا والأكل صعبًا، باختصار صارت حياته تتلخص في كلمة “صعب” أو “شاق” ورغم كل ذلك كانت جين تقف على كل أموره المنزلية، صغيرها وكبيرها، فضلًا على ما يتعلق بأمور الجامعة. ومع مرور الأيام صعب عليها الوقوف طوال اليوم على كل هذه الواجبات التي تخصه فضلاً عن أمور البيت والأطفال والتزامات الحياة اليومية وكان هوكينغ يرفض رفضًا باتًا الاستعانة بشخص غريب يساعده في خصوصياته اليوميّة.

من هو ستيفن هوكينغ؟

هوكينغ لمن لا يعرفه هو من مشاهير علم الفيزياء في عصرنا الآني، تميز بذكاء خلاق وقدرات ذهنية وعقلية خارقة للعادة ذلك رغم ضعفه البدني والتعوق الذي لم يبطره أن يسير في طريق الاكتشافات البعيدة العميقة ويجتاح عالم ما وراء الطبيعة ليشرح لنا ما يكمن فيه من أسرار تتعلق تعلقًا وثيقًا بنظريات الفيزياء وعلم الرياضيات. لذلك كانت من أبرز اكتشافاته الثقوب السوداء التي يمكن أن تنبثق منها جسيمات ذرية. وإن كان الثقب الأسود يشكِّل متفردةً فيزيائيةً في الطبيعة، فيقول أحد طلاب الفيزياء إنه لا يبالغ إن قال إن هوكينج يشكِّل متفردةً في التاريخ البشري، سيقف أمامها التاريخ طويلًا.

رأي مولد هذا العالم النور في يناير من عام ١٩٤٢ في أكسفورد إنجلترا. والتحق في بداياته بجامعة أكسفورد المرموقة من أجل دراسة العلوم الطبيعية، من فيزياء، كيمياء وأحياء والتحق فيما بعد لنيل الدكتوراه بجامعة كامبريدج والتي تحصل عليها بمرتبة الشرف الأولى. ألمّ به مرض نادر وذلك بعد دخوله الجامعة بثلاث أو أربع سنوات (١٩٦٣) وهو مرض التصلب الجانبي الضموري، وهو مجموعة من الأمراض التنكسية التي يميزها تضرر خلية العصبون الحركي في الدماغ وفي الحبل الشوكي وفي المسالك المسؤولة عن انتقال الإشارات العصبية بينهما. وعند تشخيص المرض توقع الأطباء أن يعيش سنتين فقط على أحسن الاحتمالات. فمع تطور المرض لم يكن هوكينغ قادرًا على المشي فاضطر على أن يلزم كرسيًا متحركًا معظم سنيّ حياته وفقد بعدها القدرة على الكلام فصار حديثه يترجمه جهاز إلكترونيّ مما منحه القدرة على التواصل الاجتماعيّ في سياق محيطه الجامعيّ والأسريّ على حد سواء.

التجربة العلمية التي غيرت مسار علم الفيزياء:

رغم المرض الذي أقعده، أنجز هوكينغ العديد من الأبحاث النظرية في علم الكون وأبحاثا في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، كما أن له أبحاثا ودراسات في التسلسل الزمني. ومن أبرز اكتشافاته كانت النظريات التي تتعلق بالثقوب السوداء التي حيّرت علماء الفيزياء وطرحت تساؤلات كثيرة لم تجد أي حلولًا ناجعة ونظريات قادرة على فك طلاسمها. فقد أثبت هوكينغ نظريًا أن الثقوب السوداء تصدر إشعاعًا على عكس النظريات المطروحة في علم الفيزياء آنذاك وسمى هذا الإشعاع باسمه: “إشعاع هوكينغ”. ورغم انخراطه في مجال العلم والنظريات فلم يبطره ذلك أن يشارك في تنسيق وتهذيب الحياة العامة وما يطرأ عليها من تطورات علمية تحمل من الإيجابيات قدرًا كما تحمل من السلبيات قدرًا آخر. مذكرًا العالم في مواقفه العديدة من قضايا التكنولوجيا وأعرب مرارًا وتكرارًا عن مخاوفه الكثيرة من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان وقال إن نتيجة هذا التطور المحتمل والذي نعيشه واقعًا ملموسا سيجعل الحياة تدور بعجلات أخرى وستنقلب وتيرتها رأسًا على عقب. لذلك فقد دعا في مواقفه العديدة تجاه التكنولوجيا التي سيطرت على الكثير من المجالات الصناعية إلى التعامل الحذر معها حتى نتفادى تدمير البشرية بسببها وندد بتفاقم الأمور في هذا الإطار الذي يتبدى في خطورته على الحضارة الإنسانية. ودعا أيضًا إلى استعمار أجرام أخرى في الفضاء بسبب ما قد تتعرض له الأرض من كوارث مهلكة. لذلك نجده انتقد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانسحاب من المعركة العالمية ضد تغير المناخ وقال في مقابلة له مع إذاعة بي بي سي إن “تصرف ترامب يمكن أن يزج بالأرض إلى الهاوية، لتصبح مثل كوكب الزهرة الذي تصل حرارته إلى ٢٥٠ درجة مئوية ويمطر حامض الكبريتيك.” وفي السياسة العالمية لم يخمد صوته تجاه الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية إذ انسحب في عام ٢٠١٣ من مؤتمر إسرائيلي في إطار مقاطعة من قبل بعض الأكاديميين البريطانيين احتجاجا على احتلال إسرائيل للضفة الغربية.

مكتبة هوكينغ:

سطع نجم هوكينغ وانطلق يحلق في آفاق الشهرة العالمية بعد إصداره لكتابه “تاريخ موجز للزمن”، وهذا المؤلف من المؤلفات التي نالت اعجابًا وقبولًا منقطع النظير في كل أنحاء العالم وظل – كما تذكر بعض المصادر – على قائمة صنداي تايمز لأفضل الكتب مبيعًا لمدة لا تقل عن ٢٣٧ أسبوعًا. وألف هوكينغ مذكراته تحت عنوان “تاريخي المختصر” ذك في عام ٢٠١٣ وفي عام ٢٠١٤ عرضت قصة حياته المثيرة في فيلم “نظرية كل شيء” الذي تطرقنا له في أعلى المقال وكم كان هذا الفيلم مؤثرًا للجمهور الذي رأى فيه معاناة هذا العالم ودأبه رغم المرض وكل ذلك في سبيل العلم والمعرفة وإثراء الإنسانية بنظريات ستظل حيّة وخالدة ما حيينا. كان هوكينغ فلكيا لا يشق له غبار فعندما يشرع طلاب الفيزياء مثلًا في قراءة بحث من أبحاثه، فلابد أن يكون الطالب حينئذ مُلمًّا بفيزياء المجال الكمي وفيزياء النسبية العامة والهندسة التفاضلية والطوبولوجي والفيزياء الإحصائية وغيرها من العلوم المتقدمة. من هذا يتجلى لنا كيف كان هذا العالم الباحث شغوفًا بالحقيقة بكل معانيها الطبيعية، وفي سبيل ذلك انتصر على مرضه بعقله الفذ، الذي جعل من شخصه خالدًا في قلوب الناس وفي دفات أمهات الكتب.

رحل العالم وارتفع كوكبه في سماء العلم:

ذات يوم من عام ٢٠١٨ استيقظ العالم على خبر وفاة عالم ما وراء الطبيعة الاستثنائيّ ستيفن هوكينغ الذي ظل أكثر من خمسة عقود يمارس حياته العلمية على كرسي متحرك، يدير أموره وأمور العلم من هذا الكوكب الكرسيّ وكانت تلك مسيرة خارقة للعادة. رغم هذا الضمور الجسدي والعضلي الذي عاناه فلم يطرأ على المحرك الديناميكي الذي بداخل هذا العالم أي تغير، فظل عقله الجبار يعمل بأعلى كفاءة، ذلك لعمري مثال لإنسان خارق للعادة، حظينا بأن نعيش في زمنه ويا لها من قصة أقرب إلى الخيال؛ وفي اعتقادي الشخصي إنها ربما لن تتكرر، كمثال إنساني في التاريخ البشري، ونحمد الله أنه وهبنا السانحة وأن الحظ قد حالفنا لأن نعيش حقبة عاشها هوكينغ.

إنه من صدف الزمن أن يموت هذا العالم في يوم ذكرى ميلاد عملاق من عمالقة الفيزياء، ألبرت أينشتاين، وأن يجئ مولده في ذكرى وفاة جاليليو، والسؤال الذي يطرح نفسه هاهنا … هل حدث كل ذلك بمحض الصدفة؟ أم أنها بمثابة خلود وتخليد لهذه الهامة وهذا العالم الفذ والأسطورة النادرة التي مزجت في ثبات وتؤدة بين الصبر الإنساني والتحديات الكثيرة التي حتمتها عليه طبيعة عمله كعالم في مجال العلوم الطبيعية. لقد خلّد لنا هوكينغ لوحة بديعة لهذا الانتصار على الإعاقة وأن الأحلام لا ولن تتحقق إلا بالثبات والمثابرة والدأب المتواصل، ونحن الأصحاء ليتنا نرى أن تحطيم الأرقام القياسية يمكن أن يتحقق حتى من على كرسي متحرك، كما فعل هوكينغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق