سياسة

خارج المتاهة

رحيل الإمام ... ونظرات على سلام جوبا

محمد عتيق

   جاء في مقال بهذه الزاوية في ٣ مارس ٢٠١٩ تحت عنوان (نحو مزيد من التعافي) ، وفي معرض التعليق على الهجوم ذو العبارات المكرورة على السيد الصادق المهدي : “… إذا اتفقنا جدلاً مع أغلب المنتقدين للمهدي بوعي ، أنه ، في تجارب حكمه السابقة كان دائم التردد في اتخاذ القرارات ومجاملاً للإخوان المسلمين ، وأن أقرب فترتي حكمه كانت قبل ثلاثين عاماً ، فإن ذلك يعني أنه متجمد عند آنذاك !! ، فهل يعقل لرجل مفكر وفقيه نابه يتمتع بحيوية فائقة وقدرات شاملة مثل السيد الصادق أن يتجمد ثلاثين عاماً عند صفات ورؤى كان عليها آنذاك ؟؟” … وفي الختام: “…. هيا نستعيد – تحت ظلال الثورة – قيمة الكبير وتوقيره، أن نختلف لكننا نحترم” ..  وكان القصد ابتدار مناقشة مفتوحة تهدف أولاً أن نلتزم جميعاً بالموضوعية والاحترام المتبادل في النقاش وإدارة الخلاف ، ثم ثانياً استعراض التطورات الإيجابية في تفكير ورؤى السيد الامام التي تفرض علينا الاستماع والتأمل ثم نؤيد بوعي وربما بإضافات ، أو نعارض وربما نقدم بدائل ، وكلها في إطار من هم إخوة في الوطن وهمومه ، -ويقيناً أن مثل تلك المراقبة وذلك الاستعراض الموضوعي كان سيقودنا بالتدريج إلى أن نرى السيد الصادق بالفعل قد اعتلى موقعاً هاماً في حركة التنوير القاصدة (في إحدى نتائجها الهامة) إلى ترسيخ ديمقراطية مستدامة في أرض السودان لا تبخل بظلالها ومن ثمارها على كل الجوار .. غير أن تطورات الثورة وملاحقة أحداثها لم تترك لأمنيات النفس الا أن تكون مجرد أمنيات ومشروعات، وجاءت فاجعة رحيله الأبدي لتقضي حتى على الأمنيات..

كان سماحة الامام الراحل قد أصبح موعداً مترفاً في التحول نحو الديمقراطية المستدامة، بعد أن ارتفعت درجة نضجه إلى ذرىً رفيعة، وأصبح بالفعل مجترح المقترحات المبدعة ومصدر الحكمة والرشد حتى وهو يتعصب لحزبه عند ممارسة السياسة.. جاء رحيله حرماناً أبدياً للمشروع أن يكتمل، فهل نندم على التقصير، التقصير في إبراز ما نعتقده فيه والدفاع عنه بالتي هي أحسن؟، وما الندم الا شعور سلبي..

لا خلاف على أهمية السلام وأولويته المطلقة مفتاحاً لاستقرار البلاد وابتداء صعودها على مدارج النماء والازدهار، ومدخلاً للتمازج بين أبنائها وكافة مجموعاتها السكانية..

السلام الذي أتى من جوبا (٣ أكتوبر ٢٠٢٠) اختلف حوله الناس بين مؤيد ومعارض، وإلى فرق داخل الفرقة المؤيدة أو المعارضة، وذاك طبيعي ودالة على أهمية الحدث..

سلام جوبا، وبعد الترحيب الحار به:

** نرى أنه – حتى ولو كان به شمول في القضايا والمعالجات – إلا أنه أتى ناقصاً في الأطراف، سلام لم يشمل حركتي الحلو وعبد الواحد ، واقتصر على تنظيمات الجبهة الثورية التي تضم – إلى جانب الأطراف الاصيلة – أطرافاً و “مسارات” لا محل لها في الإعراب أصلاً ، وجودها ؛ وكأن الثورة وقواها “قوى الحرية والتغيير” لا تمثل شيئاً في السودان … ومع ذلك ، بنود الاتفاق ومتونها تقول أنها نهائية ، وهذا يتعارض مع المساعي التي يمكن أن تكون جاريةً لضم حركتي عبد الواحد والحلو على الاقل فيما يخص حصص المشاركة في السلطة : هل ستشاركان الجبهة الثورية في حصصها المنصوص عليها في الاتفاقية ؟ ام ستكونان خصماً على حصص المكون الأساسي؟؟ ومن السؤال تتناسل أسئلة حارقة..

** الوثيقة الدستورية تحرم على أعضاء المجلسين السيادي والوزاري الانتقاليين الترشح في الانتخابات العامة التي ستلي الفترة الانتقالية، وعلى النقيض من ذلك تجيز اتفاقية جوبا لمن سيمثلون الجبهة الثورية في المؤسسات الانتقالية نفسها أن يترشحوا لنفس الانتخابات “وعند تعارض بند من الوثيقة الدستورية مع بند في اتفاقية جوبا فإن الاتفاقية هي التي تسود وتعلو على الوثيقة الدستورية” .. خلافاً لكل التبريرات الواردة في ذلك، يظل السؤال الرئيسي ماثلاً عن: الفرق بين مناضل مدني سلمي وآخر من صفوف حركة مسلحة وعن الذي يجعل اتفاقية السلام، وهي الفرع، تعلو على الوثيقة الدستورية، وهي الاصل؟؟

** ومن نتائج اتفاقية سلام جوبا القرار القاضي بانشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، (نتج عن تعديل مشكوك في قانونيته في الوثيقة الدستورية بإضافة مادة بالرقم ٨٠ تنص على ذلك).. ودونما تكرار لما قيل عن تكوينه وصلاحياته ومهامه، فانه جاء بمثابة حاضنة ومرجعية جديدة للثورة بديلاً عن قوى الحرية والتغيير، وفي طريقه لأن يكون بديلاً عن المجلس التشريعي الانتقالي الذي يترقب الجميع تأسيسه..  وإذا تجاوزنا المخالفات الثورية والدستورية في كل ذلك فإننا لا نستطيع تجاوز مشكلة (قحت): – لائحة مجلس الشركاء تنص على أن عضويته تضم إلى جانب قحت، الجبهة الثورية ورئيس الوزراء والمكون العسكري في السيادي.. ولكن قحت تهيمن عليها قوى محددة باسم “المجلس المركزي”، الاخرين طالبوا بالإصلاح إلى أن اعترفت قوى المجلس المركزي بذلك وتم الاتفاق على عقد مؤتمر للأمر، وبسبب المماطلة وممارسة أساليب كسب الزمن، إضافةً إلى أصداء اتفاقية سلام جوبا، استقال أو انسحب بعض القوى من قحت، وقوى أخرى (غير الممثلين في المجلس المركزي) سحبت اعترافها من قحت..

ومن ناحية أخرى، أصبحت “الجبهة الثورية” ضلعاً قائماً بذاته بين أضلاع الفترة الانتقالية بينما هي عضو مؤسس لقوى الحرية والتغيير ولكتلة نداء السودان، وظلت تؤكد على ذلك في تصريحات قياداتها رغم خروجها منها..

** وإذا تأملنا مسيرة قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) تنظيمياً ، وتوغلنا في دهاليز تكوينه ، فسنكتشف أنه لم يختطف قحت من الآخرين ولا الثورة ، لا هو ولا المجلس العسكري بلجنته الأمنية ودعمه السريع (جنجويده) ، بل هم جميعهم مجرد “كومبارس” – بوعي أو بدون وعي – لمحاولة اختطاف الثورة التي يقوم بها تحالف الرأسمالية المحلية مع القوى الإقليمية المعادية للحريات وتوطين الديمقراطية وحكم القانون واستقامة الحكم واستقلال القرار  الوطني في السودان ، وهي المحاولة التي بدأت حلقاتها من الاجتماع السري بدار أحدهم ، والجميع يعرف كيف كان افتضاح الأمر ..

** ومن أخطر مواقف الجبهة الثورية وأطروحاتها:

أولاً: تأييد التطبيع مع اسرائيل (يماثل الاعتراف)، وذلك بالضد من طبيعتها الأساسية والإنسانية المفترضة كحركة تحرر وطني..

– ثانياً: الدعوة للحوار مع الإسلاميين بحجة أن فيهم معتدلين وأنهم أيضاً سودانيين

…الخ الخ ، بينما المعتدلون منهم لم يعودوا إسلاميين وفارقوا تنظيماتهم باكراً مثل المرحوم د.الطيب زين العابدين والاستاذ المحبوب عبد السلام وغيرهما ، فهل سيكون الحوار مع علي الحاج وصلاح قوش أم مع نافع وغازي أم مع من ؟ .. وإذا وضعنا في الاعتبار طبيعتهم العسكرية   وتماهيهم مع المكون العسكري فإن مخاطر تلوح في تكوين مجلس شركاء الفترة الانتقالية (المكون العسكري+قحت+ الجبهة الثورية+رئيس الوزراء) أن ينشأ بينهما (المكون العسكري والجبهة الثورية) حلف في المواقف واصطفاف في القرارات خاصةً وانهما معاً يمثلان أغلبيةً حاسمة داخل المجلس المذكور، ولن تكون قحت (بمجلسها المركزي الحالي) بعيدةً عنهما..

رفقاً بوطنكم وشعبكم العظيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق