مجتمع

(حين نحاكم كتاب الله بمعايير البشر)

مفاهيم تجعلنا نُسيء إلى التنزيل الحكيم!!

عبد الحميد اليوسفي*

يطرح كثيرون منا أسئلة ربما يريدون بها تحقيق فهم أفضل لآيات الذكر الحكيم، ولكن هؤلاء، وهم كثر بكل تأكيد، لا يفطنون إلى أنهم بأسئلتهم إنما يسيئون إلى كتاب الله، سواء قصدوا إلى ذلك أم لم يقصدوا إليه، لأنهم، ضمنياً وبكل بساطة، يتهمون ذلك الكتاب بالنقص اعتمادا على معاييرهم هم، وعلى مفاهيم فقهائهم وشيوخهم هم، مِن الذين لا اجد ما أصفهم به والحالة هذه سوى أنهم «مسطّحون»، يعيشون في عالم فكري يحكمه «بُعدان اثنان»، ولذلك تعجز عقولهم عن إدراك أي فهم ذي أبعاد ثلاثة، أو أربعة أو أكثر… علماً بأن كلام الله يخترق الأبعاد كلها، سواء ما ندركه منها، أو ما لم تُطِقْ عقولُنا إدراكَه بَعد.

إن هؤلاء، ولي منهم أصدقاء كُثر، حين يسألونني: «إذا كنتَ قرآنياً تُنكر السنة فأَخرِج لنا من القرآن آيات تفصل الصلاة الحركية (كما يؤدونها) والزكاة (كما يدفعونها)، والوضوء (كما يمارسونه هم أنفسهم نقلا عن الآباء)…»؟

بذلك، لا ينتبه هؤلاء إلى أنهم يتهمون القرآن بالنقص، لمجرد كونه لم يبيّن لهم هذه التفاصيل كما تَعلّموها من خارجه، يريدون أن يثبتوا بذلك حجية السنة باعتبارها «مكملةً للقرآن»، وبتحصيل حاصل هذه الغفلة، لا ينتبهون إلى أنهم بذلك يحكمون على القرآن بمعاييرهم، وبمعايير شيوخهم وأساتذتهم الموصوفين والحالة هذه ب»التسطيح»، لأن كتابا قال في وصفِه الحق عز وجل: «كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» (هود – 1)، وإن فيه تفصيلاً لكل شيء، يستوجب طرح أسئلتهم تلك بصيغة مختلفة تمام الاختلاف.

كان عليهم، مثلاً، أن يسألوا بكل عقلانية، وبكل رشاد: «مِن أين وكيف جاءتنا تفاصيل الصلاة والزكاة والوضوء، إذا كان الكتاب الذي فصل الله فيه كل شيء لم يأت على ذكر ذلك كُلاًّ أو بعضاً»؟..

هذا هو السؤال الذي يستحق ان نطرحه جميعاً، وأن نتكاتف ونتآزر جميعاً على الإجابة عليه إجابةً يقبلها العقل، ويسندها المنطق، وتتجلى فيها شروط

البداهة.

إننا لا نحاكم التفاصيل على عدم وجودها بالقرآن، بل نحاكم القرآن على عدم ذكره لتلك التفاصيل… وهذا حق يراد به نقيضه، ويستند إلى منطق باطل تمام البطلان. فالمشكل ليس في كتاب الله، بل هو في العدسة اللي نقرأ بها هذا الكتاب الحكيم.

هناك آية حاكمة ومهيمنة على هذا الطرح البسيط الذي أروّج له في هذه المناقشة بكل تواضع:

«وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ» (النحل – 89).

إن هذه الآية، وآيات أخرى غيرها تحمل التأكيد ذاته، تدفعنا إلى التمييز بين أسئلتنا المقلوبة، بصيغتها المُبطلة: «لماذا لم يذكر القرآن كذا وكذا…»؟ مقابل السّؤال المنطقي والصائب والذي مِن واجبنا طرحُه بكل أريحية: «لماذا أضفنا نحن، أو أضاف آباؤنا ما لم يرد ذكره في الكتاب ذاته»؟

وكما نرى جميعاً، فالنتيجة كانت ولا تزال اتهاماً إرادياً أو لا إرادياً للقرآن بالسكوت عن أشياء نجدها في التراث البشري، وهذا في حقيقته، وكما سبق القول، اتهام لله بالنسيان… حاشاه وتعالى عن ذلك علوّاً مطلقاً.

من أين أتت التفاصيل إذن؟

هناك ثلاثة مصادر لا يغفل عنها كل باحث عن الحقيقة:

1- التراث الشفوي: المتشكّل من ممارسات بشرية تراكمت، ولكنها تحوّلت، بفعل فاعلين، إلى «دين» اعتنقه وتمسك به السلفية وغيرهم من بسطاء الأمة، على اعتبار أن السلفية والحالة هذه هم أشد بسطاء الأمة ابتعاداً عن مدارج الحقيقة القرآنية. ولا غرابة في ذلك، فهؤلاء يقرأون القرآن للتبرك، ولتأبين الموتى، وتنشيط المآتم، ولصناعة الرقى المفترى عليها، ويأمرون تلامذتهم وأَتْباعَهم بترك العقل خارج الصندوق مقيّداً إلى سواري الجهل، تماماً كما يُفعَل بالحمير والبغال، عندما يدخلون إلى حضرة القرآن، فلا يستدعون العقل إلا في قراءة الحدود، كما قال شيخٌ من شيوخهم اسمه «محمد حسين يعقوب»؛

2- الاجتهاد الفقهي: المتشكل بدوره من محاولات بشرية لتنظيم شؤون العيش، تم تقديسُها هي الأخرى، بعد إسباغ القداسة على أصحابها، الذين اجتهدوا وتفننوا في أبتداع هالات من الأضواء البرّاقة والخادعة أحاطوا بها ذواتهم، وزيّنوا بها أسماءهم وأنسابهم، وصنعوا منها طبقةً من العِلْيَة وذوي الحظوة، ولو أنها حظوة غير مستحَقّة بكل المقاييس، ولكنهم ملأوا بها خزائنهم وحساباتهم البنكية، وحسابات أبنائهم، الذين أرسلوهم للدراسة والتمتع برَغَد العيش لدى أمم يُسَمّونها «ديار كُفر» و»ديار حرب»؛

3- التأثيرات الحضارية والثقافية: التي تشكلت هي الأخرى من عادات الأمم السابقة وتَرِكاتها الثقافية، وتسربت كالخميرة إلى عجين تَديُّن بُسَطائِنا، فأثخنت فيه تحريفاً وتزويراً… والبقية يعلمها الخاص منا والعام.

أَلاَ إن ما غاب في القرآن ليس نَسْياً منسِيّاً، ولا سهواً، حاشى رب العزة الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نسيانٌ ولا نوم… وإنما جاء ذلك الإغفال عن قصد، لأن ما لم يرد ذكرُه في الكتاب فهو ليس من مراد الله، ولأن الإعراضَ عن ذكرِه إنما هو من باب الرحمة، ومن قَبيل التخفيف على نفوس لم يُكلّفْها الله إلا وُسْعَها، ولذلك ميّزها بعلمٍ مُسْبَقٍ عن النجدَيْن، (النور والظلمات، الخير والشر، الصلاح والفساد…) ثم متّعها بِحُرّية الاختيار، وفي هذا السياق بالذات، ترك لها أن تتصرف وتجتهد في تقدير تفاصيل العبادات حتى لا تكون مطبوعةً بالجبر والإكراه، ومسكونةً بالرتابة والضجر.

إن الله لم يفصّل أموراً كثيرة لعلمه بأن تفصيلها سيعطل العقول، لأنه سيجعل التفاصيل ثابتة وأبدية، وهو سبحانه وتعالى لا يريدها أن تكون ثابتةً ولا أبديةً، بل يريدها أن تكون محط اجتهاد العقول، وتنافس العزائم، وتَدافُع الأكتاف والمَناكب والهِمَم… «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» (المطففين – 26).

أَلاَ إن  الدين يُسرٌ لا عُسر، مصداقاً لقول الديان جل وعلا: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج – 78)، من أجل أن تتسع رحمته، وحتى تصلي كلُّ أمّةٍ وتزكي وتتطهّر بطريقتها، وتقيم علاقاتِها ومعاملاتِها بطريقتها أيضاً، لكنْ في أطار من الثوابت، ومن المقدمات الإيمانية الكبرى، التي جاءت بذكر أسُسِها النبوّاتُ والرسالاتُ المُنَزَّلة بلا استثناء، تاركةً تفاصيلها لعقل خلقه الله وأهّله وسلّحه بكل ما يحتاج إليه ليصنع تفاصيل حياته، من تلقاء ذاته، لأنه سيُسأل عن ذلك ويحاسب عليه… ومن الظُّلم أن يُسألَ المرءُ ويُحاسَبَ على أمر لم يكن لديه خيارٌ في الأخذ به أو تركه… «مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ» (فصلت – 46).

أَلاَ إن «الجوهر» أهم وأكمل وأبقى من «الشكل». فالصلاة جاء في قيامها «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي» (طه – 14) وبالتالي فذِكْرُ الله واستحضارُه هو الغاية وليس الصلاة، والصلاة مجرد وسيلة، ولو أن الله فصلها لجمّدها، ولذلك تركها مفتوحة ليبقى فهمها وإقامتها متحركيْن ومُتاحيْن لكل الأقوام، وفي كل الأزمنة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وكذلك الزكاة فهي زكاة النفوس، والعقول والمفاهيم، فضلا عن كونها بدورها متغيرة مع تغيّر أحوال المجتمعات وتَغيُّر أنظمتها وتَطوُّر قضاياها، ولذلك كانت الزكاة في زمن التنزيل، في شقّها المالي مثلاً، مَوْرِداً إلزامِياً لتمويل «بيت مال المسلمين»، فأصبحت في عصرنا «ضريبةً» يؤديها المواطنون بلا استثناء، مباشرة من رؤوس أموالهم، أو بطرق غير مباشرة من خلال إدراجها في أثمنة السلع والخدمات… لتمويل «الخزينة العامة للدولة»،  التي حلت محل «بيت المال».

وكذلك الأمر بالنسبة للطهارة، التي لم تعد تعتمد على الرمل أو التراب أو الحجارة وعلى عود الأرك، أو على الصعيد الطيب من النباتات المزهرة كالياسمين والقرنفل أو غيرهما، بل صارت لها وسائلها الحديثة، حتى أن منها اليوم وسائل إلكترونية وكهرومغناطيسية ورقمية تكاد لا تدركها الأنظار… وكل ذلك خلقه الله ووضعه رهن إشارة العقل المتدبر والمتفكر، ثم جعله مناطاً للاكتشاف والابتكار والاختراع، ولو كان ذكره وارداً في تفاصيل الكتاب الحكيم لبقي على حاله ومنواله وبِدائيته إلى يوم الدين.

ونعود إلى أسئلتنا الهجينة، التي أحاول هنا تعرية ضُعفها وهوانها وغوغائيتها، لأُعيد الدعوة إلى تدبر آيات الكتاب البينات، لكي نتيقّن بأن ما ترك الكتاب الحكيمُ والمفصَّلُ ذكرَه، فلأنه لا يستحق الذكر والتفصيل لحكمة يعلمها الحكيم العليم، ولأنه متروك للعقل ليستثمر في فهمه وتطويعه مَلكاتٍ لم يُمتِّعه الله بها اعتباطاً، وإنما ليستخدمها في فهم الأشياء، وتطوير علاقته بها، وتَعامُله معها على مر العصور…

«اللهم إنّي قد بلّغتُ فاشهد»!!

_____

* باحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق