سياسة

رصاصة الرحمة

وليد دبلوك

ثورتنا المجيدة الغالية التي مهرت بالدم والروح، وأنين الجرحى، والمفقودين الذين أثق انهم ارتقوا الى علياء الشهادة، لهم الرحمة والمغفرة.

قدموا ارواحهم ودماؤهم مهرا للحرية والسلام والعدالة وكان ذلك شعارا رددوه بأفواههم وهم يستشهدون، قدموا ارواحهم من اجل سودان جديد مجيد مفعم بالأماني في الغد الاجمل والانضر.. في غد ترتفع فيه التنمية وتدور الماكينات ونبدأ الانتاج ونعود الى وضعنا الطبيعي المفترض ان نكون عليه بما نملكه من موارد ومقومات وهبها الله لنا نعما وفضلا منه علينا ولم نحسن استثمار النعم..

هل حققنا شيئا من امنيات الشهداء وأحلامهم وغاياتهم!  لأشيء ….

لم نحقق شئ من ذلك … إن نظرنا الى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب فان ذلك كان ثمن لصفقة مضمونها التطبيع مع دولة اسرائيل، ثمن مقابل شيء..

  والسلام الذي تحقق في جوبا هو سلام ناقص، إذ لم يضم أقوى عنصرين على الارض وهما عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور، الذين يملكون قوة فعلية ومؤثرة ويتمددون على مساحات كبيرة على الارض، ولهم رؤية ومبادئ يؤمنون بها.. هذين الشخصين كان ينبغي ضمهما حتى يكون السلام مكتملا وحقيقيا.. اما مأتم فهو في نظري اتفاق على سلام شكلي واجندة موضوعية.

  قادة الجبهة الثورية شاركوا النظام السابق في الحكم، كان مناوي مساعد رئيس الجمهورية ودخل القصر، ومالك عقار كان واليا وجبريل اوضح نظرته واتجاهه عبر تصريحاته الغير منسجمة مع روح الثورة وزيارته لشيخه الراحل معزيا اسرته في رحيله توضح امرا لا يخفى على أحد …  ولم يقدم العزاء في ارواح من اتوا به الى الخرطوم مسالما..

حكومة حمدوك الحالية اثبتت إخفاقها في إدارة الملفات، وزراء يتعلمون السياسة متخبطون في قراراتهم، ضعيفي الاداء، الا قليل منهم.

دكتور حمدوك رجل بعقل مستنير وفكر اقتصادي محترم ولكن البيئة السياسية غير مساعدة والاوضاع غير ملائمة، فظل يدور في حلقة مغلقة …

إن تكوين ما يعرف بمجلس شركاء الانتقالية ما هو إلا عبث سياسي لا طائل منه ولا حاجة له وليس من وراءه إلا مزيدا من المنصرفات والمخصصات والنثريات وغيره من اوجه الصرف المالي في وقت يصرخ فيه وزيرا الصحة والزراعة مستنجدين طالبين دولارات لاستجلاب ادوية واسمدة ومعينات للزراعة والمالية تتهيأ لفتح بند صرف بذخي عبثي لا جدوى منه ولا يرتجى من وراءه شيء إلا ذلك الذي يضعه صانعوه في اذهانهم وهو اغتيال الثورة …

اغتيال الثورة عبر منهجية التمدد والتماهي وتوسيع مدارك الوعي والفكر عبر اختلاق اجهزة واجسام تتوزع لتشتت الافكار وتوهم المتابع وينمو اللا إدراك واللا وعي..

مجلس شركاء مبهم غامض المحتوى، ولا أحد يعلم لماذا أنشئ اصلا وما الغاية المبتغاة منه.. ان كان بهدف استيعاب الوافدين في قطار السلام المشوه، فإن استيعاب الثلاثي عقار وجبريل ومناوي في السيادي كان يفي بالغرض، وتعين وزراء من الاجسام الموقعة على السلام القاصر ايضا يفي بالغرض، فما الحاجة الى جسم مترهل شكلا ومضمونا..

مجلس الشركاء هو التفاف على الثورة، فقد تم تشكيله بسرعة محيرة في وقت لازال السعي لتشكيل المجلس التشريعي يسير ببطء شديد.. تشكيل مجلس الشركاء هو فرض واقع جديد تنتفي معه الحوجة الى مجلس تشريعي، بنود تأسيس مجلس الشركاء بنود فضفاضة مبهمة تمنحه صلاحيات واسعة قياسا على التفسير للبنود المرنة التي تسمح بالتمدد السياسي والتشريعي معا بما يتعدى سلطات مجلس الوزراء نفسه، وهنا مكمن الخطر.. الخطر الناعم القادم برؤية ذكية من واضعيه وصانعيه. إذا كان المثل السائد يقول: (ريسين بغرقوا المركب) فكيف الحال بأربعة قيادات، سيغرقون البلد بأكمله … مجلس السيادة ومجلس الوزراء ومجلس شركاء الانتقالية وكيان الدعم السريع، حميدتي صاحب القوة الموجودة بثبات وتمدد في الارض … أربع كيانات لبلد واحد!

حتى عضوية هذا المجلس المزعوم لم تحتوي اصحاب الحق الذين بسببهم اتوا بهؤلاء القادة الجدد، اين لجان المقاومة من عضوية المجلس، اين المرأة التي أثبتت قوتها وبسالتها أبان احتدام الثورة! اين الشباب، مجلس معيب شكلا ومبهم موضوعا..

كان ينبغي تجفيف الاجسام السياسية رأفة بالمالية التي تصرخ وزيرتها بأن لا مال لدي في كل لقاء إعلامي، فعوضا عن ذلك نزيدها صراخا بتشكيل مجلس جديد ضخم الحجم والصرف!!

إنما الغاية تبدو للعيان جلية، فوفق سرعة تشكيل مجلس الشركاء ونوعية التعين فيه، ونصوص مهامه المبهمة، إنما هو فرض مجلس تشريعي بشكل مختلف يخدم مصالح مكونيه ومنسوبيه ويقلص صلاحيات مجلس الوزراء ويطلق رصاصة الرحمة على الثورة ليتفرق دمها بين المجالس..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق