ثقافة وفن

بناء الهوية في قصة “حزن مغربي …”

للقاصة المغربية سلوى ياسين

السعيد الخيز (كاتب روائي)

تضم المجموعة القصصية ” أنظر” للكاتبة المغربية سلوى ياسين مجموعة من القصص القصيرة المتفاوتة الطول. تنطلق من غلاف أخضر يتوسطه خرم الباب بلون أسود. ليكتسي النظر هنا لبوس التلصص من الخارج على الداخل أو العكس. حياة الداخل تتلصص على حياة الخارج. من بين قصص المجموعة نجد قصة “حزن مغربي” وهي الثانية في ترتيب القصص داخل المجموعة. كيف عبرت القصة عن هذا الهوى المرتبط بما هو محزن؟

> العنوان:

حزن مغربي جملة إسمية من مبتدأ محذوف تقديره هذا، وخبر مرفوع هو الحزن ونعت يصف هذا الحزن. وهو لا يصفه فقط بل يعطيه جنسية مغربية. أي أنه يحدد هويته. حزن ينتمي لبقعة جغرافية محددة أو يلتصق بشعب محدد هو الشعب المغربي.

فكيف يتم إدراك هذا الحزن؟

> البداية

تبدأ القصة بتموضع شخص مقابل شعور يصفه بالمر والمزمن، ويكون مرتع هذا الشعور هو جسده وبالضبط حنجرته التي علق بها. وهذا المعجم الذي يمتح من حاسة الذوق يعمق الشعور بالمرارة، التي تزداد كثافة مع الزمن، أي أنها جعلت منه شعورا مرا ومزمنا، يمتد إلى الماضي ويستمر في الحاضر. والامتداد في الماضي لا يعني الطفولة في حياة هذا الجسد بل إنه يعود إلى زمن سحيق، ولأن الجسد لا يحتمل هذا العمر فإن المتلفظ يغير ضمير المفرد بضمير الجمع، «بأننا فاقدو ديار قدماء» ثلاث كلمات إذن في بداية القصة لتجعل هذا الشعور يمتد في الزمن الماضي: مزمن، قدماء، أجداد أجدادنا…

إن وضعية الجسد الذي يتذوق شعورا بالمرارة المزمنة يحاول أن يدرك سبب هذا الشعور الغريب والمؤلم فالجسد وتمدده وتقلصه وكل الحركات الخارجية والداخلية التي يقوم بها ترتبط بالجانب الأكسيولوجي الذي يتأرجح بين المبهج والمحزن. فالجسد معرض للتجربة عن طريق الحسي. والحسي يقدم للجسد تجربة لاختبار وضعيات جديدة. أي أنه يقدم له إدراكا. لذلك بدأ الجسد المعني ينتج تفسيرات لهذا الحزن المتوارث. فبدأت الذاكرة تشتغل..

> اشتغال الذاكرة

يبدأ هذ الاشتغال من «حين تبعثر أجداد أجدادنا في كل مكان» ها هو الجسد يتحدث بضمير المتكلم الجمع ويبني لنفسه هوية عبر سلالة عائلية تعود لأجداد أجداد فقدوا وطنهم وتشتتوا في العالم. ويبدأ وصف هؤلاء الأجداد:

> فقدوا ديارهم

> أخذوا أشياء قليلة جدا

> قدموا من مكان بعيد

> يعيشون على التذكر

> فقدوا كونهم شعبا

> يحكون القصص لأحفادهم

هذه التوصيفات التي تصور الأجداد تفسر فعل الحكي الذي يمارسه المتلفظ في محاولة منه للاندماج داخل ال”نحن” التي تحكي منذ لعنة التشتت، اللعنة التي توحي بماضي الموريسكيين وسقوط الأندلس، فالقصة إذن جاءت استمرارا لفعل الحكي وبحثا عن إدراك معنى لهذا الحزن العميق. السبب الأول إذ سبب تاريخي. يجعل المتلفظ منخرطا في فعل الحكي الذي بدأه الأجداد. بحركة من الذاكرة إذن استطاع هذا الجسد بناء هوية لها محددات زمانية ومكانية ولها تاريخ ومواصفات عامة. ولكن أهم ما يميز هؤلاء هو الخوف. فكيف يستضمر هذا الجسد فكرة الخوف؟

> تعريف الخوف:

يتخذ الشعور المر المزمن تجليا لغويا يندرج تحت مسمى الخوف، فالمبعثرون في العالم يتملكهم الخوف رغم أن عددهم كبير لكنهم يتصرفون كأقلية حسب ما وصفهم به النص. ويعتبر أن هذا الخوف خوق أقليات غير مفهوم. لذلك ففي المقطع الموالي سيبدأ البحث عن تعريف للخوف.

«هذا الخوف في الحقيقة حزن، حزن لا يفسر في أي قاموس ولا أستطيع أن أجد له ترجمة جيدة ودقيقة» هي محاولة لتحديد معنى الحزن أو ذلك الشعور المزمن الذي ظهر في البداية، والذي وجد له جذورا تاريخية، ها هو يبحث عن معناه في القواميس وفي اللغة. ينتقل من شعور مر مزمن مبهم إلى شعور محدد باسم هو الخوف إلى شعور الحزن، وكأن التعريف الأول لا يصلح لإيصال الفكرة، يستعمل هذا المقطع معجما يمتح من المعاجم والقواميس والترجمة كأنه يبحث عن تعريف لغوي. وهنا تظهر الشخصية السارد لأول مرة وهي تخاطب شخصية أخرى هي جيسيكا، التي حدد هويتها على أنها أمريكية لأن الخطاب موجه لها: « لا يشبه حزن الأمريكيين أبدا»

وعليه فإن للحزن المغربي مواصفات:

> ليس حزنا واضحا

> وخزة مفاجئة

> غصة تصعد في وقت غير مناسب

> يسيح داخل الروح

> ينزلق من بين اليدين

> يحضر دون استدعاء

> لديه فزياؤه الخاصة

> عابر للتاريخ

> لا سبب واضح له

هذه المواصفات تمزج بين ما هو مادي ومعنوي، تربط بين داخل الجسد وخارجه، وهذا الحضور الحسي للجسد في الأحاسيس: وخزة، غصة… وفي الأعضاء: اليدين…  كلها دلالة على وجود جسد حضوري لجسد غائب أو يستحضر جسدا غائبا، بتعبير آخر جسد يبحث عن نفسه في ظل شرط تاريخي متأزم. يستعمل هذا الخطاب معجما يمتح من النفسي ليضخم الشعور بالألم ويجلب انتباه جيسيكا التي لها حزن أمريكي واضح.

> تمثيل الحزن المغربي:

ابتداء من «قد يأتي مثلا …» يبدأ سرد مجموعة من الصور التي تظهر شخصيات من المجتمع:

> شخص يعد نقودا لا تكفي

> الذاهبين إلى عملهم

> امرأة تصنع عقدا صغيرة

وهذه الصور تمثيلات للحزن الذي تحاول الشخصية أن تضع له تعريفا وهي لم تتمكن حتى الآن من ذلك، لأنها لا تنتمي لهؤلاء المقهورين البسطاء الذين يفهمون حزنهم ويربطونه باليومي والعادي والبسيط، «فرقة من الرجال والنساء يعزفون ويغنون» رغم أن مظهر الفرح هذا يوحي بعكس مبحث الحزن إلا أنها تبث إدراكها للحزن في كون العربة التي تقلهم توشك على الانقلاب بهم.

تبدأ ثنائية الحزن والسعادة تظهر في آخر القصة، وتقسم المجموعة إلى نصفين، نصف ينعم بسعادة غامرة حيث الغناء والعزف والأعراس والأغاني والأهازيج الرائعة ونصف يشعر بالحزن وتمثله الشخصية السارد. التي بقيت قيد الرغبة. وهذا ما يوضحه تقابل عربة البيكاب السريعة التي يركبها الآخرون وعربة تينيسي وليامز البطيئة التي يركبها السارد.

> الحزن إدراك

التعريف الذي يدور حوله النص من البداية إلى النهاية رغم كل المحاولات لتحديده بطرق مختلفة يعود إلى مسألة الإدراك، إدراك متأخر بأن الشخصية حزينة، إدراك متأخر بأن لها رغبة في أن تكون سعيدة، وهذا التقاطب بين السعادة والحزن يتمظهر على مستوى الجسد. سواء كان الجسد حقيقيا له أعضاء وإحساسات وذاكرة أو جسدا رمزيا يمثل جماعة معينة أو شعبا بعينه كالشعب المغربي كما جاء في العنوان.

وهذه التعاسة التي تعيشها الجماعة والتي تعكسها تعاسة الفرد وجسده تؤدي إلى ما يسمى بالتموقع ضد الخطاب، وهو تموقع ضد السائد سياسيا واجتماعيا وجماليا. حيث تصبح القصة وكل فقرة فيها احتجاجا لغويا ضد واقع تاريخي متأزم يراد تغييره ولكن التغيير يصطدم بسلطات قاهرة تمنعه، فيكون ما يسميه ميشيل فوكو الاستمرار التقليدي للأمر الواقع. 

> على سبيل الختم

إن إدراك العالم يتم عبر الجسد، الجسد الذي يختزل العديد من الرغبات والدوافع والذي يواجه الكثير من السلط من خارجه، وقصة حزن مغربي جسدت بقوة هذا الصراع بين الداخل الإنساني والواقع السياسي والاقتصادي المتسم بالتناقضات. إنها محاولة لتفسير الحزن العام الذي يخيم على الذوات، وتفسير التأخر في إدراك سبب تقهقرنا مقارنة مع باقي الأمم التي تعاصرنا، والمقارنة كانت مع أمريكا التي حضرت كآخر في نص يبحث عن هوية الأنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق