ثقافة وفن

متلازمة العروبة والإسلام عند ميشيل عفلق وحزب البعث (2)

محمد عابد الجابري

‎الدين قادر على ان يعود الى حقيقته اذا وجد افراداً مؤمنين يعيدون الى الدين صفاءه الأول. الدين شيء أساسي وسيرجع الى جوهره متغلباً على النقمة».

‎هذا من جهة، من جهة أخرى: «نحن لا نرضى عن الإلحاد ولا نشجع الإلحاد، ونعتبره موقفاً زائفاً في الحياة، اذ الحياة معناها الإيمان، ولكننا ننظر الى الإلحاد كظاهرة مرضية يجب ان تعرف أسبابها لتداوى» واسبابها هي الظلم والفساد الاجتماعي، ولذلك يستشهد الأستاذ ميشال عفلق بقول الرسول العربي «كاد الفقر أن يكون كفراً» ويرى ان معناه هو «ان الأوضاع الفاسدة تخرج الإنسان من دينه».

‎وهكذا، فعلى اساس هذا الفهم لمسألة الدين يؤكد فيلسوف البعث العربي «ان الدين تعبير صادق عن إنسانية الإنسان، وانه يمكن ان يتطور ويتبدل في أشكاله، وان يتقدم او يتأخر، لكنه لا يمكن ان يزول»، ولذلك نجده يؤكد أن «الدين في صميم القضية العربية والمواطن العربي الذي نعمل لتكوينه». لأنه، أعني الدين، يؤسس الماضي ويخص الحاضر والمستقبل معاً، كما سنرى.

‎هذا الموقف العام والإيجابي من الدين، الذي يرفض في آن واحد الإلحاد واستغلال الرجعية للدين، وينظر بالمقابل الى الدين بوصفه يقع في صميم القضية العربية، هذا الموقف المتعدد الأبعاد والمتكامل يكتسي معنى مشخصاً عندما يتحدث الأستاذ ميشال عن الإسلام ليس فقط كعقيدة، بل ايضاً كرسالة، كانقلاب وثورة. وهنا نلتقي مع نوع من فلسفة التاريخ العربي عند الأستاذ ميشال تميّز في هذا التاريخ بين حال الجاهلية وحال البعثة وصدر الإسلام ثم ما تلى ذلك من تراجع وانحطاط، لتربط ذلك كله بالإيمان الراسخ بإمكان، بل بوجوب البعث من جديد.

‎يقول: «لقد أفصح الدين في الماضي عن الرسالة العربية التي تقوم على مبادئ انسانية». لقد كانت الجاهلية تتميز بـ «طغيان المجموع» القبيلة) على الفرد، فالقيم تستمد من هذا المجموع والفرد متقيد بها. والجاهلية تمثل ايضاً تجاهلاً للقدر (رسالة المستقبل) كأنه لم يكن بينها وبينه اية صلة او اي تعارف واضح على الاقل. والجاهلي في شعره وتفكيره وسلوكه يعيش في عزلة المكان ووحشة الزمان، لا يتصل بالماضي ولا يتعرف إلى المستقبل او يتوقع منه شيئاً. في حياته نقطة مضيئة واحدة هي سلسلة الحاضر، انها مسرح نشاطه وبطولته ولا يمكن ان نتصور بطلاً جاهلياً من دون جمع يشاهد بطولته ويصفق له… ثم يظهر الإسلام فيحدث انقلاباً في حياة العرب وفي انفسهم. فالقيم لم تعد تستمد من المجموع كما ان الفرد ليس هو الذي يفرضها، انها تصدر من مكان هو فوق المجموع والفرد معاً، وفي هذا ضمان لحرية الفرد وانسجامه مع المجموع في آن واحد. اما صدر الإسلام فإنه من ناحية أخرى يمثل اتحاد النفس العربية مع القدر بعد أن كانت متجاهلة له فتصبح إرادة القدر هي ارادتها بعد عزلة المكان ووحشة الزمان، ويصبح العالم كله، لا بل الكون كله وكل ما هو منظور وغير منظور مسرحاً لنشاطه ولتطبيق هده القيم الجديدة التي ظهرت في الحياة العربية».

‎وهكذا «فالحاضر الذي كان النقطة الوحيدة التي يتمسك بها الجاهلي وينقذ بها نفسه من النسيان والعدم أصبحت في نظر العربي الجديد المسلم هي القيمة المظلمة وحدها، وكل ما عداها مضيء لأنها هي مكان التجربة والامتحان والهوة السحيقة التي لا تجتاز الا على جسر من الجهاد والتقوى».

‎غير أن «هذه الفترة التي انتقل فيها العربي من الجاهلية الى الإسلام، من حياة سجينة في قيم المجموع وتقاليده الى حياة تتحقق فيها الحرية الفردية والمساواة بين الأفراد كانت قصيرة جداً لم يلبث العرب بعدها ان غرقوا في بحر لا نهاية له من الشعوب الغريبة المختلفة. ومنذ أن فقدوا، بعد سنوات معدودة، شعورهم بوحدتهم القومية وغرقوا في تلك اللجة المتباينة المتماوجة من الشعوب عادوا الى عصبيتهم الجاهلية والى صراع القبائل وتنافسها… ولقد تلت هذا عصور الضعف وتبدأ منذ ان فقد العرب هذا التجانس القومي».

‎غير أن «هذه الفترة التي انتقل فيها العربي من الجاهلية الى الإسلام، من حياة سجينة في قيم المجموع وتقاليده الى حياة تتحقق فيها الحرية الفردية والمساواة بين الأفراد كانت قصيرة جداً لم يلبث العرب بعدها ان غرقوا في بحر لا نهاية له من الشعوب الغريبة المختلفة. ومنذ أن فقدوا، بعد سنوات معدودة، شعورهم بوحدتهم القومية وغرقوا في تلك اللجة المتباينة المتماوجة من الشعوب عادوا الى عصبيتهم الجاهلية والى صراع القبائل وتنافسها… ولقد تلت هذا عصور الضعف وتبدأ منذ ان فقد العرب هذا التجانس القومي».

‎ويستخلص الأستاذ ميشال من هذا العرض الفلسفي لتاريخ العرب النتيجة الآتية يقول: «وفي حياتنا القومية حادث خطير هو حادث ظهور الإسلام، حادث قومي وإنساني وعالمي فيه عظة بالغة، فيه تجربة هائلة»، لا بل نموذج يجب ان يستلهم ويحتذى: «ان الإسلام عند ظهوره هو حركة ثورية ثائرة على أشياء كانت موجودة: معتقدات وتقاليد… ومصالح». لقد كان حركة «نادى بها فرد واحد في البدء وآمن بدعوته أفراد قلائل، واحداً بعد الآخر، وأفراد أكثرهم ضعفاء بالنسبة الى مجتمعهم وانهم جاهروا بهذه الدعوة وتحملوا الأذى والضعف».

‎وينتقل الأستاذ بهذا النموذج من الماضي الى الحاضر فيتساءل: «فلو تخيلنا ان المسلمين الأولين الذين عرفوا النضال من اجل المبدأ وذاقوا كل مرارته واجتازوا امتحانه ودفعوا ضريبته، هذه الفئة او بعض أفرادها لو جاؤوا اليوم وهبطوا على حياتنا العربية الحاضرة، اي وسط يستطيبونه ويهدأون اليه ويشعرون اليه بالقرابة؟ هل هو وسط الظلم الاجتماعي، وسط الأغنياء والوجهاء والمستثمرين للشعب؟». ويجيب «أنا اعتقد أن المسلمين الأولين لو رجعوا اليوم لما استطابوا العيش الا في القرى المظلمة البائسة مع المظلومين والمستعبدين، إلا في السجون مع المناضلين، فأصحاب دعوة الحق هم دائماً الى جانب الحق».

‎واذاً، فظهور الإسلام وتجربة المسلمين الأوائل لم يكونا، في نظر فيلسوف البعث العربي، مجرد حادث تاريخي مضى، بل انه يرى فيهما مرجعية للثوري العربي المعاصر، لا بل مرجعية للثوري العربي في أي زمان ومكان. ذلك ما عبر عنه بجلاء في محاضرته الشهيرة في مناسبة «ذكرى الرسول» حيث قال: «ان حركة الإسلام المتمثلة في حياة الرسول الكريم ليست بالنسبة للعرب حادثاً تاريخياً فحسب، تفسر بالزمان والمكان وبالأسباب والنتائج، بل انها لعمقها وعنفها واتساعها ترتبط ارتباطاً مباشراً بحياة العرب المطلقة، أي انها صورة صادقة ورمز كامل خالد لطبيعة النفس العربية وممكناتها الغنية واتجاهها الأصيل، فيصح لذلك اعتبارها ممكنة التجدد دوماً في روحها، لا في شكلها وحروفها فالإسلام هو الهزة الحيوية التي تحرك كامن القوى في الأمة العربية فتجيش بالحياة الحارة، جارفة سدود التقليد وقيود الاصطلاح، مرجعة اتصالها مرة جديدة بمعاني الكون العميقة، ويأخذها العجب والحماسة فتنشئ تعبر عن إعجابها وحماستها بألفاظ جديدة واعمال مجيدة… فالعرب عرفوا بواسطة هذه التجربة الأخلاقية العصيبة كيف يتمردون على واقعهم وينقمون على أنفسهم في سبيل تجاوزها الى مرحلة يحققون بها وحدة عليا… وكل ما أثمر الإسلام فيها فيما بعد من فتوح وحضارات، انما كان في حالة البذور في السنوات العشرين الأولى من البعثة. فقبل ان يفتح العرب الأرض فتحوا أنفسهم.

‎هذه التجربة ليست حادثاً تاريخياً يذكر للعبرة والفخر، بل هي استعداد دائم في الأمة العربية – اذا فهم الإسلام على حقيقته – لكي تهب في كل وقت تسيطر فيه المادة على الروح والمظهر على الجوهر».

‎ويواصل الأستاذ ميشال تحليله قائلاً: «حتى الآن كان ينظر الى حياة الرسول من الخارج، كصورة رائعة وجدت لنعجب بها ونقدسها، فعلينا ان نبدأ بالنظر إليها من الداخل لنحياها… كل عربي في الوقت الحاضر يستطيع ان يحيا حياة الرسول العربي ولو بنسبة الحصاة الى الجبل والقطرة الى البحر… في وقت مضى تلخصت في رجل واحد أمته كلها، واليوم يجب ان تصبح كل حياة هذه الأمة في نهضتها الجديدة تفصيلاً لحياة رجلها العظيم… كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً”واضح، ان فكراً يقدر الدين حقه، سواء على صعيد الحياة الروحية للأفراد ام على صعيد الحياة الاجتماعية، فكر يرى في الإسلام بعثاً عربياً ورسالة عربية الى العرب أنفسهم أولاً ثم الى العالم، لا يمكن ان تصور العروبة والقومية تصوراً يغيب فيه الإسلام. كلا، ان العروبة في نظر الأستاذ ميشال هي من دون الإسلام مفهوم سلبي ومن دونه تبقى القومية العربية قالباً أجوف فارغاً. انه لا يفهم العروبة ولا القومية على انهما مجرد قضيتين من قضايا الحاضر وحسب، بل ينظر إليهما في امتدادهما التاريخي: فالعروبة وعاء يملأه التراث القومي الذي يشكل فيه البعث المحمدي المرجعية والمنطلق. وهذا ما يميز القومية لدى العرب عن القومية لدى الأوروبيين، وهذا ما يجعل أوروبا تخاف من الإسلام، لأن الفهم الصحيح للإسلام، الفهم القومي له يجعله القوة المحركة للعرب من اجل التحرر والانعتاق. يقول فيلسوف البعث العربي: «ان أوروبا اليوم، كما كانت في الماضي، تخاف على نفسها من الإسلام، ولكنها تعلم الآن ان قوة الإسلام (التي كانت في الماضي معبرة عن قوة العرب) قد بعثت وظهرت بمظهر جديد هو القومية العربية».

‎وانطلاقاً من هذا الفهم الأصيل للقومية العربية بوصفها التعبير المعاصر عن ثورة الإسلام يميز الأستاذ ميشال بين الفكرة القومية في الغرب والفكرة القومية العربية فيرى ان القومية في الغرب عندما قررت الانفصال عن الدين كانت محقة ومنطقية لأن الدين «دخل على أوروبا من الخارج فهو أجنبي عن طبيعتها وتاريخها، وهو خلاصة العقيدة الأخروية والأخلاق، لم ينزل بلغاتهم القومية ولا افصح عن حاجات بيئتهم ولا امتزج بتاريخهم». اما بالنسبة للفكرة القومية العربية فالأمر يختلف: ذلك «ان الإسلام بالنسبة للعرب ليس عقيدة أخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني ونظرتهم الى الحياة وأقوى تعبير عن وحدة شخصيتهم التي يندمج فيها اللفظ بالشعور والفكر، والتأمل بالعمل، والنفس بالقدر، وهو فوق ذلك كله أروع صورة للغتهم وآدابهم وأضخم قطعة من تاريخهم القومي، فلا نستطيع ان نتغنى ببطل من أبطالنا الخالدين بصفته عربياً ونهمله او ننفر منه بصفته مسلماً».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق