ثقافة وفن

الإنسانة “إشراقة ” … في زمن الغربة والارتحال

بدر الدين العتاق

مدخل :

[ أنا بنت المعاناة والجراحات العميقة ، بنت الفجر والنساء المكافحات ، أمهاتي بائعات الكسرة بالسوق الصغير في ” كوستي ” ، التي صنعتني من طين وحزن وإرادة ، وجعلتني أحلم وأعمل لأجل حلمي بأن أقف يوماً أمام هؤلاء الطلبة النمساويين كمحاضرة أدرسهم من تجاربنا ، من تاريخ شموسنا وعصارة أناشيدي ، وها قد كان ] ص : 64

تقديم :

لا أضيف كثيراً في هذا البحث مما قدمه الأساتذة الأجلاء : نجيب نور الدين ، خميس بن راشد العدوي ، ساريتا جينماتي ، جعفر العقيلي ، من تقدمة للأستاذة الدكتورة / إشراقة مصطفى حامد ، فقد لخصَّوا الكتاب تقديماً وتعريفاً بما يغني عن إعادة ما ساقوه بين دفتي الكتاب ، لكن ما استوقفني فيه بعض الملاحظات التي وددت مشاركتها لإستئهال الكاتبة ما كتبت : ‭{‬ الدانوب يعرفني .. الوجه الآخر لسيرة الأنهار‭}‬ ، والذي تمت كتابته سنة : 2016 م ، وطباعته سنة : 2017 م ، من أن أدوِّن ملاحظاتي حيث جرى القلم .

مذاكرة النص :

دعني أقرر وأكرر : إنَّ هذا الكتاب لا يندرج تحت مسمَّى الرواية او القصة القصيرة أو العمل الفني لكليهما ، وسيأتي توضيح ذلك لاحقاً ، بقدر ما يدخل حاق التجربة الشخصية على غِرار نمط نيط به فكرة النَّفَس الأدبي ، ويبعد كثيراً حين يحاول أن يقترب من النَّفس الروائي ، أيضاً بقدر ما يمكن تسميته بكتاب مرجعي يفيد منه من عاش تجربة الكاتبة على الصعيد الشخصي في طريق الحياة المعاشة من خوض غِمار تجربتي اللجوء السياسي أو الهجرة العادية – الهجرة الشرعية / الغير شرعية – إذ كان سبب كتابة هذا الكتاب هي تلك التجربة الشخصية للكاتبة حينما منحتها محنة الصبر الحصول على منحة دراسية لجامعات النمسا الكبرى ، ومن هنا يخلط الناقد والقارئ والمتابع ما بين فهمهم لمحاولة معالجة نص روائي في قالب شخصي [ يحتوي الكتاب على أكثر من 80 % من الحقائق و 20 % من لغة الخيال تقريباً ] أو قالب شخصي في صورة رواية ، ويضطرب التعريف عند تصنيف الكتاب عنهم جميعاً ما بين العمل الروائي وما بين القصة القصيرة وما بين العمل الفني الأدبي وما بين المرجعية الذاتية للتجارب الشخصية العلمية والعملية ، لذا قدَّم من قدَّم لها وله بتلك التقدمات التي عنها الكتاب والكاتبة برئ ، إذ هو – في تقديري الشخصي – لا يتعدى المذكرات والمذاكرات الشخصية في صياغة تلك المسميات .

أيضاً ! لا يحتمل المصنَّف تسميته بأدب السيرة الذاتية أو أدب الرحلات كالتي كتبها الأستاذ / أنيس منصور في كتابه : ” حول العالم في 200 يوم – طبعة سنة : 1963 م – ” ولا ككتاب الدكتور / عبد الله الطيب : ” من حقيبة الذكريات – طبعة سنة : 1983 م / 1994 م – ” أو ” من نافذة القطار – طبعة سنة : 1963 م / 1993 م / 2005 م – ” أو ” ذكرى صديقين – طبعة سنة : 1986 م / 1987 م – ” ، أو كتاب الدكتور / طه حسين ” الأيَّام / ثلاثة أجزاء – طبعة سنة : 1929 م – ” ، وفي ذات السياق العام للكتاب هو محاولة للإستفادة من وضع الكاتبة في بلاد المهجر لمعالجة أوضاع اللاجئين والمهاجرين من دول العالم الثالث ” أفريقيا ” ‭{‬ بلاد تموت من الحر فيلانها ‭}‬ بالتحديد وبعض دول العالم الثاني من القارة العجوز آسيا ، إلى بلاد أوروبا ‭{‬ بلاد تموت من البرد حيتانها ‭}‬ وتأتَّى لها ذلك من خلال عملها في المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية لذات القطاع المهضومة حقوقه الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والحريات الشخصية وخلافه ، فموضوعية النص ذي الـــــــ80 % من الواقعية هذا الذي جعلني أصنِّفه ذلك التصنيف ولا غلو ولا غرو .

تلخيص المذاكرة :

يمكن تلخيص الكتاب [ 203 صفحة من القطع المتوسط ، طبع بمطبعة ” الآن للنشر والتوزيع بالأردن ” 2017 م ] ، على النحو أدناه :

· تماسك النص من ناحية اللغة العربية ، فهي جيدة وسليمة وأقرب للغة البدو الأعاريب القديمة أو التي نستخدمها في لغة البحوث العلمية [ النص المكتوب عبارة عن بحث علمي في قالب روائي أو عمل فني أدخلت علية محورية التجربة الشخصية العلمية والعملية فجاء متكيفاً مع اللغة حتى الترجمة للسيدة الفضلى / ساريتا جينماتي ، – هندية الجنسية – فقد جاءت سليمة بلا شك ] ، وليست كالتي قال بها الأستاذ / أسامه شيخ إدريس ، في روايته ” سمبا ” ، فتلك ركيكة أو أقرب إلى اللغة العادية عند بادية بني شنقول أو مزروب المجانين ، والتي عصفت بعمله الفني بعيداً عن الموضوعية والهدف ، فالتراجع في موضعها إن شاء الله .

· التركيب الإنشائي للجمل والوصف الزمكاني ، ليس به تعقيدات تذكر أو تطويلات تضعف النص أو إسفاف مخل ، بل معقول ومقنع للقارئ جداً للحد الذي يعكس الصورة المرادة من فكرة التداعي السردي للمتلقي ، قالت ص 35 : [ الحجرة كانت في الطابق الأرضي ، وتفتح نافذتي على حديقة كبيرة جداً ، تتناثر عليها أشجار عارية ، أمام النافذة ” شهقت شجرة ” في عنان السماء الملبدة بالضباب ، شجرة التنوب الخضراء ‭{‬ تذكرت هنا قرية تنوب 46 إحدى قرى الجزيرة والميجر الكبير المتفرع منه الكنارات والترع وأب عشرين وأب ستة لسقاية الحواشات والبلدات الزراعية وهي من أجمل قرى الجزيرة ، وتلقاك أول ما تلقاك وأنت داخل على القرية تلك الشجرة الضخمة العظيمة الظليلة – شجرة التنوب – ومنها سميت المنطقة أغلب الظن بإسمها تنوب 46 وأخذت فيها قسطاً من الرحة مجزي ‭}‬ اليانعة فهي من نوع الأشجار التي لا تتأثر بالفصول وتقف صامدة مهما تغيرت المواسم ، شجرة الميلاد صديقتي الأولى في النمسا ] ، وبهذه المناسبة : مما يثبت صحة ما ذهبت إليه من التصنيف أعلاه فإنَّ الكاتبة جاءت بخاتمتها وهي تذكر هذه الشجرة مما يذهب بالواقعية العالية في الكتاب .

· ليس ممتعاً ولا مفيداً تكرار الكثرة الكثيرة لــكلمة : ” الشجر والشجرة ” ولا أدري لماذا أكثرت من ذكرها مما تشعر القارئ بالملل ، قالت ص : 42 : [ أخرج لليأس كل أشجار إرادتي ] ، كذلك ص : 67 – 71 – 82 – 106 … إلخ .

· إضفاء روح المغامرة والتحدي والإرادة والعزيمة وهزيمة المستحيل بفن الممكن ، لهي قيم عليا تعليمية يشترك فيها كثير من الناس ويحتاجها أكثرهم لمغالبة قسوة الحياة ومشاقها ونكدها وكندها وجحودها ، خصوصاً أهل القارة السمراء وبالتحديد بلاد النيلين من سوداننا اليتيم .

كما تذكرني هذه القيم والمواقف الكبيرة للإنسان الكبير ذي العزيمة السمحة والصدر الرحب برواية : قصة مدينتين و أوليفر تويست لـــــــ تشارلز ديكنز ‭{‬ من أشهر آثاره: “أوليفر تويست” Oliver Twist (عام 1839) و”قصة مدينتين” A Tale of Two Cities (عام 1859) نقلهما إلى العربية منير البعلبكي، و”دايفيد كوبرفيلد ” David Copperfield (عام 1850) و” أوقات عصيبة”Hard times.

وهو (عضو الجمعية الملكية للفنونCharles John Huffam Dickens) روائي إنجليزي من أكثر كُتاب العصر جودة ‭}‬ ، وجين أير للكاتبة / شارلوت برونتي ‭{‬ جين أير رواية إنجليزية للكاتبة تشارلوت برونتي، نُشرت بتاريخ 16 أكتوبر 1847 في العاصمة البريطانية لندن ‭}‬ ، وأليس في بلاد العجائب لــــ لويس كارول ( 1865 م ) وأحدب نوتردام للكاتب الكبير / فيكتور هوجو ‭{‬  16 مارس 1831 م ‭}‬ ، وبعيدة جداً من رواية : عرس الزين ، للأديب العالمي / الطيب صالح ‭{‬ عام 1969، وتعتبر كتاباً كلاسيكياً في الأدب العربي ‭}‬ ، رحمه الله .

· تكررت كلمة : [ اصطك ] كثيراً جداً في الرواية مما يشي بقول نابغة بني ذُبيان :

أتاني أبيت اللعن انَّك لمتني   وتلك التي تستك منها المسامع

مما توحي بالرتابة والمجاجة قالت ص 63 : [ لأنَّ قدمي اليسرى تصطك ” تستك ” من البرد عكس قدمي اليمنى ] ، مما يُنبه له هنا بالملاحظة لكتابات قادمة .

· [ في مرة تركت العمل عند أسرة نمساوية بعد ثلاثة أيَّام فقط ، وذلك لسبب واحد فقط هو : إنهم أصروا أن أتجول مع كلبهم الضخم حتى يتخلص من فضلاته ] ، ص : 64 ، أيضاً تذكرت بهذه المناسبة رواية الأستاذ الجميل / عبد العزيز بركه ساكن ، ” الرجل الخراب ” فمهنة الشخصية المحورية كانت ” مخرَّياً للكلاب ” ، وأبدع فيها أيما إبداع حين جاء بالصفة الملازمة للوظيفة / درويش / ، قالت : [ سألتها إن كان لها أطفال ؟ قالت فراو كليمت : إنَّ لها قطة وكلباً ] ص : 88 .

· ( حاملة ورد الخزامى ) ، لهو فصل يعج عجيجاً بالتداعيات والإنشاء والسرد الجيد الذي في إطار الذاكرة أو قل : إطار النمطية – سوسيولوجيا – السرد ، رغم أنني لم أفهم المراد من هذا الفصل .

· القفزات العقلية أو ما توحيه الذاكرة من تداعيات أو قل : محاولة جعل التشويق والإثارة والفلاش باك والحركة الذهنية وكسر الرتابة داخل النص للتنويع والمزج ما بين لغة الخيال ككاتب وما بين النمطية الفكرية ذات الإتجاه العلمي هي ديدن القارئ ، إلا أنَّها لم توفق في ذلك ومنعها من حيث الغرض ، لأنَّ الواقعية التي تتعامل بها الكاتبة في حياتها العلمية والعملية والشهادت ذات المساقات العلمية والأكاديمية أثرت بشكل كبير وواضح للغاية في المنتوج الكتابي / الدانوب يعرفني / مما يؤكد تقريرنا أعلاه ، وليس هذا بعائب ولكنه يمنعها – حسب تقديري الشخصي – من تصنيف الكتاب كرواية أدبية قائمة بذاتها .

· [ ويوسف أخي بالرضاعة ] ص : 74 ، نفس الملامح والشبه في رواية ” سمبا ” لــــ / أسامه شيخ إدريس قال : [ محمد أول ومحمد ثاني / أخوان حسن منصور ، الشخصية المحورية / بالرضاعة من سمبا ] وهذا التشابه نتاجه البيئة السودانوية الواحدة بإتساع الرقعة الجغرافية والتاريخية والديموغرافية لإنسان السودان ، وتختلف في الأسلوب فقط ، وعندي أنَّ القاص الكبير الجميل / صديق الحلو ، لهو قد نفد من التشابه والتكرار في قصصه القصيرة ” رهاب الحكايات ” ، إذ استعمل الحلو أسلوب الرمزية بموضوعية وفلتة جيدة و لفتة جميلة في باب كتابة الرواية أو القصة ذات البعد الفكري الواضح والمغلفة في ذات الوقت بالرمزية ، حين تنافس المتنافسون حول هذه الإجادة للحلو .

· [ عودة الراحلين من منى ] ، هذا الفصل جيد ، ولا يكاد يشعرك بعدم التناسق بين الفقرات / قفزات التداعيات ولغة الخيال / ولا بين الفصول أو المؤلَّف جميعه كــــــــــــما قرأتـــــــــها في روايـة : ” آماليا ” للكاتبة / مناهل فتحي ، فتلك مضطربة اضطراباً مخلاً بالفكرة ووحدة الموضوع ، و ” الدانوب يعرفني ” لا تجد فيه الخروج من روح وحدة الموضوع بتنوع الأفكار إثر التداعيات والخطرات وما علق في العقل الباطن من تجربات ومواقف ، فلا يربك القارئ ولا يشتت ذهنه ، ويمكنك بسهولة الربط بين القفزات أو المشاهد القديمة لعين المواقف المتجددة ، فتتداعي الأكَلَة الفكرية على قصعة التأليف نتج عنها أدباً مفرداً جيداً أو رديئاً ، وهذا الذوق والتذوق ومتعة المتابعة للنص حكمها القارئ لا المؤلف ، قالت ص 78 : [ ثم أهدتني الإختصاصية أوراقاً كثيرة وأقلاماً ملونةً وألواناً مائية ولؤلؤة سوداء ” أكتبي .. لماذا لا تكتبين عن هذه التجربة ؟ أكتبي كل الهواجس والتأملات التي خطرت على بالك في هذه الأيَّام العصيبة والقاسية ” ] .

· لا يخلو الكتاب من طرح أسئلة للفلسفة الوجودية كما طرحها سارتر وبول فاليري وجيني وجوته وايكهارت تول ‭{‬ كتابه : ” قوة الآن ” طبعة سنة : 1997 م ، ألماني الجنسية مقيم بكندا ، عدد30.000.000 نسخة ‭}‬ ومصطفى محمود وبدر الدين العتاق وغيرهم ، والتي على شاكلة سر الحياة الموت والميتافيزيقية مما يفعم الفكر بالتأمل ويحفزه على القراءة النشيطة الرشيقة ، ولو علم الجميع سر الحرف المهجَّأ في أول سورة الجاثية ” حم ” لفكوا طلسمة الفلسفة الوجودية ، ففي حرف ” ح ” من الآية سر الحياة ، وفي حرف ” م ” من الآية ” حم ” سر الموت ، بل الأول يشير إلى الحياة والثاني يشير إلى الموت مباشرة ، أرأيت كيف يقود الفكر العقل والخيال معاً في الدانوب يعرفني ؟ .

· فصل : [ ذات العينين الزرقاويين وذاكرة العنقريب ] ، لهو استجرار الثقافة الموروثة الفلكلورية أو قل : العادات الموغلة في المحلية والتي وفدت إلينا من بلاد العرب لمن أراد أن يثبت هُوية السودان من هذا الجانب وهي أدوات البيت السوداني من أثاث ومتاع [ (عنقريب (الجمع: عَنَاقِرِيب ) وهي كلمة من اللهجة السودانية تعنى سرير مصنوع من خشب أشجار السنط ومنسوج بطريقة فنية بالحبال وأصبحت تنسج بالبلاستيك والنايلون حاليًا ، وتكثر صناعته في الولاية الشمالية ويوجد غالباً في بناء تقليدي سوداني يسمى الراكوبة وله قيمة تراثية كبيرة فالليلة التي تسبق طقوس الزواج والمعروفة بـــــ ( ليلة الحنة ) ويخضب فيها العروسين ( كل على حدة ) يستخدم العنقريب ليجلس عليه العريس. وكارتباطه بالفرح يدخل في الحزن أيضا فجثمان الميت تحمل على العنقريب. وهو من رموز الثقافة السودانية.

لذلك بالرغم من ظهور الأسِرَّة الحديثة من مختلف المعادن تكاد لا تجد بيتاً سودانياً واحداً يخلو من العناقريب ( صيغة الجمع ) أو واحداً منها على الأقل تحسباً لأي طارئ .

أما البنبر فهو مقعد صغير يشبه العنقريب في كل شيء، إلا أنه يتسع فقط لشخص واحد. ] ، وهو ما تعرضت له الكاتبة بكثير من الشجن والحزن والحنين والوفاء والإرث الموروث بكل ما تحمل الكلمة من تعريف ثقافي شعبي أو محلي أو ما تتسم به العادات السودانية من أصالة وعراقة وثقافة ، دعني استدر الذاكرة من أستاذنا المرحوم / عبد الله الطيب ، عندما كتب مقدِّمة ديوان الشاعر / صلاح أحمد إبراهيم ، ” نحن والردى ” ط / 1994 م ، تقريباً قال يصف العنقريب : ‭{‬ وما أرى أن صلاحاً قصد إليه ولكن سار على المألوف من عبارات أهل العصر مسايرين لعبارات الإفرنج في هذا المجال ، وبين يدىَّ عشرات من دواوين أهل العصر تَرِدْ فيها عبارة حمل الصليب كما ترد عبارة ” كودتا” في اللغة الإنجليزية و”ويكند” في اللغة الفرنسية وهذا تقريب للفكرة على بعدها.

مصدر مهم من مصادر الإشارة والمجاز في بيان صلاح رحمه الله هو عادات أهل بلدنا وتقاليدهم. وهذا واضح في القصيدة التى أعجبت صديقه على المك رحمه الله. وبعض هذه القصيدة ينظر نظراً شديداً إلى منظومات الموت التى ينشدها المُدَّاح مثل:

زايلة الدنيا دى الما بِدْوُمْ لى خيرا

ولَّت وأدْبَرت وبِقَتْ عصيرا

ويذكروننا أن مصير الإنسان إلى حفرةٍ عرضها شبر.

ما الذى أقسى من الموت؟

فهذا قد كشفنا سرَّهُ وخبرنا مُرّهُ

ما جزعنا إن تشهَانا ولم يرض الرحيل

( أحسبها ولم نرض لا ولم يرض بالنون لا بالياء كما في النص المطبوع (

فله فينا اغتباق واصطباح ومقيل

آخر العمر قصيراً أم طويلْ

كفنٌ من طرفِ السوق وشِـبْرٌ في المقابر

هذا موضع استشهادنا على الأخذ من تقاليد البلد وعاداته. ولنا في الدفن أسلوب بعضه مأخوذ من السنة التى كان عليها عمل أهل المدينة وبها دفن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبعضه مأخوذ من عادات وطننا القديم في أيام ما قبل الميلاد حسب تاريخ علماء الآثار إلى عصر طويل بعده ـ من ذلك الحمل على العنقريب والتغطية بالسُّرَّتى. وأول من دُفِنَ على عنقريب ( نعش ) من أهل الإسلام سيدتنا أم المؤمنين زينب بنت جحش. أشارت بحملها عليه سيدتنا أُم المؤمنين أم سلمة رضى الله عنها قالت رأت النعش بأرض الحبشة التي هاجر إليها الصحابة سيدنا جعفر وسيدنا عثمان ومن معهم هي هذه البلاد لا بلاد أكسوم وقندار لأنهم لا يحملون الميت على العنقريب.‭}‬ ، ص : 91 قالت : [ ذاكرتي مشحونة بروائح العنقريب المسنود إلى مدخل تلك القطية ] .

· فكرة   العنصرية [ الفصل : لوني في مواجهة العنصرية ] والفصول التي بعده حتى نهاية   الكتاب ، لهي فكرة قائمة بذاتها طُرحت كقضية عصرية ومتجذرة في آنٍ واحد وما زالت   إفريقيا وشعوبها بالتحديد تعاني من ويلات تلك العنصرية في بلاد العم سام أو بلاد   آسيا العجوز ، وهي قضية إنسانية بحتة عالجتها الكاتبة على المستوى العلمي   والعملي الشخصي وودت لو أنَّها كانت تحمل الطابع الروائي في عملها الفني أو تدور   حولها فكرة الكتاب مستقلاً عن اضطراب التصنيف أعلاه لكانت أجود عمل فني في هذا   العصر الذي نعيشه ، ورغم ذلك ، وفقت الكاتبة في إبراز الجانب السالب المضني الذي   تعيشه الأقليات الأفريقية في أوروبا وأميركا وأستراليا وكندا ، اللاجئون هناك ،   وقد طرحته في مؤتمر جنوب أفريقيا لمكافحة العنصرية في أغسطس / سبتمبر 2001 م ، [   إشراقة مصطفى حامد كاتبة   ومترجمة وأستاذة جامعية وشاعرة سودانية، تقيم في النمسا منذ التسعينيات  وتعد من   الناشطات في مجال حقوق المرأة وخاصة   المرأة السوداء في بلاد المهجر، عضو ومؤسسة للعديد من المنظمات التي تهتم   بالمهاجرات الأفريقيات في أوروبا. حائزة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية   من جامعة فيينا عام 2006. ممثلة   الأدب العربي بالقلم النمساوي بدءاً من سبتمبر 2015. وهي   من المدافعات عن قضية نورا حسين. وتتحدث   اللغات؛ العربية، الإنجليزية والألمانية وتكتب   بالعربية والألمانية. الكتب: أنثى الأنهار: من سيرة الجرح والملح والعزيمة، فيينا: نخلة الحنين والكتابة، ‏سيمفونية الربع الخالي] .

وقدَّمت ورقة علمية في معهد رينا للعلوم السياسية الدولية في فينا ( ص : 111 ) ونجحت على المستوى الجماعي والدولي في تصحيح المفهوم المغلوط والمقصود من بعض الدوائر السياسية للكيد والكيل والنيل من إنسان إفريقيا بإعتباره متوحشاً وجاهلاً ولا يستحق الحياة وإنما ولد ليكون خادماً للإنسان الأبيض وليس أقرب لذاكرة الناس من روزا باركس الأميركية السوداء ذات الأصول الإفريقية وكونتا كنتي والتي طرحها / أليكس هيلي في مسلسل تلفزيوني يحمل إسم ” الجذور ” ‭{‬ روزا لويس باركس (بالإنجليزية : Rosa Louise Parks) والتي ولدت تحت اسم روزا لويس ماكولي (بالإنجليزية: Rosa Louise McCouley”) عاشت بين 4 فبراير 1913-24 أكتوبر(  2005) كانت ناشطة من أصول إفريقية أمريكية، طالبت بالحقوق المدنية للأمريكان الأفارقة.

في 1/12/1955م، في مونتغمري في ألاباما، رفضت باركس طلب سائق الحافلة جيمس بليك بالتّخلي عن مقعدها في “القسم الملوّن” إلى راكب أبيض البشرة، بعد امتلاء القسم الخاص بالركّاب من أصحاب البشرة البيضاء؛ لم تكن بارك أول من حارب العنصرية، إلا أنها كانت تلقى اهتماماً كبيراً من قبل العالم بعد اعتقالها بسبب مقاومتها وعصيانها لقوانين الفصل في ألاباما.

أصبحت باركس رمزاً هاماً من رموز حركة الحقوق المدنية، ورمزاً دوليّاً لمقاومة الفصل العنصريّ.

هذا! ففصول العنصرية في السفر الكبير لهو يفرض عليك استدرار الذاكرة واجترار المعاناة والألم والظلم والقهر والديكتاتوريات والعالم الثالث، أليست هي القائلة : ‭{‬أنا بنت المعاناة والجراحات العميقة ، بنت الفجر والنساء المكافحات ، أمهاتي بائعات الكسرة بالسوق الصغير في ” كوستي ” ، التي صنعتني من طين وحزن وإرادة ، وجعلتني أحلم وأعمل لأجل حلمي بأن أقف يوماً أمام هؤلاء الطلبة النمساويين كمحاضرة أدرسهم من تجاربنا ، من تاريخ شموسنا وعصارة أناشيدي ، وها قد كان ‭}‬ ؟ .

خروج من المذاكرة :

أستاذة / إشراقه مصطفى حامد ، أنت إنسانة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، ولا أبالي بأي صفة تحملينها ، إذ جاءت صفتك في أقدس الكتب أنت والإنسانية أينما كانت : ‭{‬ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ‭}‬ سورة الإسراء ، وبعد ذلك أنت جميلة ، الجمال الإنساني ومدعاة الوجود الذي يحمل القيمة الأخلاقية للإنسانية الكبيرة وهو جمال الفكر والروح .

أهنئك على جهدك القيم لما قدمتيه لنا نحن الناس الأفارقة حيثما كنا وأينما حللنا في بلاد العم سام أو في القارة العجوز ، ولك أن تسمحي لي بتهنئتك على معرفة الدانوب بإنسان القارة السمراء على طريقى الخاص :

أي صوت زار بالأمس خيالي

طاف بالقلب وغنى للكمال

وأذاع الطهر في دنيا الجمال

وأشاع النور في سود الليالي

إنه صوتي أنا..

زاده العلم سنا..

من يدانيني أنا

إبنة النور أنا..

أو تدري من أنا؟

أنا أم الغد أسباب الهناء..

أنا من دنياكمو أحلى المنى

كل حب في الورى رجع حناني..

كل نبع دافق بالحب داني

من ينابيع يغذيها كياني

أنا نصف قد حوى كل المعاني

من يدانيني أنا

زادني العلم سنا

فلنحقق كلنا.. ما نرجّي من منى..

نحو سودان جديد..

نعم هذا الصوت قد زار خيالي

بجمال دونه حسن اللآلئ

فهو للمجد نداء واستجابة

جفوة الظلمة للنور مآبا

يا شباب الغد أسمعني جوابا

يقتنيه الجيل في الدنيا كتابا

إن عزمي من فتاتي مستمد.. فهي ذاتي

مرآة لصفاتي..

كل خير في حياتي.. لك آت..

فاطمئني يا فتاتي..

كل ما فات يرتجى..

قد سئمنا من الزلل

فلنعد ولتعد لنا فرحة العيد والأمل

فلنعد ولتعد بنا سنة الله في الأزل

سوف نرقى سلم المجد رقيا

نفيض العلم ينبوع رويّا

ثم ندعو بتلاقينا سويا

وتشيد العلم صرحا أبديا

فتاة الغد …. كلمات: عبد الكريم الكابلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق