ثقافة وفن

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم

بدر الدين العتاق

هذه الكلمة بعيدة كل البعد عن استدرار الموروث الديني التاريخي مما يغني عن التنبيه إليها مرة أخرى.

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم؛ يدوران حول محورين مهمين وأساسيين لحياة السيد المسيح، عليه السلام؛ هما: عدم قتل أو صلب المسيح، عليه السلام [المحكم]؛ وقد أشرت إلى هذا الأمر في كلمتي: ” ولكن شبه لهم ” وتأويلها [المتشابه]؛ فالتراجع في موضعها إن شاء الله.

وردت الصيغة المحكمة لهذه القضية في سورة آل عمران بالتحديد مع الأخذ في الاعتبار أنَّها محورية جوهرية في النص القرآني ولا يُعلى عليها بحال من الأحوال؛ لقوله تعالى: ‭{‬هو الذي أنزل عليك الكتاب؛ منه آيات محكمات هنَّ أم الكتاب ‭}‬ المصدر السابق؛ والإحكام هو الثبوت القطعي الفعلي المحض البحت الذي لا يقبل الظن ولا الخاطرة ولا الحدس ولا التشويه ولا التخيل ولا الوسوسة الفجة ولا التشبيه ولا المتشابه؛ إذ أنَّ تسلسل الأحداث الحياتية للسيد المسيح،  عليه السلام،  وردت بحذافيرها في نص هذه السورة وبالتحديد أوائلها أو الجزء الأول منها إذا جعلت السورة ثلاثة أقسام – أنا لم أقسم هذه الأقسام من ذات نفسي. . لا ولا كرامة!  بل المتأمل لها يرى تقسيم المولى عز وجل لها بهذه الكيفية المحكمة وهي هي معنى الآية الكريمة مفتتح السورة: ” الم ” فالهمزة تشير إلى كلمة: (اصطفى) وحرف اللام يشير إلى كلمة: (آل إبراهيم) أي: حرف لام آل؛ وحرف الميم يشير إلى كلمة: (آل عمران) أي: حرف الميم من ” عمران ” من تمام الآية: [إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين] – وجاء القسم الأول منها يقص خبر آل إبراهيم، عليه السلام؛ وهم:

آل إسحاق بن إبراهيم،  عليهما السلام؛ وذريتهما من نسل بني إسرائيل وبالتحديد سيدنا موسى،  عليه السلام؛ والقسم الثاني منها هو: آل إسماعيل بن إبراهيم،  عليهما السلام؛ و ذريته وبالتحديد سيدنا محمد،  عليه السلام؛ والقسم الثالث منها هو: آل عمران ذرية آل إسحق بن إبراهيم،  عليهم السلام جميعاً إن شاء الله؛ وبالتحديد سيدنا عيسى بن مريم،  عليهما السلام،  فتتلخص هذه العوائل في أنبياء بني إسرائيل وبالتحديد سيدنا موسى وسيدنا عيسى،  عليهما السلام [ يشير فقط لسيدنا موسى،  عليه السلام،  من بعيد إذ الأصل المحكم الثابت هنا هو سيدنا عيسى بن مريم،  عليهما السلام ]؛ من طرف لترجيح قاعدة ميزان ذراري الأسرتين أو العائلتين إذا علمت أن الطرف الثاني من كفة الميزان من ذات الأسرة المستخلصة والمصطفاة من نسل ذريتي آدم ونوح،  عليهما السلام؛ هو سيدنا محمد بن عبد الله؛ عليه السلام؛ ونشير سريعاً لسبب ذكر آدم ونوح عليهما السلام فهما أبوا البشرية؛ فآدم،  عليه السلام؛ أبو البشرية الأول وهو معروف بالضرورة؛ ونوح،  عليه السلام؛ الأب الثاني الذي حمل جرثومة البقاء بالنسل في السفينة عند حادثة الطوفان؛ ومنها تناسلت الأسرة البشرية تناسلها الحالي وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فكان الاصطفاء من كل تلكم الذراري الكبيرة والممتدة نسلاً ونسباً لهاتين العائلتين التاريخيتين وعلى قمتها بلا شك هو الثالوث النبوي المقدس: موسى؛ عيسى؛ محمد؛ صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

لم تُفَصِّل سورة آل عمران بالتحديد قصة موسى، عليه السلام، في هذا الموضع؛ فأفرد له الحق تبارك وتعالى فصولاً في سور أُخريات فالتراجع في موضعها وهنَّ معروفات كسورة القصص وطه؛ وعيسى، عليه السلام؛ كما هو معروف بالضرورة أيضاً فإن الحق عز وجل أفرد لقضيته وحياته فصولاً في القرآن الكريم يصف مراده منها كسورة مريم وآل عمران؛ وعن الأخيرة نحن نتكلم.

إذا قبلت هذا التسلسل عقلاً فأنت ملزم – أيها الإنسان الكريم – أن تقبل ما ورد عنها لزاماً إذ سماها الله تعالى بالمحكمات أمُّ الكتاب (هن أم الكتاب) من قوله تعالى: ‭{‬هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب‭}‬ يعني إن شاء الله: أصل الحكاية الثابتة [ أي: الكتاب فمعناه القصة وما وراءها من نبأ،  وهنا يشير إلى ملابسات قضية عيسى بن مريم،  عليه السلام،  المحكمة بالذات ] لديكم في التاريخ البشري قاطبة قديمه وحديثه ولاحقه؛ حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ فلا يصرفنكم عنها صارف ولا يشغلنكم منها شاغل؛ وتقتضي حكمة الله فيما يجليه لوقته من بيان وتبيين؛ ومتى ما وجدتها – أي: الحكمة – وجب عليك إلزاماً الأخذ بها فأنت أحق بها لقوله صلى الله عليه وسلم في الأثر: [الحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها فهو أحق بها ] رواه الترمذي وقال ضعيف؛ وقوله عليه السلام: [إذا عرفت فالزم].

ما سبق ذكره هو المنصوص عليه بالثابت المحكم من الآية أعلاه كما وضحنا في مجمل سور القرآن الكريم؛ ومن ذهب غير هذا المذهب فعليه بمراجعة علمه بلا شك؛ حتى لا يختلط حابل الفقه الإسلامي وفقهاءه بنابل التخصيص للسورة المعينة للقضية المعنية؛ كذلك المفكرين والمثقفين العصريين ممن خلطوا بين فهم الفقهاء ونوازل أفكارهم وأطروحاتهم المتأعصرة؛ فإن لكل سورة في القرآن الكريم موضوع يختلف عن الآخر ويربط بعضه برقاب بعض الروح القدس الواحدة التي أنزلت الكتاب المقدس؛ ومن هنا كان الفصل تماماً وملزماً وواجباً على كل دارس للقرآن الكريم وبالتحديد في قضية التأويل العلمي والتاريخي للسيد المسيح؛ عليه السلام؛ وأخص بالذكر قضية القتل والصلب [ المتشابه فيها ] من الرفع [ المحكم فيه ]؛ لأنها شائكة ومعقدة للغاية ولأنها موضوع سورة آل عمران موضع حديثنا عنها.

أنبه هنا: لا علاقة بأحكام الشريعة الإسلامية والعبادات من ناحية كلمة: ” منه آيات محكمات ” لعموم آيات التشريع وتقرير العبادات؛ مقابل ضبط وحصر وتحديد الآيات المحكمات في قضية عيسى بن مريم، عليه السلام؛ القتل والصلب؛ فهو بعيد كل البعد عن القتل والصلب وما حولهما من تداعيات فهو أجل وأخطر من الزج به لمثل هذه الترهات.

يتضح مما سبق ذكره: كفتا ميزان آل إبراهيم: ذرية موسى بن عمران؛ نسل بني إسرائيل من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ عليهم السلام، وعيسى بن مريم، عليه السلام (كفة الميزان الأول) وبالأخص السيد المسيح، وآل إبراهيم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؛ نسل إسماعيل بن إبراهيم، عليهم السلام جميعاً – يعني: ذرية إسماعيل بن إبراهيم والتي جاء منها النبي الخاتم ” محمد ” عليه السلام) كفة الميزان الثاني)؛ لذا قال جلَّ من قائل: ‭{‬ذرية: بعضها من بعض!  والله سميعٌ عليم‭}‬ المصدر السابق.

لنرى القسم الثاني من الآية الكريمة: ‭{‬هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب!  وأخر متشابهات! ‭}‬ وهي المتشابهة على الناس حول قضية عيسى بن مريم،  عليه السلام – القتل والصلب / الرفع -؛ فيحدثنا التاريخ الإنساني الطويل ‭{‬حوالي: 2020 سنة للوراء ‭}‬ بمجريات الأحداث التي شهدتها حياة نبي الله عيسى،  عليه السلام؛ من اشتباه أمر القتل والصلب من الرفع؛ وهذا واضح للغاية مما يغني عن الإعادة هنا إذ بسطت الشرح حول تلكم القضية في كلمتي: ” ولكن شبه لهم ” من سورة النساء؛ مما يفضل قراءتها هناك؛ لكن من صميم قلب السورة – آل عمران – أنبه فقط لإعادة تأمل الآيات مراراً وتكراراً بكل دقة من أول السورة حتى قوله تعالى منها: ‭{‬وما يفعلوا من خيرٍ فلن يكفروه!  والله عليم بالمتقين‭}‬ وهنا ينتهي القسم الأول من السورة بشقيها من ذكر عيسى، عليه السلام – موسى، عليه السلام؛ في الإطار العام – ليبدأ بعدها القسم الثاني يحكي عن موضوع بعينة وقضية بذاتها عن محمد؛ عليه الصلاة والسلام.

وبهذه المناسبة أنبه أيضاً للربط ما بين آخر السورة من القسم الثاني مع سورة محمد بالجزء السادس والعشرين في المصحف الشريف.

تأكيداً لما سبق شرحه وبيانه اختم كلمتي بالإشارة إلى أن المتشابهة من خلال القراءة للمادة أعلاه هي قوله تعالى: ‭{‬وأخر متشابهات‭}‬ – يذهب إلى التعريف بمجريات الأحداث حول الانقسام الفكري والثقافي والاجتماعي والعقدي لقضية القتل والصلب من الرفع والإعادة للأرض من جديد مما أدى إلى التنافر الكبير السلبي بين المفهومين والغرضين والفريقين من الناس: المسيحيون وأتباع محمد،  عليهما الصلاة والسلام؛ وتبادل الآراء والأفكار مجملها حول المحكم والمتشابه في أي رأي صواب كان لصالح أي فريق منهم هل: صلب المسيح،  عليه السلام،  وقتل أم هو حي يرزق في السماء مرفوعاً لينزل من جديد عند نهاية الزمان ؟  -أن لا علاقة بين المفهومين فيما وقع فيه الكثير من الناس في الزج لقضايا الأحكام والعبادات والتشاريع السماوية وما اختلف عليه المتقدمين من الفقهاء والشُرَّاح وأهل المذاهب ومن شاكلهم،  بالربط أو الدمج أو الاستنباط لكثير من الأحكام وجعلها علماً وعرفاً وديناً إضافياً ملزماً باعتبارها من صُلب العقيدة الإسلامية وأحكامها أو عباداتها أو تشاريعها،  كأي قضية خلافية بين أفهام المتقدمين أو اعتبارها جزءاً أصيلاً من جملة ما اختلفوا عليه أو اختلفوا فيه،  فلكل قضية غرضها المغروض بطبيعة الحال،  فلا يصح في الأفهام بعد هذه الكلمة أن نطلق فرضاً وتعميماً وإلزاماً أنَّ: المحكم والمتشابه في القرآن الكريم،  هو جملة وتفصيل ما جاء في الأحكام – الميراث،  القتل،  الرجم،  الزنا، . . إلخ – بما فيها قضية القتل أو الصلب أو الرفع ما عد إلزاماً هذه الأخيرة، فهذا خطأ عظيم!

الحق هو: إنَّ معنى قوله تعالى: ‭{‬هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمُّ الكتاب وأُخرُ متشابهات ‭}‬ مقصود بالأصالة ما ورد عاليه من أنَّ: السيد المسيح،  عليه السلام،  لم يُقتل ولم يُصلب،  وهي المـــــــتشابه فقط في هذه القضية،  وهو ما قال عنه المولى عزَّ وجل: ‭{‬وأُخَرُ متشابهات ‭}‬ كما بيَّنا سابقاً عند تأويل قوله تعالى: ‭{‬ولكن شُبِه لهم ‭}‬ سورة النساء،  أي: المتشابهات أمَّا المحكم الثابت الذي لا لبس فيه ولا غموض ولا تشوبه شائبة التشابه في القول أو الفعل أو الحدث هو: رفع السيد المسيح،  عليه السلام،  إلى السماء من قوله تعالى: ‭{‬آيات محكمات هنَّ أمُّ الكتاب ‭}‬ يعني: أصل وحقيقة ما جرى من أحداث قبل 2020 سنة من ميلاد المسيح،  عليه السلام،  وكلمة: ” آيات ” تفيد قصة حياته منذ الميلاد إلى أن رُفع إلى السماء كما جاء في سورة مريم وآل عمران والمائدة وغيرها كل القصة وتمامها،  وما عداها 2020 سنة،  أي: بعدها من تشويه وتشابه وإشاعات حول مسألة القتل أو الصلب من قِبل اليهود ومن شايعهم على بث الإشاعة والتزييغ لطمس الحقيقة،  هو المتشابه.

قال تعالى: ‭{‬فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله!  وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون: آمنا به – أي الأمرين: المحكم والمتشابه في قضية عيسى بن مريم، عليه السلام – كل من عند ربنا!  وما يتذكر إلا أولوا الألباب * ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه!  إن الله لا يخلف الميعاد‭}‬ المصدر السابق؛ صدق الله العظيم. اللهم اجعلنا من الراسخين في العلم ولا تجعلنا من الزائغة قلوبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق